ذكرت صحيفة "فاينانشيال تايمز" البريطانية، أن الأمر التنفيذي الأخير الذي أصدره الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والذي يلزم شركات الدفاع الأمريكية بزيادة استثماراتها في مرافق الإنتاج الجديدة وتقييد عوائد المساهمين، أثار قلقا بالغا لدى خبراء الصناعة والمستثمرين.
ولفتت الصحيفة، اليوم /الاثنين/ إلى أن الأمر الرئاسي يفرض قيودا على توزيعات الأرباح، وإعادة شراء الأسهم، ومكافآت المديرين التنفيذيين، مع بقاء تفاصيل كيفية تقييم أداء تنفيذ العقود الدفاعية والعقوبات المطبقة غامضة.
وأشارت إلى أن طلب ترامب المتزامن من الكونجرس زيادة الإنفاق العسكري بنسبة 50%؛ ليصل إلى 1.5 تريليون دولار لعام 2027، يفاقم من حالة عدم اليقين، ما يضع قطاع الدفاع في موقف حرج.
ونقلت عن محللين قولهم إنه في أن الزيادة المحتملة في الإنفاق قد تشكل دفعة قوية للصناعة، إلا أن القيود المفروضة قد تثني الشركات عن الاستثمار، نظراً لتعرضها ضغوطاً مزدوجة تتمثل في انخفاض العوائد ومتطلبات الحكومة.
وقد واصل ترامب انتقاده لممارسات المالية لقطاع الدفاع، مما أدى إلى المطالبة بعملية شراء أكثر كفاءة، لا سيما في ظل تزايد الحاجة إلى الأسلحة في أعقاب تصاعد النزاعات العالمية الأخيرة.
ووصف الرئيس الأمريكي رواتب المديرين التنفيذيين في قطاع الدفاع بأنها "باهظة وغير مبررة" في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي يوم الأربعاء، قبل إصداره الأمر التنفيذي للشركات ببناء مصانع جديدة لتوريد وصيانة هذه "المعدات المهمة". وحدد ترامب في منشوره سقفًا للرواتب المحتملة عند 5 ملايين دولار سنوياً- وهو "جزء ضئيل" من المستويات الحالية- إلى حين بناء مرافق إنتاج حديثة.
ووفق محللين في شركة "جيفريز"، فإن عوائد المساهمين في كبرى شركات الدفاع تجاوزت الاستثمارات خلال عامي 2023 و2024. إذ أعادت هذه الشركات ما يقارب 50 مليار دولار للمساهمين، بينما أعادت استثمار 39 مليار دولار خلال العامين. ومع ذلك، فإن بعض هذه الشركات- ولا سيما شركة "آر تي إكس"- لديها أيضاً عمليات تجارية كبيرة. أما شركة "بوينغ "فلم تُعِد أي رأس مال، حيث ركزت على إعادة بناء ميزانيتها العمومية.
وقفزت أسهم شركات الدفاع، التي انخفضت مباشرة بعد التهديد بتوزيع الأرباح، بشكل حاد يوم الخميس، على خلفية أنباء عن احتمال زيادة ميزانية البنتاغون. ارتفعت أسهم شركة "آر تي إكس"، التي انتقد ترامب شركة "رايثيون" التابعة لها في منشور منفصل على وسائل التواصل الاجتماعي يوم الأربعاء لتقاعسها عن الاستثمار في مصانع جديدة، قبل أن تتراجع عن مكاسبها.
وأشار المسؤول التنفيذي السابق في شركة "نورثروب جرومان" ومدير مركز القاعدة الصناعية في "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية" (سي إس آي إس) في واشنطن، جيري ماكجين، إلى أنه على الرغم من تهديدات ترامب، فقد أدركت إدارته ضرورة تقديم الحكومة الأمريكية حوافز أفضل لشركات الدفاع للاستثمار طويل الأجل.
على الرغم من هذه القيود، يقر بعض المسؤولين في الإدارة الأمريكية بضرورة وجود حوافز استراتيجية لتشجيع شركات الدفاع على الاستثمار طويل الأجل. وتشير الاتفاقيات الأخيرة، مثل عقد مدته سبع سنوات مع شركة "لوكهيد مارتن" لإنتاج صواريخ "باتريوت"، إلى محاولاتٍ لتعزيز استقرار ممارسات التوريد الدفاعي.
وقال وزير الدفاع في إدارة ترامب، بيت هيجسيث: "سنمنح الشركات عقوداً أكبر وأطول لأنظمة مجربة، ما سيعزز ثقتها في الاستثمار بشكل أكبر لتنمية القاعدة الصناعية التي تُزود أنظمة أسلحتنا بكميات أكبر وبوتيرة أسرع".
ويعلق رئيس "رابطة صناعات الطيران والفضاء"، إريك فانينج، قائلاً إن القطاع يرحب بتركيز الإدارة على تسريع عملية الاستحواذ، مضيفاً أن توفير مؤشرات طلب مستقرة ومتطلبات واضحة من شأنه أن يحفز الاستثمار.
وقد امتنعت كل من شركات "آر تي إكس" و"هاريس3"، و"جنرال ديناميكس"، و"بوينج" عن التعليق لصحيفة "فاينانشيال تايمز"، ولم تستجب شركتا "لوكهيد مارتن" و"نورثمان جرومان" لطلبات التعليق على الفور.
ينص الأمر التنفيذي الصادر عن ترامب على أن أمام وزير الدفاع هيجسيث 30 يوماً، بدءاً من 7 يناير، لمراجعة أداء المقاولين وتحديد أي قصور، بما في ذلك التقصير في تنفيذ العقود أو عدم الاستثمار في الطاقة الإنتاجية.
في حال فشل إجراءات التصحيح، يمكن لهيجسيث اللجوء إلى عدد من القنوات القانونية والتنظيمية، مثل قانون الإنتاج الدفاعي، لاتخاذ إجراءات فورية لضمان التعويضات.
بحسب الأمر، أمام هيجسيث 60 يوماً لضمان أن يشتمل أي عقد مستقبلي بنداً يحظر إعادة شراء الأسهم أو توزيع الأرباح خلال "أداء ضعيف، أو عدم الالتزام ببنود عقد المقاول، أو عدم إعطاء الأولوية الكافية للعقد، أو عدم كفاية الاستثمار، أو عدم كفاية سرعة الإنتاج، وفقا لما يحدده الوزير".
كما ينص الأمر الرئاسي على ربط مكافآت المديرين التنفيذيين بمؤشرات مالية غير تقليدية، مثل التسليم في الموعد المحدد وزيادة الإنتاج.
ويبدي المحللون قلقهم حيال الإطار القانوني المبهم لتقييد عوائد رأس المال، مشيرين إلى أن هذه القيود قد تضعف من جاذبية الاستثمار في شركات المقاولات الدفاعية، التي تجذب رؤوس الأموال عادة بفضل عوائدها المستقرة.
وتقول "فاينانشيال تايمز" إنه لا يزال من غير الواضح ما هي الشركات المشمولة بالقرار، الذي يبدو أنه يستهدف الشركات المدرجة في البورصة الأمريكية. مع ذلك، فإن العديد من المجموعات الأجنبية- ولا سيما شركة "بي إيه إي سيستمز" البريطانية- لديها عمليات كبيرة في الولايات المتحدة.
بالنسبة للمستثمرين في شركات المقاولات الراسخة، يكمن القلق في أن تدخل ترامب قد يغير من جدوى الاستثمار في هذه الشركات، التي تُعتبر تقليديًا من أسهم القيمة.
وتشير المحللة في مورجان ستانلي، كريستين ليواج، إلى أن "عائد رأس المال يمثل جزءاً أساسياً من جدوى الاستثمار في قطاع الدفاع الأمريكي"، وأن "تقييد عائد رأس المال سيضعف أحد أهم عوامل تميز هذا القطاع عن غيره من الأسواق الصناعية والتجارية".
لكنها أضافت أيضاً أنه على الرغم من أن "تقييد عائد رأس المال يعد أثراً سلبياً إضافياً، فإن حجمه قابل للإدارة"، مشيرة إلى أن ميزانية الدفاع الأمريكية السنوية المحتملة البالغة 1.5 تريليون دولار ستفوق التداعيات السلبية المحتملة لأي قيود على عائد رأس المال.
وبينت "فاينانشيال تايمز" أن المناقشات الحالية تشير إلى أنه في حين قد تؤجل الشركات توزيعات الأرباح وعمليات إعادة شراء الأسهم لتجنب ردود الفعل السلبية، فإنه من غير المرجح أن تقدم على استثمارات غير مربحة في غياب حوافز حكومية كافية. ولا تزال آفاق صناعة الدفاع يعتريها التوتر مع تزايد تداعيات توجيهات ترامب.