تشتهر مصر بآثارها العريقة التي تمتد عبر آلاف السنين، حيث تضم قطعًا أثرية ذات تراث فريد، مثل الخناجر، التماثيل، والأعمدة، وتستمر عمليات البحث والتنقيب عن هذه القطع المهمة في مختلف أنحاء العالم، وكان المصريون القدماء متفوقين على عصرهم، حيث توصلوا لاختراعات وأشياء تفوق ما كان موجودًا في تلك الفترة، ولم يقتصر الإبداع على عهدهم، بل امتد عبر العصور.
تمثل هذه المبخرة الخشبية المذهبة نموذجًا فريدًا من أدوات الطقوس الدينية التي ازدهرت في العصر البطلمي، حيث تجمع بين الوظيفة العملية والرمزية الفنية في آنٍ واحد. وقد صُممت على هيئة ذراع بشرية ممتدة، في إشارة واضحة إلى فعل التقديم والتقرب، وهو أحد أهم مفاهيم الطقوس المقدسة في مصر القديمة.
تتكون المبخرة من مقبض ينتهي برأس صقر، رمز القوة والحماية والسمو، بينما تنتهي الذراع بيد مفتوحة تحمل مزهرية أو كأسًا كان يُستخدم لحرق البخور، الذي لعب دورًا أساسيًا في الشعائر الدينية بوصفه وسيلة للتطهير ونشر الروائح العطرة داخل المعابد. ويبلغ طول المبخرة 55 سم، ما يعكس حرص الصانع على التوازن بين الاستخدام العملي والهيبة البصرية.
ويتميز الجزء الأوسط من المبخرة بوجود صندوق على هيئة خرطوشة، وهو عنصر زخرفي يرتبط بفكرة الحماية والتقديس، إذ كان الخرطوشة في الفن المصري إطارًا يحمل الأسماء المقدسة أو الرموز ذات الدلالة الخاصة. أما مقدمة الكأس فتزينها ثعبان الكوبرا، أحد أبرز الرموز الوقائية في الحضارة المصرية، والذي كان يُعتقد أنه يصد الشر ويحمي المقدسات.
صُنعت هذه القطعة من الخشب المطلي بالذهب، وهي مادة تجمع بين خفة الوزن وقيمة الرمز، فالذهب ارتبط لدى المصريين القدماء بالخلود والنقاء والقدسية. وقد تم اكتشاف المبخرة في ديماي بالفيوم عام 1893، وهي معروضة حاليًا في القاعة رقم 48 بالطابق العلوي، لتقدم شاهدًا بصريًا على براعة الحرفيين في العصر البطلمي وقدرتهم على دمج المعتقد الديني بالفن التطبيقي.
تعكس هذه المبخرة جانبًا من الحياة الدينية اليومية، وتؤكد أن الأدوات الطقسية لم تكن مجرد وسائل استخدام، بل أعمالًا فنية محملة بالرموز والمعاني، صُممت بعناية لتؤدي دورها الروحي والجمالي في آنٍ واحد.