الإثنين 12 يناير 2026

ثقافة

سامح مهران: القوة الأخلاقية للمسرح تكمن في العلاقة بين ما يفعله العمل المسرح

  • 11-1-2026 | 08:59

الدكتور سامح مهران وإٍسماعيل عبد الله

طباعة
  • همت مصطفى

افتتح الدكتور أحمد فؤاد هَنو، وزير الثقافة، والكاتب إسماعيل عبد الله، أمين عام الهيئة العربية للمسرح، فعاليات الدورة السادسة عشرة من مهرجان المسرح العربي بالقاهرة، والذي تنظمه الهيئة العربية للمسرح بالتعاون مع وزارة الثقافة المصرية، خلال الفترة من 10 إلى 16 يناير 2026، وذلك تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس جمهورية مصر العربية.

ويأتي المهرجان تزامنًا مع الاحتفاء باليوم العربي للمسرح، وتحت شعار «نحو مسرح عربي جديد ومتجدد»، حيث يدير المهرجان الكاتب إسماعيل عبد الله، أمين عام الهيئة العربية للمسرح، والمخرج الكبير خالد جلال، المنسق العام للمهرجان، والأستاذ غنام غنام، مسؤول المجال الإعلامي بالمهرجان.
 

وفي كلمته قال الدكتور سامح مهران: «السيدات والسادة ضيوف المهرجان العربي أهلا وسهلا بكم في مهرجان المسرح العربي في دورته السادسة عشر

إن المسرح دائمًا هو ابن لعصره، ومن ثم فعلاقته بالسلطة والمعرفة والسياقات الاجتماعية لا شك فيها. فالعملية المسرحية من جانب مهم منها عبارة عن تفكيك للخطابات والمعاني السائدة، وكشف لبني السلطة المنتجة لما نعتبره معرفة.

كذلك يشبه المسرح بالفلسفة، بما أنه فعل نقدي يقاوم المسلمات، ويزعزع البديهيات. فعندما تتمكن الذوات من معرفة نفسها، تستطيع ممارسة حريتها حتى ضمن أي شرط قسري.

نحن نعيش في ظروف بالغة التعقيد في عالمنا المعاصر، فقد تم إنتزاع الإنسان من محيطه الاجتماعي، وأصبح مستوحدَا أمام تقنيات الاتصال الحديثة، وما تفرضه من عوالم إفتراضيه تؤكد هذا الاستلاب الجماعي، وتفرض أسوارًا عازلة تمنعه من التفاعل الإيجابي من أجل التغيير.  كذلك هناك ثورة بيوتكتولوجية في علم الوراثة، والهندسة الجينية، والأدوية العصبية، قد تفضي إلى تجاوز للطبيعة الإنسانية نفسها، وهو ما يهدد المساواة الإنسانية، فالمخاطر لا تكمن في الدمار، بل في التحول التدريجي للإنسان إلى شي آخر فوق بشريPost Human. مما له آثار جسيمة في تغيير الطبيعة الإنسانية أخلاقيًا واجتماعيًا وسياسيًا. فمثل هذا التحول سيؤدي إلى مجتمعات طبقية بيولوجيًا. فهناك أدوية مثل "بروزاك وريتالين" تغير من المزاج أو الأداء العقلي، وهو ما يطرح تساؤلات حول حرية الانسان عندما يخضع لأدوية تعيد تشكيل وعيه. كذلك تعمل التقنيات الحديثة على التحكم العقلي والسلوكي بواسطة الزرعات العصبية، والواجهات الدماغية الحاسوبية، والذكاء الاصطناعي المتكامل مع الجهاز العصبي، ليس فقط على تحسين الوظائف الجسدية، بل لضبط الفكر والإرادة. فالإنسان قد يتحول ليصبح كائنًا إلكترونيًا، خاضعًا ومدارًا عن بعد من قبل شبكات رقمية مركزية، يفقد فيها وبها حريته الداخلية.

سامح مهران: التقدم العلمي والتكنولوجي أدى إلى زيادة مركزية السلطة بما يهدد حرية الفرد واستقلاليته

إن التقدم العلمي والتكنولوجي أدى إلى زيادة مركزية السلطة بما يهدد حرية الفرد واستقلاليته، فالأفراط في التنظيم والسيطرة يحمل مخاطر تؤدي إلى مجتمعات تفتقر إلى الإبداع والمرونة. وأيضًا أدت وفرة المعلومات وسرعة تداولها إلى تشتيت الانتباه، وتراجع التفكير النقدي، وسيطرة العواطف، والمحتويات السطحية، علاوةً على انتشار المعتقدات الخاطئة. لقد تسبب الفضاء الرقمي في أزمة إدراكية Cognitive apocalyps تهدد القدرات الجماعية على التمييز بين الحق والباطل، فمثل هذه الفوضى العقلية على المسرح أن يتناولها بالتحليل الدقيق، فما يتوجب الالتفات إليه جيدًا، هو أن أي تقدم علمي يجب أن يضبط معايير أخلاقية، وليس بواسطة آليات السوق أو العلم المجرد وحده. نحن أيضًا في منطقة صراع ينبغي حلة، صراع بين ساحات العقل الحداثية، والموروث الذي يسكن الوجدان. فهل نحن كجسور لهذا الإرث، أم نحن مبدعين في ضوء معطيات العصر؟ 

 

لقد تمت أدلجة الموروث، فغدا للتأطير السياسي والثقافي، يسيطر بها على الفكر والأدب والفن؛ لذا لا يجب علينا أن نعيد صراعات الماضي، بينما نحن قادرون على تنويع الهويات والجمع بينهاا، لقد أصبح التعدد بمثابة خيار وجودي، يتيح لنا الإبقاء على ذواتنا، ومواكبة العصر في نفس الوقت، ولذلك لابد من إعادة التفكير في علاقتنا بالعالم وبموروثاتنا دون أن نفقد ألق الانتماء إلى أيهما، بل نمنح الهُوِيَّة فرصة لأن تكون مرنة وحرة وقادرة على الحوار والتفاوض، إن المسرح هو ساحة مليئة بالتوترات التي ينبغي التعامل معها بصدق وأمانة، توتر بين الذاكرة النموذجية، التي تستخدم لفهم الشر ومنعه، والذاكرة الحرفية التي يتم استغلالها لأغراض أيدولوجية، أو للانتقام، وتوتر بين الوجود المسبق والوجود المكتسب من التجربة في الواقع المعيش، وتوتر بين الذات السردية التي لا يلحق بها التغيير، الذات الأسلوبية التي دائمًا تعيد تقديم نفسها إلى العالم عبر آليات الاختيار والانتخاب والتفكير النقدي، وتوتر بين شعريات الامتثال التي تقدم عالمًا مبنيًا، يفرض على الجمهور كيفية التفكير والسلوك، وشعريات الإزعاج القائمة على اللعب والارتجال والزمن الممتد (حيث لا بداية ولا نهاية) والابتكار والتفكيك والتفاعل مع المتفرجين، ذلك التفاعل الذي يجعل من الحدث المسرحي، حدثًا ديناميًا متغيرًا، وتوتر بين الخصوصيات المحلية، وما تفرضه العولمة من قيم التماثل، فقد أعادت العولمة تشكيل مفاهيم الثقافة، مهددة الهويات المحلية عبر اقتصاد السوق، كما أعادت تعريف المواطنين كمستهلكين دائمين للقروض، وملتزمين بتسديد الديون، وخاضعين لمراقبة مالية وسلوكية، وأخيرًا توتر بين العدالة والقانون، إذ لا يعتمد القانون على منطق أو عدالة، بل على سلطة مؤسسية غير قابلة للتبرير العقلي الكامل، وهو ما يجعل من العدالة مطلبًا أخلاقيًا غير منجز.

 

إن القوة الأخلاقية للمسرح تكمن بالأساس في العلاقة التي تنشأ بين ما يفعله العمل المسرحي بنا، وما نفعله به. فالتساؤل المستمر عن أنماط حياتنا وطرق تفكيرنا، لا يستهدف فقط ازدهار الفرد، بل يستهدف الاهتمام بالآخرين، بالمدينة، وقضايا المناخ والتلوث البيئي، الأمر الذي يؤدي إلى تحسين الذات والحياة معًا، فما نصبح عليه يؤثر في علاقتنا مع الآخرين ومجتمعاتنا، وبيئتنا، وأنماط حياتنا المشتركة، فمن الأنا يتشكل مجتمع النحن، القابل دائمًا لإعادة التعريف.

الشكر العميق للهيئة العربية للمسرح، ومجلس أمنائها الموقر على اختياري لإلقاء كلمة المسرح العربي في الدورة السادسة عشر لمهرجانها.   

أخبار الساعة

الاكثر قراءة