جاء قرار إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بتصنيف فروع جماعة الإخوان في مصر ولبنان والأردن منظمات إرهابية، كخطوة جديدة في إطار محاصرة التنظيم عالميًا، حيث كانت مصر منذ سنوات سباقة في اتخاذها خطوات لمواجهة خطر الجماعة الإرهابية، التي رفض الشعب المصري حكمها وأسقطها في ثورة 30 يونيو 2013، وأكد سياسيون أن مصر لها تجربة رائدة في كشف خطر الجماعة للعالم ومواجهة الإرهاب.
وقال وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، إن "إجراءاتنا ضمن خطوات أولى لجهود إحباط العنف الذي تقوم به فروع الإخوان"، موضحا أنه "سنستخدم الأدوات المتاحة لحرمان الإخوان من موارد الانخراط في الإرهاب."
وعلقت الخزانة الأمريكية، على القرار، قائلة: تنظيم الإخوان في مصر ولبنان والأردن يمثل خطرا على واشنطن ومصالحها.
قرارات أخرى لاحقة
ويقول عمرو فاروق، الباحث في شؤون الجماعات الأصولية وقضايا الأمن الإقليمي، إن قرار الخارجية الأمريكية بتنصيف فروع الإخوان في مصر ولبنان والأردن، كمنظمات إرهابية عالمية، يمثل مفاصلة قوية بين الإدارة الأمريكية وجماعات الإسلام السياسي التي وظفتها مرارا في خدمة مصالحها في منطقة الشرق الأوسط، رغم أن القرار لا يعدو سوى قرارا تنفيذيا ولم يتم إعتماده من قبل الكونجرس الأمريكي، أو يتم تسجيل في السجل الفيدرالي.
وأكد فاروق، في تصريح لبوابة "دار الهلال"، أن قرار التنصيف لابد أن يتبعه مجموعة من القرارات التنفيذية وفي مقدمتها مراجعة كافة الأنشطة المالية والتنظيمية لهذه الفروع، وتتبع ومصادرة مساراتها المالية سواء الموجودة في الداخل الأمريكي أو الداخل الأوروبي، فضلًا عن التحفظ على عدد من المؤسسات الفاعلة، بجانب الشخصيات الإخوانية التي تعتبر محرك أساسي سواء داخل المساحة الجغرافية لهذه الدول أو المقيمة ي الداخل الأوروبي، في إطار التنسيق الأمني والاستخباراتي.
وأشار إلى أن النقطة الأشد تأثيرًا على جماعة الإخوان المصريين من تداعيات القرار الأمريكي تكمن في تهديد وضعية جبهات الجماعة الثلاث، وقياداتها الهاربة إلى لندن وتركيا وقطر، أو حتى إلى الدول الغربية مثل كندا وفرنسا وألمانيا والسويد والنمسا وماليزيا وغيرها، وفي مقدمتهم صلاح عبد الحق، وحلمي الجزار، ومحيي الزايط، ومحمود حسين، ويحيى موسى، ومحمد منتصر، في ظل اتخاذ هذه الدول قرارًا بملاحقة هذه العناصر، ومصادرة أموالها وكياناتها الاقتصادية، قربانًا لإدارة ترامب وفق الصفقات غير المعلنة.
وأوضح أن قرار وضع الجماعة على تصنيف الإخوان على قوائم الإرهاب، سيصنع موجات متتالية من عمليات تصنيف جماعة الإخوان في عدد من الدول الغربية، سواء تجاه المؤسسات الفاعلة في القارة العجوز، أو على مستوى الأفرع التي صُنِّفت مسبقًا من قبل الولايات المتحدة، ما يضع قيادات "التنظيم الدولي" في مأزق شديد، خاصة أن الملفات الأساسية التي يتولى إدارتها والإشراف عليها تقع غالبيتها في يد قيادات من جنسيات مصرية وعربية، والتي ربما ستضطر للتنازل عن جنسيتها المصرية أو العربية، تخارجًا أو تخوفًا من فكرة تجميد أصولها المالية في الغرب الأمريكي والأوروبي، أو اتجاهها إلى التنازل عن الأموال والشركات التي تملكها – (سواء كانت ملكية خاصة أو ملكية لصالح التنظيم الدولي) – لصالح شخصيات تنظيمية أخرى غير معروفة، وفق "أوراق الضد" تهربًا وتفاديًا لعملية المصادرة تحت لافتة التصنيف على قوائم الإرهاب الأمريكي.
وأكد فاروق، أن المعركة التي صنعها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتحريك المياه الراكدة حول جماعة الإخوان وفروعها في العالم العربي والغربي، ستدفع الجماعة إلى تتخذ خطوات لحماية إمبراطوريتها المالية الضخمة التي صنعتها على مدار أكثر من 90 عامًا من المصادرة، خاصة أنها قادرة على إعادة إنتاج كياناتها تحت مسميات اجتماعية ودعوية جديدة غير مؤدلجة ظاهريًا، تمكنها من الحفاظ على "سبوبة" الصدقات والتبرعات، فضلًا عن انتقالها إلى الدائرة الافتراضية في الاستقطاب والترويج الفكري عبر الوسائل المختلفة والمتنوعة التي صنعتها على منصات التواصل الاجتماعي، مع وجود "حواضن ومظلات سياسية" تمنح قياداتها – في حال تصنيفهم – حرية الحركة داخل الأراضي التي يختبئون بها في ظل التقارب بين الجماعة وأنظمة هذه الدول.
دور مصر في مواجهة خطر الجماعة الإرهابية
وأكد أن الدولة المصرية من الدول الرائدة في مجال مكافحة التطرف والإرهاب، إذ تمتلك تجربة متقدمة ومتراكمة في هذا المجال، تعود جذورها إلى سبعينيات القرن الماضي وما بعدها، حين واجهت موجات متصاعدة من العنف والتطرف، حيث نجحت الدولة آنذاك في احتواء هذه الموجات عبر تجفيف منابع التنظيمات المتطرفة، وعلى رأسها الجماعة الإسلامية وتنظيمات الجهاد، وهو ما أسفر في النهاية عن المراجعات الفكرية التي جرت داخل السجون، وأسهمت في وقف العديد من العمليات العنيفة.
وأوضح أن الدولة استطاعت تحييد عدد كبير من قيادات الجماعة الإسلامية في الخارج، ممن كانوا يحرضون ضد الدولة المصرية، ومنعت استقطابهم من تنظيمات دولية كتنظيم القاعدة، وتُعد هذه الإجراءات نموذجًا مبكرًا لسياسة شاملة في مكافحة الإرهاب، لم تقتصر على الجانب الأمني فقط.
وفيما يتعلق بجماعة الإخوان، أكد أن علاقة الدولة المصرية بهذه الجماعة اتسمت بالتعقيد منذ خمسينيات القرن الماضي، حيث أدركت الدولة، منذ وقت مبكر، أن الجماعة لا تعمل في إطار دعوي أو أخلاقي، وإنما تستهدف الوصول إلى السلطة، وهو ما تجلّى في لجوئها إلى العنف والعمل المسلح عبر “التنظيم الخاص” الذي أسسه حسن البنا، وضلوعها في اغتيال شخصيات عامة ورموز سياسية مؤثرة.
وأضاف أنه تكررت إجراءات حل الجماعة ومصادرة أموالها منذ أواخر الأربعينيات، ثم في الخمسينيات، وصولًا إلى مراحل لاحقة، منها ما كُشف عنه في تسعينيات القرن الماضي، مثل قضية “سلسبيل” ومشروع “فتح مصر”، حيث جرى تحجيم هذه المخططات في مراحلها المبكرة.
ولفت إلى أنه بعد عام 2013، اتجهت الجماعة بشكل واضح إلى العنف المسلح، في رفض صريح للإرادة الشعبية التي أسقطت حكمها، وسعت إلى تقويض الدولة المصرية باعتبارها جزءًا من التنظيم الدولي، تعاملت الدولة بحسم مع هذا التهديد، فنجحت في اقتلاع جذور التطرف ليس فقط على مستوى جماعة الإخوان، بل أيضًا في مواجهة تنظيمات إرهابية كداعش والقاعدة، وذلك في ظل مرحلة شهدت توطين التنظيمات الأصولية المسلحة في عدد من دول المنطقة العربية، تميزت الدولة المصرية بقدرتها على تجفيف منابع هذه الكيانات التنظيمية، وقطع الصلة بين الداخل والخارج، خاصة عبر تجفيف مصادر التمويل، ومصادرة الأموال، وحل التنظيم، وضبط القيادات المحرضة على العنف.
وشدد على أن تصنيف جماعة الإخوان على قوائم الإرهاب جاء نتيجة إدراك عميق لطبيعة الجماعة وأهدافها غير المشروعة، سواء داخل الدولة المصرية أو خارجها، في ظل تنظيم دولي يمتلك شبكات مالية واسعة، حيث نجحت الدولة في تفكيك هذه الشبكات من خلال إغلاق المؤسسات، ووضع الأموال المصادرة تحت إشراف لجان مختصة.
ولفت إلى أنه لم تقتصر جهود الدولة في مكافحة التطرف على البعد الأمني، بل امتدت إلى البعد الفكري والاجتماعي. فقد واجهت الدولة الفكر المتطرف عبر مراجعات فكرية جادة، وواجهت محاولات الجماعة بناء ما يُعرف بـ“الدولة الموازية”، والتي استهدفت استقطاب الفئات المهمشة، حيث نفذت الدولة مشروعات تنموية كبرى، مثل القضاء على العشوائيات، وبناء المدن الجديدة، وإطلاق مبادرة “حياة كريمة”، إلى جانب برامج الحماية الاجتماعية كـ“تكافل وكرامة”، ومبادرات صحية شاملة، أسهمت في إنهاء ما يُعرف بالولاء الاقتصادي أو المالي للجماعة، وهو ما يُعد إنجازًا مهمًا في مكافحة التطرف على المستوى الاجتماعي.
وعلى المستوى الثقافي والفكري، دعمت الدولة إنتاج أعمال درامية وإعلامية كشفت خطابات التطرف، واستعادت السيطرة على المنابر الدينية التي كانت قد تعرضت للاختراق من قبل الجماعات المتشددة. كما أطلقت برامج لحماية طلاب الجامعات، وبرامج تأهيل للعاملين في مؤسسات الدولة، تتضمن دورات متخصصة في مكافحة التطرف والإرهاب، وشملت الجهود أيضًا تدريب المعلمين نظرًا لدورهم المحوري في تشكيل وعي الأجيال الجديدة، إلى جانب تدريب أئمة وزارة الأوقاف عبر برامج مكثفة تهدف إلى تحصين الخطاب الديني فكريًا، حيث تأتي هذه التحركات في إطار رؤية شاملة لبناء جدار من الحماية الفكرية للمجتمع، وتجفيف منابع التطرف على المستويات الأمنية والفكرية والاجتماعية معًا.
مصر كانت سباقة منذ سنوات
ومن جانبه، قال الدكتور إكرام بدر الدين، أستاذ العلوم السياسية، إن مصر كانت سباقة منذ سنوات في التحذير من خطر جماعة الإخوان، حيث صنفتها كجماعة إرهابية، قبل سنوات في ظل أعمال العنف والإرهاب التي ارتكبت منذ سقوط حكمها في مصر عام 2013، وبعد سنوات تثبت رؤية الدولة المصرية، حيث أعلنت الولايات المتحدة، أمس قرارًا باعتبار جماعة الإخوان جماعة إرهابية.
وأوضح "بدر الدين"، في تصريح لبوابة دار الهلال"، أنه يترتب على القرار الأمريكي العديد من النتائج المهمة، سواء داخل الولايات المتحدة أو على المستوى الدولي، فمن المحتمل أن يشمل ذلك مصادرة أموال وممتلكات الجماعة داخل الولايات المتحدة، كما قد يؤدي إلى أن تتبنى دول أخرى، لا سيما بعض الدول الأوروبية، الموقف نفسه، بإدراج الجماعة على قوائم الإرهاب.
وأكد أن القرار يعزز إمكانية التنسيق والتعاون المشترك بين مصر والولايات المتحدة، فضلاً عن دول أخرى، في مكافحة الإرهاب، ويشكل خطوة مهمة في مواجهة هذا التنظيم الدولي، كما أن له آثارًا على المستوى الداخلي في الدول التي تتواجد فيها الجماعة، بما في ذلك مصادرة أموالها وممتلكاتها وفرض قيود على نشاطها السياسي والاقتصادي.
وأشار إلى أنه على صعيد الإعلام، كانت جماعة الإخوان تقود حملات ضد دول عدة، من بينها مصر، ومن المتوقع أن يؤدي إدراجها على قوائم الإرهاب إلى تراجع تأثير هذه الحملات، والحد من نشاطها على المستوى الدولي.
ولفت إلى أنه على المستوى العالمي، يعزز قرار الولايات المتحدة والإجراءات المتوقعة من دول أخرى من تفكيك الشبكات الدولية للإخوان، ويؤكد أهمية التعاون والتنسيق بين الدول التي تتخذ موقفًا مماثلاً، لضمان مواجهة تهديدات التنظيم بشكل فعال والحد من أي أعمال عنف محتملة كالعمليات التفجيرية أو الاغتيالات، قد تلجأ إليها الجماعة نتيجة شعورها بالإحباط أو الخسارة.