السبت 24 يناير 2026

ثقافة

ندوة تكريمية في معرض القاهرة للكتاب لروح صنع الله إبراهيم وإرثه الروائي

  • 24-1-2026 | 19:13

جانب من الندوة

طباعة
  • ياسر علي

في اليوم الرابع من فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، شهدت قاعة الصالون الثقافي ببلازا (2) ندوة مهمة لمناقشة أعمال الكاتب والروائي الراحل صنع الله إبراهيم، أحد أبرز الأسماء التي شكّلت ملامح الرواية المصرية الحديثة، والذي يحتفي به المعرض هذا العام ضمن الشخصيات الأدبية المؤثرة.

أدار الندوة الناقد الأدبي الدكتور محمود عبد الباري، الباحث بمجمع اللغة العربية، الذي استهل اللقاء باستعراض موجز لسيرة صنع الله إبراهيم ومسيرته الإبداعية، مؤكدًا أننا أمام كاتب استثنائي استطاع تحويل التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي مرت بها مصر على مدار أكثر من خمسين عامًا إلى شخوص روائية نابضة، تتكلم وتحتج وتكشف.

وأشار عبد الباري إلى أن صنع الله إبراهيم أعلن مبكرًا انحيازه الواضح للفكر الاشتراكي، وظل وفيًا له حتى وفاته، منحازًا للمهمشين، ومدافعًا عن دور المثقف التنويري. 
ولفت إلى أن أعماله اتسمت بالتوثيق الاجتماعي والسياسي، حتى عُدّ واحدًا من أبرز رواد الرواية الوثائقية في السرد العربي، حيث دمج الواقع بالتخيل، وفتح أمام الرواية آفاقًا جديدة على مستويي الشكل والمضمون.

وتوقف عبد الباري عند ما قاله وزير الثقافة المصري في نعيه للكاتب الراحل، مؤكدًا أنه جمع بين الحس النقدي والإبداعي، وظل مخلصًا لقضايا الوطن، قبل أن يستعرض ملامح من سيرته الذاتية، بوصفه كاتبًا روائيًا ومترجمًا يساري التوجه، وأحد أكثر الكتاب إثارة للجدل، لا سيما بعد رفضه تسلم جائزة ملتقى القاهرة للإبداع الروائي العربي عام 2003 اعتراضًا على سياسات الحكومة آنذاك.

ماهر حسن: صنع الله نموذج المثقف العضوي

وفي مداخلته، تحدث الشاعر والناقد ماهر حسن عن تجربته الشخصية مع صنع الله إبراهيم، مشيرًا إلى أنه أجرى معه أربعة حوارات عقب رفضه الجائزة، تناولت أزمة الجوائز الثقافية، ودور الدولة، وأزمة المثقف.

وأوضح أن صنع الله كان مشغولًا دائمًا بالبحث عن الحقيقة، وأن كل عمل من أعماله ينطوي على سؤال مركزي، يتقاطع فيه التاريخ الشخصي مع التاريخ العام.

وأكد ماهر حسن أن صنع الله إبراهيم قدّم نموذجًا نادرًا لـ«المثقف العضوي» صاحب الحس الاستشرافي، حتى إنه تنبأ بقدوم ثورة في رواية «التلصص»، مشيرًا إلى أن صنع الله كان يرى التاريخ حلقة مفرغة تعيد إنتاج نفسها، دائمًا بين واقع نعيشه وحلم نطارده.

وكشف حسن عن رغبته في جمع هذه الحوارات في كتاب مستقل، تقديرًا لقيمة الشهادة التي تركها الكاتب الراحل.

شحاتة الحو: الواقعية الخشنة وكتابة الرفض

من جانبه، وجّه الدكتور شحاتة الحو، الباحث الأول بمجمع اللغة العربية، الشكر لإدارة المعرض على تنظيم هذا اللقاء، مؤكدًا أن الحديث عن صنع الله إبراهيم هو حديث عن واحد من أهم كتّاب الرواية العربية. 

وتوقف عند اللحظة الأشهر في مسيرته، وهي رفضه لجائزة الدولة أمام وزير الثقافة وإلقاء بيان شديد اللهجة، متسائلًا: هل كان ذلك بحثًا عن لقطة، أم تعبيرًا صادقًا عن موقف متسق مع مشروعه الإبداعي؟

وأوضح الحو أن صنع الله إبراهيم ينتمي إلى ما يمكن تسميته بـ«كتّاب الرفض» في السردية العربية، وهو موقف متجذر في بداياته، مستشهدًا بما قاله يوسف إدريس في تقديمه لمجموعة «تلك الرائحة»، معتبرًا أن روح هذا العمل الأول ظلت سارية في مجمل إنتاجه حتى آخر رواياته.

وأشار إلى أن صنع الله اختار منذ البداية كتابة «الواقعية الخشنة»، على عكس نجيب محفوظ الذي عبّر عن الواقع بلغة شاعرية رفيعة، بينما قدّم صنع الله الواقع بتفاصيله العارية، مستخدمًا لغة تلغرافية مباشرة، خالية من الزينة البلاغية، لكنها مشحونة بجمالها الخاص. كما نجح في تفكيك مفهوم البطل التقليدي، وتحرير النص السردي من الحبكة الكلاسيكية، دون أن يفقد قدرته على جذب القارئ.

مسيرة إبداعية متشابكة مع التاريخ

وُلد صنع الله إبراهيم في القاهرة في 24 فبراير 1937، وارتبطت أعماله ارتباطًا وثيقًا بسيرته الذاتية وبالتاريخ السياسي لمصر والمنطقة، ومن أبرز رواياته «اللجنة» (1981) التي هاجم فيها سياسة الانفتاح، و«بيروت بيروت» (1984) التي تناولت الحرب الأهلية اللبنانية، و«شرف» التي صُنّفت ضمن أفضل الروايات العربية، إضافة إلى «يوميات الواحات» التي تمثل شهادة سردية على تجربة الاعتقال.

وكان يؤمن بأن الفضاء الروائي مجال مفتوح للتجريب، وليس مجرد «حدوتة» للتسلية، وهو ما يتجلى بوضوح في رواية «وردة» التي جعل فيها المكان بطلًا، مؤرخًا لمرحلة مهمة من تاريخ عُمان، ومجسدًا مأساة الإنسان العربي، ومؤكدًا أن الصدق هو القاعدة الكبرى في الكتابة.

ترك صنع الله إبراهيم إرثًا روائيًا متنوعًا شمل الرواية، والقصة القصيرة، وأدب الطفل، والترجمة، وظل حتى آخر أعماله وفيًا لفكرته الأساسية: أن الكتابة موقف، وأن الرواية شهادة على العصر.

وبرحيل صنع الله إبراهيم، لا تفقد الرواية العربية كاتبًا كبيرًا فحسب، بل تفقد ضميرًا سرديًا ظل يقظًا، مشاكسًا، ومخلصًا للحقيقة حتى النهاية. كتب ضد النسيان، وضد الزيف، وضد الصمت، وترك لنا أعمالًا لا تُقرأ للمتعة وحدها، بل للفهم والمساءلة، وإعادة التفكير في علاقتنا بالسلطة، والتاريخ، والإنسان. وسيظل اسمه حاضرًا كلما طُرحت الرواية بوصفها فعل مقاومة، لا مجرد حكاية.

الاكثر قراءة