في إطار الاحتفاء بكبار المبدعين، شهد الصالون الثقافي بمعرض القاهرة الدولي للكتاب، ندوة خاصة بعنوان «ثمانون عامًا.. والشعر يروي محمد سليمان»، تكريمًا للشاعر الكبير محمد سليمان، وتقديرًا لمسيرته الإبداعية وتجربته الشعرية المتفردة.
شارك في الندوة الشاعر أحمد الشهاوي، والشاعر عماد غزالي، وأدار اللقاء الكاتب أحمد حسن، حيث استعاد المتحدثون ملامح تجربة شاعر اختار العزلة والصدق، وكتب قصيدته بهدوء بعيدًا عن الصخب، تاركًا أثرًا عميقًا في المشهد الشعري المصري.
وتحدث الشاعر أحمد الشهاوي عن محمد سليمان، مؤكدا قربه الإنساني، رغم معاناته من ظروف صحية، واصفا إياه بأنه من أطيب البشر وأكثرهم كرما، مشيرا إلى أنه كان يمتلك صيدليتين، ولم يتأخر يوما عن صرف الدواء أو مساعدة محتاج.
وأضاف الشهاوي قائلا إن صديقه محمد سليمان، ذلك الصيدلاني الذي عرف الكيمياء قبل أن يعرف المجاز، لم يؤمن يوما بأن القصيدة تحتاج إلى زينة، بل إلى صدق كاف لتعيش.
وتابع الشهاوي أنه تعرف إلى محمد سليمان بوصفه شاعرا لا يشبه الصورة الشائعة للشاعر، فلا صخب ولا ادعاء ولا رغبة في التقدم إلى الصفوف الأولى، مشيرا إلى أنه بلغ الثمانين من عمره دون أن ينل جائزة الدولة التقديرية.
وقال إن محمد سليمان أحد مؤسسي جماعة «أصوات»، لكنه لم يكن معنيا بتأسيس جماعة بقدر اهتمامه بتأسيس حساسية جديدة، موضحا أن «أصوات» لم تكن لافتة، بل احتمالا مفتوحا، يكتب فيه كل شاعر بصوته الخاص، دون وصاية أو مرجعية جاهزة.
وأوضح أنه كان يرى أن الشعر لا يورث بل يكتشف، وأن على كل شاعر أن يخترع عزلته بنفسه، وأن خبرته كصيدلاني علمته أن الجرعة الزائدة تقتل، وأن القليل قد يكون منقذا، وهو وعي تسلل إلى شعره دون افتعال.
وعن الخصائص الشعرية في قصيدته، قال الشهاوي إن لغة محمد سليمان متقشفة لكنها ليست فقيرة، وبسيطة لكنها ليست ساذجة، مشيرا إلى أن كلماته تشبه المواد الفعالة، لا لون لها، لكن أثرها عميق.
وأضاف أنه لم يكن يحب الزوائد ولا يحتمل الحشو، وكان يثق بأن المعنى الحقيقي لا يحتاج إلى شرح طويل، مؤكدا أن محمد سليمان يكتب كأنه لا يكتب، في وصف دقيق لتجربته، حيث تبدو القصيدة وكأنها تمر به لا تصدر عنه.
وأشار إلى أن لغته تمنح القصيدة مساحات صمت وبياضات مقصودة، تتيح للقارئ فرصة التنفس، وأن نصوصه تظل مفتوحة على التأويل والحياة، في زمن ارتفع فيه صوت القصيدة حتى صار ضجيجا، فاختار هو الهمس.
وأكد أن شعر محمد سليمان لم يكن بطوليا ولا خطابيا، ولم يدع تمثيل الجماعة أو الفكرة الكبرى، بل كتب الإنسان كما هو، مترددا وخائفا وهشا، لكنه قادرا على النجاة، مشيرا إلى حضور الجسد في شعره بوصفه كائنا قابلا للتعب والمرض والزوال.
وأضاف أن قرب قصيدته من التفاصيل الصغيرة والحياة اليومية يعكس وعيا بأن الحياة تقاس بالنبض لا بالشعارات، وأن أثر شعره يشبه أثر دواء بطيء المفعول، لا يظهر فورا، لكن أثره يبقى طويلا في الذاكرة.
وأكد أن محمد سليمان كان يرى الشعر فعلا للمعرفة لا سلطة، ووسيلة للإنصات لا الهيمنة، لذلك ظلت قصيدته غير نهائية، مشبعة بالشك والسؤال، مانحة القارئ مساحة من الحرية.
واختتم الشهاوي حديثه بالتأكيد على أن محمد سليمان شاعر كبير لأنه اختار الصدق، ذلك الصيدلاني الذي قدم بكيميائه قصيدة مختلفة، كتب دون أن يرفع صوته، وترك شعرا يشبهه، هادئا ونقيا ومقتصدا، لكنه عميق بما يكفي ليبقى.