السبت 17 يناير 2026

تحقيقات

رسالة الرئيس الأمريكي بشأن السد الإثيوبي.. خبراء: الدبلوماسية الحذرة نهج القاهرة في التعامل

  • 17-1-2026 | 16:04

الرئيس السيسي ونظيره الأمريكي

طباعة
  • محمود غانم

في رسالة بعثها إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، أكد نظيره الأمريكي دونالد ترامب استعداد بلاده لاستئناف الوساطة الأمريكية بين مصر وإثيوبيا من أجل حل مسألة «تقاسم مياه النيل» في إطار أزمة السد الإثيوبي بمسؤولية.

وشدد ترامب في الرسالة على أن إدارته تدرك الأهمية العميقة لنهر النيل بالنسبة لمصر وشعبها، مؤكدًا رغبة الولايات المتحدة في التوصل إلى نتيجة تضمن احتياجات المياه لمصر والسودان وإثيوبيا لسنوات طويلة مقبلة.

وفي فقرة شديدة اللهجة، وتُعتبر تحذيرًا ضمنيًا للسياسات الإثيوبية، ذكرت الرسالة أن الولايات المتحدة تؤكد أنه لا ينبغي لأي دولة في المنطقة أن تسيطر من جانب واحد على الموارد الثمينة لنهر النيل بما يضر بجيرانها.

وأعرب ترامب عن قدرة بلاده على التوصل إلى اتفاق دائم يصب في مصلحة جميع دول حوض النيل، ويضمن إطلاقات وتصريفات مائية منتظمة يمكن التنبؤ بها خلال فترات الجفاف، مع السماح لإثيوبيا بتوليد كميات كبيرة من الكهرباء، قد يُتاح جزء منها أو يُباع لمصر والسودان.

الدبلوماسية سيدة الموقف

وفي تعقيبه على فحوى الرسالة، أكد السفير رؤوف سعد، مساعد وزير الخارجية الأسبق، أن شكلها إيجابي، بيد أن المسألة تحتاج إلى تدقيق وتحفّظ، بل وأكثر من ذلك، في ظل تساؤلات حول الأسباب التي دفعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى هذه الخطوة: هل تعود إلى اعتبارات تتعلق بالولايات المتحدة، أم أنها خاصة بالرئيس الأمريكي شخصيًا، على اعتبار أنه «صانع للسلام»؟

وتساءل سعد، في حديث لـ«دار الهلال»، عمّا إذا كانت الولايات المتحدة قادرة بالفعل على حل الأزمة بين الأطراف أو فرض حل لها، وبمعنى أدق: أيّ الخيارين متاح؟

وأردف قائلًا: «الواقع يشير إلى أنه بعد سنوات من المفاوضات بين مصر وإثيوبيا بشأن السد، ثبت عدم جدواها؛ إذ علّقت القاهرة التفاوض بعدما لم يُفضِ إلى نتيجة، واتضح أننا لم نكن نتعامل مع طرف جاد».

وبناءً على ذلك، كما يقول مساعد وزير الخارجية الأسبق، فإن خيار التفاوض غير متاح أمام الولايات المتحدة، ليبقى الخيار الثاني هو فرض الحل، موضحًا أن الإدارة الأمريكية اليوم متداخلة في أكثر من منطقة، بما في ذلك مناطق يتم التعامل معها بـ«القوة القصرية» (محصورة في مجال بعينه).

وأوضح أن الدبلوماسية تقتضي من مصر، في مثل هذه الظروف، أن ترحب من حيث المبدأ، وهو ما حدث بالفعل، ليظل الباب مفتوحًا أمام أي جهود تسوية صادقة.

وفي المقابل، أشار سعد إلى أن كثيرًا من الأمور ستتوقف على رد فعل إثيوبيا، التي لم تتعامل مع هذه القضية بوضوح، على غرار تعاملها مع قضايا أخرى في القرن الإفريقي، مضيفًا أن رئيس الوزراء الإثيوبي الحالي شخص «زكزاك» (متقلّب)، وهو أمر بات واضحًا للجميع.

وفي المجمل، يرى السفير رؤوف سعد أن الرسالة تعكس إيجابية، لا بد أن تتحول إلى قدرة إيجابية، وهو أمر مرهون بعناصر كثيرة، مؤكدًا أن مصر من جانبها مستعدة للدخول في حوار، ولا ترغب في الانخراط في اشتباك غير محسوب، ومذكرًا بأن الحل في النهاية لا بد أن يتوافق مع المصالح المصرية.

وفي ظل مخاوف من أن يتحول ملف السد إلى ورقة مساومة مقابل ملفات أخرى، أكد أن من يظن ذلك «واهم»، مذكرًا بما جرى في ملف غزة، الذي أظهر أن مصر دولة لا تنصاع.

وشدد على أن السنوات الماضية كشفت هذه الحقائق، وغيّرت الأجندات المعلنة نتيجة الموقف المصري الذي قال «لا» بشكل حاسم وقاطع.

وقال إن الولايات المتحدة أدركت، من خلال الحرب في غزة، أن مصر لا تغيّر مواقفها، واستطاعت أن تحافظ على القضية الفلسطينية وتمنع التهجير، ولو إلى حين.

واختتم مؤكدًا أنه لا يمكن الوصول، في النهاية، إلى تحليل نهائي للرسالة الأمريكية، مشيرًا إلى أن هنا يظهر الفارق بين الدبلوماسية التي تصنع القرار والانفعالات.

حذر شديد

ومن جانبه، يقول السفير جمال بيومي، مساعد وزير الخارجية الأسبق، إنه لا بد أن يتم التعامل مع رسالة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن سد النهضة عمومًا بحذر شديد، نظرًا لتقلب مواقفه، إذ قد يعلن موقفًا ثم يتراجع عنه في اليوم التالي، وهو أسلوب اتّبعه في تعاطيه مع الصين وأوروبا وغيرهما، ما يجعله غير محل ثقة كاملة في تقييم السياسات.

وأوضح بيومي، في تصريح خاص لـ«دار الهلال»، أنه يفضّل أن تُحلّ أزمة سدّ النهضة من خلال تفاهم مباشر بين الدول المعنية فقط، وهي مصر وإثيوبيا والسودان، دون تدخل أطراف خارجية، مؤكدًا أن أي تدخل خارجي تكون له كلفة، وغالبًا ما يكون مدفوعًا بحسابات ومصالح في ملفات أخرى بالمنطقة.

وأشار إلى أن قضية مياه النيل، عند قراءة تفاصيلها قراءة دقيقة، لا تستدعي القلق، مؤكدًا أن مصر تمتلك من الأدوات والقدرات ما يمكّنها من حماية حقوقها المائية والدفاع عنها.

وفيما يتعلق بدلالة الرسالة الأمريكية، رأى السفير جمال بيومي أنها تحمل جانبًا إيجابيًا، لا سيما من حيث أسلوب التعامل الذي يتسم بالاحترام والإنصاف تجاه الرئيس عبد الفتاح السيسي، مشيرًا إلى أن هذا الاحترام ظهر في أكثر من مناسبة، ويعكس تقديرًا لشخصية الرئيس ومواقفه الصلبة.

وأضاف أن الرسالة تضمنت تأكيدًا مهمًا على مبدأ أساسي، يتمثل في أنه لا ينبغي لأي دولة أن تفرض سيطرة أحادية على الموارد الثمينة لنهر النيل بما يضرّ بالدول الأخرى، معتبرًا أن هذا الطرح يمكن فهمه في إطار إيجابي.

وشدّد بيومي على أن نهر النيل نهر دولي يمرّ بأكثر من دولة، وأن مسألة الأنهار المشتركة ليست أمرًا مستحدثًا، بل تحكمها قواعد راسخة في القانون الدولي، تنظم حقوق وواجبات الدول المشاطئة، بما يضمن عدم الإضرار بمصالح أي طرف.

الاكثر قراءة