الجمعة 16 يناير 2026

ثقافة

مهرجان المسرح العربي الـ 16| مخرج عرض «فريجيدير»: الثلاجات في العرض رمز للذاكرة المجمدة

  • 16-1-2026 | 03:49

ا

طباعة
  • همت مصطفى

شهد مسرح السلام في السابعة مساء أمس الخميس، العرض المسرحي الأُرْدُنّيّ «فريجيدير»، ضمن فعاليات الدورة السادسة عشرة لمهرجان المسرح العربي، التي تنظمها الهيئة العربية للمسرح، بالتعاون مع وزارة الثقافة المصرية.

والعرض من تأليف هزاع البراري وإخراج الحاكم مسعود.

أعرب الحاكم مسعود، في المؤتمر الصحفي الذي أقيم صباح بالمهرجان، عن سعادته بالمشاركة في الدورة الحالية من مهرجان المسرح العربي، مؤكدًا أن إقامة المهرجان هذا العام في القاهرة، عاصمة الفن والثقافة، تمثل قيمة معنوية خاصة وفرصة مهمة لتقديم عرض يليق بالمهرجان وجمهوره.

ووجّه الشكر إلى الهيئة العربية للمسرح على التنظيم والدعم، معبرًا عن تقديره لفريق العرض من ممثلين وتقنيين، خاصة الجهود الكبيرة المبذولة خلف الكواليس.

الحاكم مسعود: جسد في المسرح لغة موازية للكلمة لا تعمل دون وعي وتدريب قاسي

وتوقف مسعود عند الجسد في المسرح بوصفه عنصرًا أساسيًا لا ينفصل عن باقي مكونات العرض، موضحًا أن لغة الجسد في المسرح لا تختلف جوهريًا عن حضورها في أشكال تعبيرية أخرى، لكنها تكتسب هنا خصوصيتها من خلال ربطها بالدلالات والكلمة والإيحاء، واعتبر أن بناء هذا الجسر الخفي بين الجسد والمتفرج عملية معقدة، تتطلب تدريبات مكثفة وانضباطًا عاليا.

وأشار إلى أن فريق العرض بذل جهدا كبيرًا، وكرّس وقتا طويلًا من حياته الشخصية وأسرته، من أجل الوصول إلى هذا المستوى من التركيز والاشتغال، لافتا إلى أن الفريق التقني كان حاضرا في جميع البروفات، خاصة مع طبيعة العمل القائمة على الجسد بوصفه محورا أساسيًا في البناء المسرحي.

الحاكم مسعود:التحدي الحقيقي في «فريجيدير» تمثل في اجتماع كل عناصر العرض على رؤية واحدة

وأكد «مسعود» أن التحدي الحقيقي في «فريجيدير» تمثل في اجتماع كل عناصر العرض على رؤية واحدة، وتطوير كل عنصر لذاته داخل هذا الإطار، معتبرًا أن هذه الصعوبة هي جوهر العرض المسرحي نفسه.

وأشار إلى أن مثل هذه الفرص تتيح تقديم شكل مسرحي متعمق، يحمل مقولة فنية تتقاطع مع ما نعيشه اليوم، وتسعى إلى طرحه بوعي وجدية.

وأشار الحاكم مسعود أيضا إلى أن التجربة تتناول نص «زمن اليباب» لهزاع البراري، وهو نص حاز جائزة أفضل نص مسرحي عام 2016، لما يتمتع به من عمق فكري وقوة في فلسفة الكاتب.

أضاف: ننطلق من هذا النص لإعداد معالجة مسرحية خاصة، والبدء بسؤال إشكالي تقليدي من خلال العمل داخل البروفات نفسها، وبهذه الآلية نعيد تشكيل النص ونطوره، مع التركيز على لغة الجسد التي تتطلب اختزالًا وطاقة عالية، للوصول إلى جملة واحدة من النص وتحويلها أدائيا. كما نعتمد على الارتجالات المستوحاة من أفكار النص لإثراء التجربة المسرحية.

وحول طريقته في اختيار الممثلين أوضح الحاكم أن هناك أساليب متعددة وأشكالا مختلفة للاختيار من بينها الأسلوب التقليدي، موضحًا أن تجرِبة العرض تعتمد على طاقة مغناطيسية خاصة تجعل الممثل ينجذب إلى دوره بشكل طبيعي، مؤكدًا أن جميع الممثلين المشاركين قد انجذبوا بالفعل إلى أدوارهم، ما أسهم في تحقيق حالة من الانسجام الفني داخل العمل.

عبد الرزاق مطرية: طبيعة هذا العرض تفرض معادلة أن من يتعب أكثر يكون الأقدر على التفاعل الحقيقي 

وقال عبد الرزاق مطرية، مؤلف موسيقى العرض، إن طبيعة هذا العرض تفرض معادلة واضحة مفادها أن من يتعب أكثر يكون الأقدر على التفاعل الحقيقي مع التجربة، موضحًا أنه منذ اطلاعه على حالة العرض وبنيته أدرك أن عناصره الأساسية تقوم على الموسيقى والإضاءة وحضور الممثل الجسدي.

وأشار إلى أن تقليل الكلام داخل العرض يضاعف من قوة التعبير، بينما يؤدي الإفراط في الحوار إلى إضعافه، مؤكدًا أن قلة الكلمات تختزل المعنى في حركات جسدية مكثفة، وهو ما يضع الممثلين تحت ضغط بدني ونفسي كبير.

وأوضح أن الممثلين يمرون بحالة معاناة جسدية حقيقية نتيجة الحركة المستمرة والسعي للوصول إلى النتيجة الفنية المطلوبة، واصفا ما يحدث على الخشبة بأنه جهد يصل أحيانا إلى حدود الإرهاق والانهيار، حيث يتم بذل طاقة أدائية مذهلة.

وأضاف أن نجاح التجربة لا يتوقف على الجهد البدني فقط، بل يرتبط بالاستعداد النفسي والانتماء الكامل للعرض والفريق، معتبرًا أن هذا التماهي هو ما يمنح الأداء صدقه وقوته.

وفي تقديمه لعدد من عناصر العرض أشار المخرج الحاكم مسعود إلى أن وجود ممثل بحجم غنام غنام داخل أي عرض مسرحي ليس أمرا سهلا، مؤكدًا أن العمل مع فنان بهذه القيمة يتطلب شجاعة حقيقية وقدرة فنية كافية لتقديم نص يليق بتجربته وتاريخه، وهو ما يفرض على فريق العمل مسؤولية مضاعفة.

عبد الرزاق مطرية: التواصل مع فنان قدير مثل غنام غنام لم يكن قرارًا عابرًا.. بل اختيارًا مدروسًا 

وأوضح أن التواصل مع فنان قدير مثل غنام غنام لم يكن قرارًا عابرًا، بل اختيارًا مدروسًا يدخل في عمق فكرة العمل نفسه، مشيرًا إلى أن الشجاعة لم تكن فقط في طرح فكرة التعاون، وإنما في الوعي بما يمثله هذا الجيل من مؤسسين ضحوا كثيرًا من أجل المسرح. وأضاف أن الجمهور سيفهم، من خلال العرض، لماذا كان اختيار غنام غنام، إلى جانب نهى سمارة، اختيارًا جوهريًا وليس شكليًا.

وأكد الحاكم مسعود أن العمل يتطلب جلدا عاليا على المستويات الجسدية والنفسية والفكرية، مشيرًا إلى أن انضمام دلال فياض إلى الفريق جاء بدافع الإيمان بفكرة العرض، لافتا إلى أنها ما إن سمعت بعنوان «زمن اليباب» حتى أعلنت استعدادها الكامل للمشاركة.

وتحدث عن ما وصفه بـ«فكرة المغناطيس»، التي تجعل بعض العروض قادرة على جذب طاقاتها البشرية بشكل طبيعي، معتبرًا أن هذه الأفكار خطيرة وجاذبة في الوقت نفسه، وأن وجود ممثلين كبار داخل العمل أتاح للشباب الاحتكاك بمفاهيم مختلفة وتجارب أعمق.

وأشار إلى أن كل عرض مسرحي يفرض أشخاصه وطاقمه الخاص، وأن الاختيارات في هذا العرض جاءت نتيجة وعي جمالي وفكري، لا مجاملة فيه ولا صدفة.

وحول دلالة عنوان العرض «فريجيدير»، ولماذا الإحالة إلى الثلاجة أو الفريزر بوصفه مكانا للجثث مجهولة الهُوِيَّة، أوضح المخرج أن العنوان لا يقصد به المعنى الحرفي، بل يحمل بعدا رمزيًا عميقًا.

وقال إن «الثلج الأسود» هو جوهر الفكرة، لأنه يحيل إلى وهم جامد لا يطلب بداية جديدة ولا يعرف الوداع، موضحًا أن ما بداخل هذا الثلج محاط بسياج من الكتمان، وأشياء لا يجهر بها، وآلام يتم تجميدها بدل مواجهتها.

وأضاف أن ترك هذا الألم مكبوتًا ومجمدًا يسمح له بالانتشار والعبث بنا من الداخل، ليصبح في النهاية سببا في فنائنا، مشيرًا إلى أن «الثلاجات» في العرض ترمز إلى الملفات المجمدة داخل عقولنا، وإلى ما نختزنه من قهر وخوف وصمت.

وأكد أن الجسد والعقلانية معا يتطلبان من الإنسان أن يفتح هذه «الثلاجات» كي يستريح، وأن السؤال الجوهري الذي يطرحه العرض هو: هل نملك الشجاعة لفتح ما جمدناه في داخلنا، أم سنواصل العيش وسط هذا الصقيع المؤجل؟

 الحاكم مسعود: العرض تجرِبة خاصة جدا في مسيرته، ويحمل اشتباك يومي مع الفن ومع الإنسان في آن واحد

وحول ما أضافته تجرِبة «فريجيدير» له فنيًا ومسرحيًا وإبداعيا، قال المخرج الحاكم مسعود إن هذا العرض يعد تجرِبة خاصة جدا في مسيرته، لما حمله من اشتباك يومي مع الفن ومع الإنسان في آن واحد.

وأوضح أن العرض داخل هذا الفريق كان تعلما مستمرًا في كل لحظة، مشيرًا إلى أن احتكاك الجيل الشاب الصاعد بالرواد الكبار شكّل درسًا حقيقيًا في المسرح والحياة، حيث تلاشت الحواجز الوهمية بين الأجيال، وتأكد لكل مشارك أن له بصمته الخاصة وقدرته التي لا تشبه أحدا سواه.

وأضاف أن «فريجيدير» كشف له أن كل الجدران التي نظنها قائمة أمامنا هي في الحقيقة جدران متخيلة، وأن العمل الجماعي القائم على الثقة والجرأة يفتح مساحات جديدة للاكتشاف والتطور.

وأكد أن التجربة مثلت نقلة نوعية كبيرة بالنسبة له، ودرسًا جماليًا وإنسانيًا مع فريق العمل، أغنى أدواته ووسع رؤيته الإبداعية، وترك أثرا عميقًا في مسيرته المسرحية.

وقال غنام غنام، احد أبطال العرض، إنه من الصعب أن يتحدث عن التجربة قبل أن يراها الجمهور، ووجه التحية إلى فريق العمل، معربًا عن سعادته بالتعرف على دم جديد، وقال عن العرض: كل إنسان داخله ثلاجة يضع فيها أشياء لا يمكن التخلص منها ويجمدها، وداخله كذلك فرن يحرق فيه الأشياء التي لا يريدها.

الدورة السادسة عشرة لمهرجان المسرح العربي تنظمها الهيئة العربية للمسرح بالتعاون مع وزارة الثقافة المصرية، تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال الفترة من 10 إلى 16 يناير الجاري.

الاكثر قراءة