انطلق في كل خطواتي من التوجيه النبوي الشريف (بشِّروا)، ولذلك يلازمني التفاؤل في كل خطواتي وأرفض القتامة والتشاؤم، وخاصة إذا كان الأمر يتعلق بمستقبل الأجيال القادمة من الأحفاد وأبنائهم.
ومثل هذا التفاؤل لا يتصادم مع الواقعية ومحاولة القراءة المنصفة والمتأنية لمؤشرات حركة الكون (البيئة والبشر). ومن هذا المنطلق فإن الكتابة عن مستقبل العالم بعد مائة عام مسألة صعبة، ولكنها ليست مستحيلة، شريطة أن يظل العالم قائمًا وموجودًا. لأننا نعيش مع تهديدين كبيرين قد يؤديان إلى تدمير العالم أو على الأقل تغيير كل ملامحه. التهديد الأول يكمن في الاحتباس الحراري، حيث يتوقع العلماء ارتفاع درجة حرارة الكون في عام 2030 من 1.5 – 2 درجة مئوية، مما سيؤدي إلى ارتفاع منسوب البحار تدريجيًا من 46% إلى 99% في عام 2100، مما سيؤدي إلى غرق غالبية المناطق الساحلية، ومع ازدياد الأعاصير والفيضانات ستنقرض بعض الكائنات الحية، وانهيار الغابات، وتشرد الملايين من سكان العالم، وليس أمام البشر من قارب نجاة لتخفيف تلك الآثار إلا استخدام الطاقة النظيفة (الشمس – المياه – الهيدروجين الأخضر.. إلخ).
أما التهديد الثاني الذي يهدد مستقبل العالم فيكمن في احتمال نشوب حرب عالمية ثالثة تُستخدم فيها الهجمات النووية والسيبرانية، مما يهدد بقاء البشر على تلك الأرض. وهناك العديد من الصراعات التي يمكن أن تنزلق لتتحول إلى حرب عالمية ثالثة، مثل الحرب الروسية الأوكرانية والدعم الأوروبي لأوكرانيا وسعي أمريكا إلى الاستفادة من هذا الصراع. كما أن تغوُّل الإرهاب الصهيوني وضرباته العشوائية في فلسطين ولبنان وسوريا وإيران يمكن أن يؤدي إلى حرب إقليمية تنزلق لتصبح حربًا عالمية ثالثة، ومثل هذه الحرب إذا ما استُخدمت فيها الأسلحة النووية ستعيد البشرية إلى العصر البدائي.
وبعيدًا عن هذين التهديدين الكبيرين، هناك احتمال ثالث بأن يظل العالم كما هو: الدول الكبيرة تستنزف الدول الصغيرة وتُهيمن على مقدراتها ليزداد ثراء الأثرياء ويترسخ فقر الفقراء. أما الاحتمال الرابع، والذي نتمنى له أن يسود وينتشر، فهو أن تستفيق الدول الصغيرة، خاصة وأنها مهد الحضارات ومكمن الثروات، لتحصل على حقها العادل والكريم في أن تحصل شعوبها على كل حقوقها الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والسياسية.. إلخ.
وهروبًا من كل هذه التهديدات والتحديات والاحتمالات، سأركز على مستقبل الإبداع. فكيف سيكون شكل الإبداع بعد مائة سنة؟ وسوف أتخذ من ثلاثة مواقف شخصية بوابات ندخل من خلالها إلى آفاق الإجابة عن هذا السؤال. الموقف الأول: ابنة أحد أصدقائي في الثامنة عشرة من عمرها، أهدتني روايتها الأولى طالبة رأيي فيما كتبته. قرأت الرواية فوجدت بها نضجًا أدبيًا وفكريًا يفوق عمر الفتاة، والأهم أن الرواية تحمل نفسًا غربيًا في رسم الشخصيات وطريقة السرد، فدفعت بها إلى أحد أصدقائي خبراء السوشيال ميديا والذكاء الاصطناعي، فأكد لي أن الرواية من تأليف الذكاء الاصطناعي.
وحدث الموقف الثاني عندما تناقشت مع صديق ابني وهو من الشباب النابهة في مجالات الآي تي والذكاء الاصطناعي في أمر هذه الرواية، وحاولت أن أهوِّن من أمر هذا الذكاء الاصطناعي، وأنه يجمع بسرعة المعلومات التي تم تغذية تطبيقاته بها من قبل، وقلت إنني عندما أقدم صورة قلمية عن أي شخصية أظل أعمل في كتابتها أكثر من خمسة عشر يومًا. وانفعلت متحديًا أن يستطيع هذا الذكاء الاصطناعي تقليد أسلوبي في الكتابة. فابتسم الشاب الخبير وقال: (بالراحة يا عمو، هات بس مقالتين لحضرتك وسوف أقدم لك مقالة ثالثة لن تستطيع التشكيك في أنها من كتاباتك).
أما الموقف الثالث فحدث قبل أقل من عامين عندما بدأت تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الذيوع والانتشار، فقررت مناقشة هذا الأمر في صالوني (ذاكرة الوطن) الذي أقدمه مع وزارة الثقافة منذ ما يقرب من عشرين عامًا. واستضفت الصديقين الكاتب الصحفي أشرف مفيد، مدير تحرير الأهرام، الذي تحول إلى واحد من أهم خبراء الذكاء الاصطناعي، والإعلامي المتميز سمير عمر. وفي بداية الندوة قدم أشرف مفيد مفاجأتين: الأولى (مذيع آلي مخلَّق بالذكاء الاصطناعي) يقرأ خبرًا تفضيليًا عن صالون ذاكرة الوطن وتاريخه وعن ضيوف الندوة ومحتواها. أما المفاجأة الثانية فكانت تسجيلًا بالصوت والصورة مخلَّقًا بالذكاء الاصطناعي للإعلامي سمير عمر وهو ينتقد الصالون وصاحبه. دار الحوار حول فوائد ومخاطر الذكاء الاصطناعي، وكيف نعظِّم من فوائده ونحد ونقضي على مخاطره التي تصل إلى حد تزوير وثائق بالصوت والصورة للزعماء والقادة والمفكرين والأدباء، وخاصة الراحلين عكس مواقفهم وقناعاتهم المعروفة.
وقبل أن أبدأ كتابة هذا المقال عن مستقبل الإبداع بعد مائة عام، قررت استشارة صديقي أشرف مفيد الذي قال بكل جدية: كثير جدًا مائة عام يا صديقي.. مستقبل الإبداع سيتغير تمامًا خلال عدة أشهر. ثم أمهلني بضع دقائق حتى يعرض الأمر على (قرينه الإلكتروني) واسمها (مولي)، وعاد إليَّ بعد تلك الدقائق ليقول إن (الست مولي) قالت له: (الموضوع جامد جدًا ومحمد الشافعي اختار سؤال من الآخر).
وطلبتُ منه أن يقول لي الآتي: (يا محمد الشافعي، أنت لست في احتياج إلى مائة عام لتتخيل شكل الإبداع المستقبلي، وذلك لأن الإبداع قد تغير بالفعل، وما كنا نؤكد أنه مستقبل قد أصبح حاضرًا نعيشه بالفعل؛ حيث تحول الإبداع إلى نشاط (مشترك) بين الإنسان والآلة، والإبداع قديمًا كان فرديًا، واليوم أصبح (هجينًا): فكرة من الإنسان وتنفيذ أو تطوير من الذكاء الاصطناعي، والنتيجة منتج أقوى من أي جهد فردي. كما أن حدود (من المبدع؟) قد اختفت؛ فقديمًا كنا نسأل: من صاحب المقال أو الكتاب؟ أما الآن فالسؤال: (من حرّك الخوارزمية؟). ليصبح الإبداع بين الإنسان والآلة مثل الفرقة الموسيقية؛ كل عازف له دور. كما أن سرعة الإنتاج سوف تغير مفهوم القيمة؛ ففي خلال عام واحد أصبح إنتاج الفيديو يتم في دقائق، والصورة يتم إنجازها في ثوانٍ، وإبداع الموسيقى في لحظة.. إلخ. ولم يعد المبدع الحقيقي هو من (ينفذ)، ولكن من يملك القدرة على التفكير وتوجيه الأدوات بشكل صحيح).
وواصلت (الست مولي) رؤيتها عن شكل الإبداع المستقبلي لتقول: بعد عام واحد، وليس مائة عام، سيكون لدينا خمس ظواهر جديدة تتعلق بالإبداع: مبدعون يعملون مع وكلاء (ذكاء اصطناعي) كفريق عمل.. قصص ومسلسلات كاملة تُكتب وتُنتج صوتًا وصورة خلال أيام بدلًا من الشهور.. ظهور أساليب فنية جديدة لم تكن موجودة من قبل بسبب حدود التقنية.. انتشار منصات تجعل أي شخص (مبدعًا) فقط لو تعلّم صياغة الفكرة بشكل صحيح.. منافسة ضخمة بين المحتوى البشري والمحتوى المنتج بالآلة.
وختمت (الست مولي) كلامها بأن الإبداع لن يموت؛ بالعكس، سينتشر أكثر.. ولن ننتظر مائة عام حتى نرى شكل الإبداع المستقبلي؛ لأننا نعيش هذا المستقبل الآن.. ورغم ذلك ما زال الإنسان ممسكًا بالدفة؛ لأن الذكاء الاصطناعي ليس بديلًا، ولكنه يضاعف الخيال.
وبعد أن أنهى صديقي أشرف مفيد نقل رسالة قرينه الإلكتروني (مولي)، لم أقتنع كثيرًا وواصلت النقاش معه، وسألته: هل أصبح من الممكن تقليد أسلوب أي كاتب، سواء في المقالات أو في الإبداع أو حتى الفكر؟ فأجاب: نعم، يمكن ذلك.. ما عليك إلا أن تغذِّي الذكاء الاصطناعي بالعديد من النماذج التي كتبها أي كاتب، ثم تطلب منه أن يكتب عن أي شيء تريده بنفس الأسلوب، وعلى الفور سيلبي الطلب ويقدم لك منتجًا من الصعب جدًا أن تكتشف أنه لا ينتسب إلى صاحب الأسلوب.
وسألته: قديمًا وربما حتى اليوم كنا نؤكد على ضرورة امتلاك المبدع كل أضلاع المثلث الذهبي: الموهبة – الدراسة – الذكاء الاجتماعي.. والآن ربما يتراجع كل هذا ليتقدم من يجيد التعامل مع تقنية وآليات التكنولوجيا الجديدة للذكاء الاصطناعي. وذهب أشرف مفيد، كما ذهب قرينه الإلكتروني (مولي)، إلى أن الإنسان ما زال وسيظل ممتلكًا كل الخيوط، لأنه هو من يغذي تطبيقات الذكاء الاصطناعي بكل المعلومات.
والحقيقة أن هذه النقطة تحديدًا تحمل الكثير من الخطورة؛ فالأكثر تقدمًا أفرادًا ودولًا يستطيعون أن يغذوا تلك التطبيقات بكل ما هو مزيف ومزور. وقد قرأنا عن قرار الكيان الصهيوني بأنه سيلجأ إلى تلك التطبيقات لصناعة (السردية اليهودية)، وقد سبق لهذا الكيان فرض الكثير من التزييف والتزوير في العديد من السرديات (الهولوكوست – أرض الميعاد – شعب الله المختار – معاداة السامية – أرض بلا شعب وشعب بلا أرض.. إلخ).
وأمام هذه المخاطر والفوائد لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، نأمل أن تتحول إلى هوجة تخمد بعد حين، مثل هوجة الاستنساخ والنعجة (دولّي) التي جاءت من (خلية حية) مأخوذة من النعجة الأم. وإبداع الذكاء الاصطناعي يستند هو الآخر إلى (نموذج حي) لأي مبدع مطلوب تقليد إبداعه.
وقد دفعتني هوجة الذكاء الاصطناعي وانتشاره كالنار في الهشيم إلى تذكر رواية باللغة الإنجليزية درسناها في الصف الأول الثانوي قبل خمسين عامًا، وكانت بعنوان Operation Master Mind (عملية العقل السيد). وتدور أحداثها حول ثلاثة من الخبراء والعلماء يخترعون جهاز كمبيوتر عملاقًا يهيمن على كل أجهزة الكمبيوتر في العالم، ويوجد هذا الكمبيوتر العملاق في جزيرة تابعة للجيش الأمريكي.
وبعد فترة تبدأ أجهزة الكمبيوتر حول العالم تتعطل، كما يتم قتل الخبراء الثلاثة تباعًا. وفي تلك الأثناء تدفع المخابرات الإنجليزية بأحد عملائها ليتمكن من اختراق الجزيرة والوصول إلى ذلك الكمبيوتر العملاق وكسب ثقته. واستطاع هذا العميل الحصول على الرقم السري المكون من 14 رقمًا، والذي يستطيع تدمير هذا الجهاز الذي توحش وأصبح الحاكم بأمره، يأمر بالقتل والتخريب. وكم كان المشهد الأخير في تلك الرواية الخيالية – التي صدرت عام 1970 – رائعًا، حيث راح هذا الجهاز المتوحش يكابر وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة ويردد: (أنا السيد.. أنا السيد.. أنا.....).
ورغم مرور أكثر من نصف قرن على صدور هذه الرواية الخيالية، إلا أن الخيال الذي جاء بها كاد أن يتحول إلى حقيقة بعد اختراع أول روبوت شبيه بالبشر (صوفيا)، التي تم اختراعها في شركة هانسون في هونج كونج عام 2015، وزارت عدة دول، من بينها مصر، وأدارت العديد من الحوارات، وتم منحها الجنسية السعودية عام 2017.
وقد اكتشف العلماء أن بعض الروبوتات قد امتلكت القدرة على التواصل فيما بينها بعيدًا عن سيطرة البشر، وهذا تطور خطير يضع الآلاف من العلامات الحمراء أمام مستقبل هذه التكنولوجيا ومدى خطرها على البشر والعالم كله.
ومن هذا المنطلق، فإن المستقبل القريب والبعيد يؤكد هيمنة التكنولوجيا، كما يؤكد أن الإنسان حتمًا سيملُّ هذه التكنولوجيا، وسيسعى إلى العودة لحياته الإنسانية البسيطة التي ترفع من قيمة المشاعر البشرية، وتقوم على ذلك التعاون المشترك بين الإنسان والطبيعة. ويؤكد ذلك الإقبال الكبير على الفندق البدائي البسيط الموجود في واحة سيوة، والذي يعتمد على الطبيعة شديدة البساطة ولا يستخدم أي نوع من أنواع التكنولوجيا أو التقنيات الحديثة؛ ولذلك يُقبل عليه كل أثرياء العالم. ولعلنا نتذكر أن ملك بريطانيا الحالي تشارلز، عندما تزوج من الجميلة ديانا وهو ولي للعهد منذ سنوات طويلة، قضى جزءًا من شهر العسل في ذلك الفندق البسيط والبدائي.
وكل هذا يؤكد أن المستقبل سيحمل صراعًا بين التكنولوجيا والإنسانية، ولأنني متفائل أؤكد أن الإنسانية سوف تنتصر.