الجمعة 16 يناير 2026

مقالات

ومضاتٌ في سِنِيّ العُمر!

  • 16-1-2026 | 18:07
طباعة

أذكرُ أنني يوم أتممتُ العشرين من عمري كنتُ بالفرقة الثانية كلية دار العلوم جامعة القاهرة، وكنتُ وقتها في غرفتي بالمدينة الجامعية (الرعاية) بمنطقة أبي قتادة الجيزة، وكان الوقت صباحًا. وأذكر أنني قد حزنت حدّ التوتر والشرود وقتًا إذ إنني، ولأول مرة، أُخلِّف ورائي خانات أرقامٍ حتى (19) كنت أراها وأراني معها طفلينِ صغيرينِ، وإذ بي ومع العشرين أراني على أعتاب مرحلة جديدة من عمري بأرقام جديدة على لساني وسمعي (20)، وما بعدها.

وأذكر وقتها كم حاولت مرارًا وتكرارًا حساب السنّ وقتها لعلي، ورغم وضوحه، أكون قد أخطأت العدّ والحساب مخلّفًا عن قصدٍ مني سهولة الحسبة المنطقية من (75 حتى 95 = 20 ) دون عناءٍ أو جهدٍ إذ رُحتُ أعدها بطريقةٍ طفوليةٍ بريئةٍ على أصابعي لعلي أخرج عمدًا بنتيجة تسعدني (19)؛ فأفرح معها فرحًا شديدًا، لكنني أعود من فوري أدراجي محدثًا نفسي بالحقيقة الواقعة إنها فعلًا عشرون. وأذكر أنني ظللت وقتًا ليس بالقليل في حالة مضطربة، وتوتر شديد، وشرود بعيدٍ مع العشرين حتى بدأتُ أتعايش معها شيئًا فشيئًا، بل بما بات معطوفًا عليها من أرقام لم أعد أنتبه معها أيها تحديدًا حتى انتبهت ثانيةً مع الثلاثين غير أنها لم تشغلني كثيرًا مثلما كان الحال مع العشرين؛ إذ بتُّ وشواغل الحياة في عراكٍ شديدٍ، وشأن عظيمٍ. إلا أنني لم أتوقف مع رقمٍ بعد العشرين سوى الأربعين ربما لكونها ذُكرت تحديدًا في القرآن للحذر والحيطة. ومرت الأربعون، وبما عُطف عليها هي الأخرى من أرقامٍ، حتى أتممتُ اليوم إحدى وخمسين سنة، تسربلُني نِعمُ ربّي أتقلّب فيها صحةً وسترًا وفضلًا. إحدى وخمسون سنةً لم يعُد يشغلني في ظلها، ولا حتى غيرها، سوى صحيفتي وبيتي.

 

إحدى وخمسون سنةً !

أرى سنين العمر، والتي انقضت منها إلى غير رجعةٍ إحدى  وخمسون سنةً تتلاشى أمامي كلما أردتُ تذكرها فقط في إحدى وخمسين ثانية. إحدى وخمسون سنةً مرت، وكانت النفسُ تراها عند سنتها الأولى رقما كبيرًا، وسفرًا بعيدًا. وأسئلة كثيرة تطاردها: متى ستدركه النفس؟! وهل ستدركه؟! وعلي أيّة حال سيكون حالها عند بلوغه؟! وإلى أي إنجاز ستحققه، وستصل إليه؟! وهل وصلت؟! أم فاتها ما توجّب عليها إدراكه في زمنٍ فات، ولن يعود ثانية؟! فتشعر عندئذ بأن قطار العمر قد مرّ بمحطات كثيرة، ولن يعود إليها، وأنه ماضٍ في طريقه قدمًا لبلوغ ما تبقى منها حتى آخرها.

 

إحدى وخمسون سنةً مرت، وكلها مراحل عاشتها النفس بكلّ دقائقها وتفاصيلها مرحلة تتبعها أخرى. كانت ترى في كل واحدةٍ منها، وكأنها دهرٌ تطاول ليلُه حتى حَسِبتْه ليس بمُنجلٍ، فكانت تتطلع لما بعدها، فما تكاد تنتهي من واحدةٍ حتى تلجَ أخرى لتراها اليوم، وقد مرت جميعها سراعًا وكأنها البرق الخاطف. ورغم ذلك لم تسلم منها إذ تركت عليها بصماتها من مفرق الرأس حتى أخمص القدمين. إحدى وخمسون سنةً مرت، وقد أصبحت ثقيلة على النفس لاسيما وعندما تهِمُّ بأمرٍ فتُصفع بمَن يُذكرك بها عند إتيانِه؛ عندئذ تدرك يقينًا أنه كان لزامًا عليك ألا تُهدر منها سنين دون فائدة فتعض أناملك، وتقرع سنّك ندمًا على ثانيةٍ منها، ولن تعود.

 

( 00.00.00 ) !

لحظةُ اكتمالِ عُمر الإنسان وتمامه سنةً وشهرًا، يومًا وساعةً، دقيقةً وثانيةً فما دونها هي اللحظةُ التي يخرج فيها للحياة، لحظة ولادته والتقاطه أول أنفاسهِ فيها، والتي بلغت هي الأخرى كمالَها واكتمالها عددًا محدَّدًا ومقدّرا. عندئذٍ يأخذ مؤقّتُ العُمر وعدّادُه زمنًا وأنفاسًا في حساب ذلك عدًّا تنازليًّا دون توقفٍ ثانيةً ثانيةً فما دونها، نفسًا نفسًا، شهيقًا وزفيرًا إلى أن تصلَ أرقامُ ذلك المؤقّتُ جميعُها، والموضحة على شاشته، إلى رقمٍ واحد في كل خاناتها، الآحاد والعشرات والمئات، ألا وهو (00.00.00). عندئذٍ: (مات، توفّي، فارق الحياة، شهيد، غريق، مات في حادث برّا وبحرًا وجوّا)، تعدّدت أسبابُه ونتيجته واحدةٌ. إذن، كلّ عامٍ يمرّ علينا إنما ينقصُ من عمرنا وهكذا دواليك، عامٌ يتلوه آخر إلى أن ينسلّ العُمرُ من بين أيدينا دون أن ننتبه لتلك الحقيقة فرحين بأننا نكبُر وتزيدُ أعمارُنا رُغم أن العكس هو الصوابُ عينُه.

 

مُكعّبات !

كل عامٍ يمرّ وتأخذُ ملامحُ الصورةِ نحو النُّضْح والوضوح شيئًا فشيئًا، وكأن كلَّ سنةٍ قطعةٌ من لوحةٍ كبرى، هي عُمر الإنسان، تبعثرت جميعُ قِطعها لحظةَ ولادته، بعدما رَكَلتها أُولى صرخاتِه في هذه الحياة، وأوّلُ أنفاسِه فيها. ثم أخذت تلك اللوحةُ، ومن فورها نحو التجمع ثانيةً، قطعةً قطعةً، بادئةً بأُولاها في تلك اللحظة، لحظة اكتمال العمر وتمامه، لاقطةً إياها من بين تلك المتناثرة هنا وهناك كمُنطلقٍ ومرتكزٍ لبنائها وتشكيلها من جديد.

 

 ويدور العامُ بأحداثه وتفاعلاته، والتي تساهم بدورها في تحديد القطعة التالية بعد أن رسمت هي تفاصيلها، وحتى يحينَ لحظةُ لصقها وتثبيتها عند تمام دورته جوار رفيقاتٍ لها، محال بعثرتها ثانية، وهكذا دواليك مع باقي القطع حتى آخر واحدةٍ منها.

 

وبينما الصورةُ في أطوار تشكُّلها تكون الحقيقةُ، هي الأخرى ومنذ القطعة الأولى، في أطوار تكشّفها شيئًا فشيئًا إلى أن يكتملا معًا عند لحظةٍ واحدةٍ، لحظةٍ يُزاحُ فيها الغطاءُ عن كليهما معًا، لحظةٍ يكون البصرُ فيها حديدًا؛ فلا إمهال بعدها لتبصّرَ صورةٍ، أو تأمّلَ حقيقةٍ.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة