الثلاثاء 13 يناير 2026

مقالات

هل نحن قادرون فعلاً على استشراف مستقبل التكنولوجيا.. في ظل تنامي ظاهرة البجعة السوداء؟!


  • 10-1-2026 | 11:51

د. محمد عزام خبير التحول الرقمي

طباعة
  • د. محمد عزام

سؤال قد يبدو منطقيًا، ويتوقع بعضنا أنه من السهل على الخبراء والمتخصصين الإجابة عليه بمنتهى البساطة، حيث إنهم الأدرى ببواطن الأمور.

ولكن الحقيقة على العكس تمامًا! وأيضًا ما هي تلك البجعة السوداء وماذا تعني؟ هذا كله سيتم استعراضه خلال المقال.
بدون أدنى شك، إن التنبؤ والاستشراف يمثلان آليات حاسمة لتوقع الاتجاهات المستقبلية والاستعداد للتحولات المجتمعية والاقتصادية والتكنولوجية. ويعتمد التنبؤ على استخدام البيانات والنماذج والتقنيات التحليلية للتنبؤ بالنتائج المستقبلية بناءً على الأنماط التاريخية، بينما يعتمد الاستشراف على تصور السيناريوهات المحتملة من خلال دمج الرؤى والحدس والمعرفة متعددة التخصصات. كلا النهجين يهدفان إلى توجيه صنع القرار للحكومات والشركات والمنظمات للتعامل الآمن مع مستقبل مجهول غير محدد الملامح.
ومع ذلك، فإن التسارع في وتيرة التطوير التكنولوجي في القرن الحادي والعشرين، مدفوعًا بالتقدم في الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية والتكنولوجيا الحيوية وغيرها من المجالات الناشئة، جعل هذه الممارسات أكثر تعقيدًا وصعوبة.
يستعرض هذا المقال الأسس النظرية لآليات التنبؤ والاستشراف، ويستعرض لماذا يعقّد التقدم التكنولوجي المتسارع بمعدلات تفوق القدرة على الاستيعاب في غالب الأحوال تنفيذهما، ويبرز الآثار المترتبة على عدم القدرة على وجود الاستعداد الاستراتيجي لهذا المستقبل المختلف تمامًا عما عهدناه على الأقل منذ الثورة الصناعية الأولى في أواخر القرن الثامن عشر.
على العموم، تقوم نظرية التنبؤ على منهجيات تحليل البيانات السابقة والحالية لتوقع الاتجاهات المستقبلية. وتُستخدم تقنيات مثل النمذجة الإحصائية ودراسة الاتجاهات المختلفة وتطوير مجموعة من السيناريوهات للتنبؤ بالنتائج في مجالات متعددة، مثل المجالات المتعلقة بالاقتصاد والتكنولوجيا والسياسات العامة. أما الاستشراف فهو عملية أقل تنظيمًا بالمقارنة بالتنبؤ، وتؤكد على التفكير القائم على الرؤية ودمج وجهات النظر المختلفة لتخيل السيناريوهات المحتملة. وهناك رأي يقول إن الاستشراف يتطلب نهجًا أكثر تحررًا، بعيدًا عن القوالب النمطية، حيث تتطلب التعقيدات والشكوك والتغيرات السريعة استراتيجيات مرنة وقابلة للتكيف بدلاً من التنبؤات الجامدة.
وهذا التمييز بين الأمرين حاسم في سياق عصرنا الحالي، حيث تستمر التقنيات المتقدمة في تعطيل نماذج التنبؤ التقليدية. فعلى سبيل المثال، فإن النمو المطّرد غير المسبوق في قدرات الحوسبة – الذي وصفه في البداية قانون مور منذ منتصف الستينيات ثم تجاوزه بطريقة مذهلة قانون هوانغ في أوائل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين – دفع الابتكار بسرعات تفوق قدرة التنبؤ النمطي على توقعها.
وكان هذا واضحًا في عدم قابلية التنبؤ بالاستخدامات المستحدثة للتكنولوجيات البازغة، مثل التبني المفاجئ للذكاء الاصطناعي التوليدي منذ عام 2022، وهذا يؤكد كيف تعاني المنهجيات التقليدية القائمة على البيانات في تحديد المسارات غير الخطية للتقدم التكنولوجي.
ويُدخل التطور التكنولوجي السريع عدة تحديات لعمليات التنبؤ والاستشراف. أولًا، تقلّص سرعة الابتكارات التكنولوجية أفق التنبؤات النمطية. فلقد تطورت تقنيات مثل الجيل الخامس للإنترنت والمركبات ذاتية القيادة والبلوك تشين من مفاهيم متخصصة إلى تطبيقات عالمية في غضون سنوات قليلة، مما جعل التنبؤات طويلة الأمد أمرًا عفا عليه الزمن.
وهذا ما أكده اثنان من المفكرين المؤثرين اللذين شكّلا فهمنا للاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي ومستقبل الأعمال، وهما إريك برينجولفسون، الأستاذ في جامعة ستانفورد ومدير مختبر الاقتصاد الرقمي في معهد ستانفورد للذكاء الاصطناعي المتمركز حول الإنسان، وأندرو مكافي، الباحث الرئيسي في كلية سلون للإدارة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا والمؤسس المشارك لمبادرة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في الاقتصاد الرقمي.
وهما يؤكدان أن “عصر الآلة الثاني” قد بدأ، وهو قائم على التسارع التكنولوجي غير النمطي وتأثيراته المركبة والملازمة له، والتي يصعب التنبؤ بطبيعتها. كما يوضحان أن هذا العصر الجديد ليس مجرد استمرار للأتمتة الميكانيكية التي بدأت منذ خمسينيات وستينيات القرن العشرين، بل يمثل صعود الأنظمة الذكية القادرة على التعلم والتحليل واتخاذ القرارات بشكل مستقل بعيدًا عن التدخلات البشرية. وهذا على عكس الثورات الصناعية السابقة والتي أعادت تشكيل العمالة القائمة على البشر بشكل أساسي، حيث يستهدف النموذج التكنولوجي الحالي العمليات المعرفية – مما يؤدي إلى إعادة تعريف عميقة لكيفية خلق القيمة المضافة وتوزيعها.
كما يؤكد المؤلفان نتيجتين رئيسيتين لهذا التحول، وهما الوفرة، التي تشير إلى ثروة الابتكارات التي تعزز الإنتاجية والرفاه؛ والانتشار، الذي يشير إلى اتساع الفجوات في الدخل والفرص بين الدول والمجتمعات المالكة للتكنولوجيات المتقدمة وغير المالكة لتلك التقنيات. ومع توسع الرقمنة والأتمتة والاقتصاديات المعرفية، فهذا في الوقت نفسه يساعد على تضخم الإبداع بالصورة الإيجابية، وتفاقم عدم المساواة بين دول الشمال المتقدم ودول الجنوب الأقل تقدمًا.
لذا يحذر برينجولفسون ومكافي من أنه بدون القدرة على المرونة والتكيف في الوقت المناسب، تخاطر المجتمعات بالركود الاقتصادي والتشريد الوظيفي على نطاق واسع. وللتخفيف من هذه الآثار، يدعوان إلى تدخلات استراتيجية من صناع القرار في شكل أنظمة تعليمية قادرة على استيعاب التطور التكنولوجي المتسارع ونماذج الأعمال المستحدثة المصاحبة لهذا التطور، وسياسات عمل مُعادة الصياغة للتوافق مع هذا التغير، ونظم بيئية ريادية تشجّع على التعاون بين البشر والآلات. فالتكنولوجيا، كما يقولان، محايدة بطبيعتها، وتأثيرها المجتمعي يحدده الاستخدام الجماعي لها. لذا، مع سياسات استباقية، قد يصبح عصر الآلة الثاني فصلًا من الابتكار غير المسبوق والازدهار على نطاق واسع.
ولتوضيح تلك المفاهيم، فقد تسارعت عملية اكتشاف الأدوية بشكل ملحوظ عند تقاطع الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية – وأبرزها من خلال التطوير السريع للقاحات mRNA استجابةً لجائحة كوفيد-19 العالمية، وهو تطور كان سيبدو غير محتمل قبل عقد من الزمن فقط.
علاوة على ذلك، فإن الترابط المتزايد للأنظمة العالمية يعقّد المشهد. فيمكن للتقدم التكنولوجي في منطقة ما حول العالم، مثل الزيادة الهائلة في تسجيل براءات الاختراع في مجال الذكاء الاصطناعي في الصين، أن يؤثر بشكل يفوق التصور عبر سلاسل التوريد والأسواق العالمية، مما يعقّد جهود التنبؤ بمستقبل التكنولوجيا على المستوى المحلي. وهذا يؤكد صعوبة عزل المتغيرات المختلفة داخل نظام بيئي عالمي مترابط ومتشابك بطريقة معقدة.
وهناك عقبة كبرى أخرى أمام تطوير نماذج تنبؤ واستشراف قابلة للتطبيق في وقتنا الراهن، وهي تنامي ظاهرة “البجعة السوداء”، وهي تتلخص في وجود تطورات تكنولوجية غير متوقعة وعالية التأثير بدرجة كبيرة وبشكل عالمي تتعدى الحدود الجغرافية، بما يُعطّل نماذج التنبؤ التقليدية ويجعلها خارج السياق في أغلب الأحيان. ويزيد التقدم التكنولوجي المتسارع من احتمالية مثل هذه التحولات، حيث غالبًا ما تحدث تلك التحولات دون سابق إنذار من الجميع. وهذا ما أكده نسيم نيكولاس طالب، الكاتب والإحصائي اللبناني الأمريكي، إذ يرى أن أحداث البجعة السوداء – مثل صعود الإنترنت المفاجئ أو التأثيرات المجتمعية غير المتوقعة لوسائل التواصل الاجتماعي – تكشف عن هشاشة نماذج التنبؤ القائمة على البيانات التاريخية.
وأيضًا على سبيل المثال، أخذ التبني السريع لتقنيات العمل عن بُعد خلال جائحة كوفيد-19 العديد من المنظمات على حين غرة، حيث لم يتوقع سوى القليل حجم التحول الرقمي المطلوب. لذا، فإن الاستشراف، الذي يتضمن تخيّل سيناريوهات متعددة محتملة، مجهز بشكل أفضل للتعامل مع مثل هذه التطورات غير المتوقعة. ومع ذلك، فالاستشراف لا يزال يتعثر تحت وطأة المتغيرات العديدة التي تُدخلها التقنيات الناشئة مثل الحوسبة الكمومية، التي من الممكن أن تقدم تحولًا كبيرًا في مجالات عدة تتراوح من التشفير إلى اللوجستيات بطرق لا تزال غير متوقعة إلى حد كبير.
كما أن تعقيد النظم التكنولوجية الحديثة يقوّض جهود التنبؤ والاستشراف بصورة أكبر. فلم تعد التقنيات معزولة عن بعضها؛ بل أصبحت جزءًا من شبكات معقدة تشمل الشركات متعددة الجنسيات والحكومات وسلاسل التوريد العالمية. وكما أفادت منظمة الملكية الفكرية العالمية التابعة للأمم المتحدة، فإن طلبات تسجيل براءات الاختراع العالمية بلغت 3.55 مليون في عام 2023، والصين وحدها تمثل 47.2% من هذا الرقم، وهو ما يعكس حجم وسرعة الابتكار على المستوى الدولي.
وأيضًا، فإن هذه الزيادة في أنشطة حماية الملكية الفكرية، خاصة في مجال الذكاء الاصطناعي، خلقت مشهدًا ديناميكيًا حيث يظهر لاعبون جدد مثل دول شرق آسيا وتقنيات جديدة تتسارع وتيرة تطويرها بصورة غير مسبوقة وتتقاطع مع بعضها البعض بما يجعل وتيرة التطور تصاعدية وليس خطية، مما يجعل أطر التنبؤ والاستشراف الحالية محل شك.
فعلى سبيل المثال، مبادرة “صُنع في الصين 2025” التي دشنتها الحكومة الصينية في 2015 لجعل الصين القوة التكنولوجية الأكبر في العالم – من خلال الريادة في المجالات التكنولوجية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة وصناعة الإلكترونيات ونظم النقل البري والجوي واللوجستيات والتجارة الإلكترونية والمواد المتقدمة وغيرها – سرعت سعيها للاكتفاء التكنولوجي الذاتي، مما أعاد تشكيل ديناميكيات المنافسة العالمية بطرق كان من الصعب التنبؤ بها قبل عقد من الزمن. ويتطلب توقع مثل هذه التحولات دمج الرؤى الجيوسياسية والاقتصادية والتكنولوجية في إطار واحد، وهي مهمة تتجاوز حدود منهجيات الاستشراف التقليدية.
ورغم هذه التحديات، يظل التنبؤ والاستشراف أدوات أساسية للاستعداد لآثار التغير التكنولوجي السريع. فيمكن للاستراتيجيات المرنة مثل دمج البيانات في الوقت الفعلي وتخطيط السيناريوهات التكراري تحسين فعاليتهما. ويمكن للمؤسسات العامة والخاصة، على سبيل المثال، الاستفادة من التحليلات القائمة على الذكاء الاصطناعي لتحديث التنبؤات ديناميكيًا، بينما يمكن للاستشراف أن يدمج وجهات نظر جميع أطراف المنظومة لتخيّل مستقبلات بديلة. ويدعو الباحثون إلى نهج تشاركي، حيث يمكن أن يساعد التعاون متعدد التخصصات في معالجة معضلة النتائج الناجمة من تعقيد الأنظمة التكنولوجية الحالية والمستقبلية.
ومع ذلك، فإن عدم قابلية التنبؤ الجوهرية بالاكتشافات التكنولوجية المتعاقبة التي غيرت العالم، مثل الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي التوليدي، تتطلب عدم الاعتماد على آليات التنبؤ كما جرت العادة بصورة أكثر موثوقية في الماضي القريب. لذا، يجب على صانعي السياسات والشركات موازنة التنبؤات القائمة على البيانات وتحديثها بصورة مستمرة، مع استراتيجيات مرنة قائمة على الاستبصار والرؤية المتجددة وليس الاستشراف، للاستعداد لمجموعة واسعة من النتائج المحتملة التي قد تحدث نتيجة المشهد المعقد الناجم عن تسارع وتقاطع التطورات التكنولوجية.
في الختام، فإن آليات التنبؤ والاستشراف قد توفر أطرًا منطقية لتوقع الاتجاهات المستقبلية، غير أن وتيرة التطور التكنولوجي السريعة تقدم تحديات هائلة. فالنمو الاستثنائي للابتكار، والترابط بين الأنظمة العالمية، ومخاطر تنامي ظاهرة البجعة السوداء، وتعقيد النظم التكنولوجية كلها تُرهق منهجيات التنبؤ والاستشراف التقليدية. ومع استمرار تقدم تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية والحوسبة الكمومية، يجب أن يتطور التنبؤ والاستشراف من خلال منهجية أكثر ديناميكية تعتمد على تعدد وتكامل التخصصات، للوصول إلى عالم تكون التكنولوجيا فيه في خدمة تطور البشرية جمعاء بصورة أكثر عدلًا في تساوي الفرص بين دول الشمال والجنوب، وإن كنت أشُك!