أكد الدكتور حسام فارق، الخبير السياسي والأكاديمي، أن قضية جزيرة «جرينلاند» كشفت عن عمق التجاذب القائم بين الولايات المتحدة الأمريكية والقارة الأوروبية، في ظل مخاوف وتكهنات متزايدة بشأن مستقبل «الناتو» واحتمالات تفككه أو انسحاب الولايات المتحدة منه.
وأوضح فارق، في تصريح لـ«دار الهلال»، أن احتمالية انسحاب الولايات المتحدة من حلف «الناتو» ليست مستجدة، بل تعود إلى فترة الولاية الأولى للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مؤكدًا أن هذا الانسحاب قد لا يتم عبر إعلان رسمي، وإنما من خلال تقويض الحلف من الداخل وإضعاف الثقة في الأسس التي قام عليها.
وأشار إلى أن حلف «الناتو» تحالف عسكري يقوم على مبدأ الدفاع الجماعي، أي أن أي اعتداء على دولة عضو يُعد اعتداءً على الحلف بأكمله، وفق ما تنص عليه المادة الخامسة من ميثاق الحلف.
غير أن الولايات المتحدة، بحسب رأيه، تمتلك أدوات عديدة لتعطيل هذا الالتزام دون اللجوء إلى الانسحاب الرسمي المنصوص عليه في المادة الثالثة عشرة من الميثاق، التي تشترط إخطار الدول الأعضاء والانتظار لمدة عام كامل قبل الانسحاب.
وأكد أن الرئيس ترامب تبنّى منذ ولايته الأولى خطابًا يشكك في جدوى الحلف، لا سيما مع إصراره على مطالبة الدول الأوروبية بإنفاق ما لا يقل عن 2% من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع، ملوّحًا بعدم الدفاع عن الدول التي لا تلتزم بهذه النسبة.
وأضاف أن أوروبا تعيش حالة قلق حقيقي من احتمال تخلي الولايات المتحدة عن التزاماتها داخل «الناتو»، خاصة في ظل تصريحات ترامب التي شككت في مصداقية بند الدفاع المتبادل، واعتبرت أنه لم يعد جديرًا بالثقة.
وأوضح فارق أن واشنطن قد تتجه إلى إفراغ الحلف من مضمونه تدريجيًا عبر التشكيك في مبدأ الدفاع الجماعي، ما يؤدي في النهاية إلى تفككه دون إعلان رسمي بالانسحاب.
وفيما يتعلق بقضية «جرينلاند»، أكد أن الأزمة فاقمت التوتر داخل الحلف، موضحًا أن الجزيرة تتمتع بحكم ذاتي وتتبع مملكة الدنمارك، وهي دولة عضو مؤسس في «الناتو»، وبالتالي فإن أي محاولة أمريكية لضمها تُعد اعتداءً على سيادة دولة عضو في الحلف، أي اعتداء من داخل التحالف نفسه.
وأشار إلى أن ترامب يبرر رغبته في ضم «جرينلاند» بحسابات استراتيجية تتعلق بمواجهة النفوذ الروسي في المنطقة، إلا أن ذلك لا ينفي خطورة الموقف، خاصة بعد التصريحات الواضحة لرئيسي وزراء الدنمارك و«جرينلاند» بأن الجزيرة ليست للبيع ولن تختار الانضمام إلى الولايات المتحدة.
واختتم الدكتور حسام فارق مؤكدًا أن سياسات الرئيس ترامب تعكس نهجًا نفعيًا يسعى إلى تغليب المصالح الأمريكية، ولو كان ذلك على حساب القانون الدولي والمنظمات الدولية.