ضمن فعاليات محور «كتاب وجوائز»، استضافت القاعة الدولية (بلازا 2) ندوة بعنوان «جائزة كتارا»، شاركت فيها الروائية القطرية هدى النعيمي، وأدارها الكاتب والمؤرخ شعبان يوسف، حيث ناقشت الندوة مفهوم الجوائز الأدبية، وتجربة التحكيم، إلى جانب العوالم السردية التي اشتغلت عليها النعيمي في الرواية والقصة والمسرح.
في مستهل الندوة، طرح شعبان يوسف تساؤلات حول موقع الجوائز العربية على خريطة الجوائز العالمية، ومدى قدرتها على إحداث صدى ثقافي وترجمي واسع، مشيرًا إلى أن بعض الجوائز العالمية تتحول فور إعلانها إلى مشاريع ترجمة عالمية، وهو ما فتح النقاش حول آليات الجوائز العربية وتأثيرها الحقيقي في المشهد الثقافي.
من جانبها، قدّمت الروائية هدى النعيمي شهادة مباشرة من واقع تجربتها في لجان التحكيم، مؤكدة أنها شاركت كمحكّمة في جائزة «المان بوكر» العربية عام 2012، وجائزة كتارا عام 2018، ولم تشهد خلال هذه التجارب أي تدخل أو ضغوط على قرارات لجان التحكيم.
وأوضحت النعيمي أن الاجتماعات كانت تُعقد في غرف مغلقة، ولا تُعلن النتائج إلا بعد التوصل إلى قرار جماعي بالإجماع، سواء فيما يخص القوائم الطويلة أو القصيرة، مضيفة أن آلية التحكيم في جائزة كتارا تعتمد على كتابة تقارير تفصيلية عن كل عمل، تُرفع لاحقًا إلى لجان أخرى تقوم بمراجعة التحكيمات نفسها، دون الاطلاع المباشر على النصوص، وصولًا إلى الأعمال الفائزة.
وأشارت النعيمي إلى أنها دخلت مجال التحكيم قبل خوض تجربة كتابة الرواية والسيرة الذاتية، معتبرة أن كتابها «حين يبوح النخيل» يمثل سيرة ذاتية روائية، وكان أول دخول لها إلى هذا العالم، وقد استغرق وقتًا طويلًا، وأُعيدت كتابته أكثر من مرة حتى خرج بصيغته النهائية.
وحول أعمالها الروائية، أوضحت أن روايتها الأولى «زعفرانة» هي العمل الذي نال جائزة كتارا، ويُحتفى به في هذه الندوة، بينما تُعد «ختم خزعل» أحدث رواياتها، والمعروضة حاليًا ضمن فعاليات المعرض.
وتطرقت النعيمي إلى الخلفية التاريخية التي استندت إليها في رواية «زعفرانة»، مشيرة إلى أن فضولها المعرفي قادها إلى البحث في حرب ظفار، التي اندلعت في جنوب سلطنة عمان خلال ستينيات القرن الماضي واستمرت أربعة عشر عامًا، مؤكدة أن هذه الحرب شكّلت جزءًا مهمًا من تاريخ الخليج، لكنها بقيت بعيدة عن الوعي العام لفترات طويلة.
وأضافت أنها لم تكتب الرواية من منظور توثيقي أو تأريخي، بل انطلقت من رؤية سردية متخيلة، عبر شخصية امرأة قطرية تتزوج من رجل عماني وتعيش تجربة الحرب وما خلّفته من تشظٍ إنساني وأسري، مؤكدة أن هدفها الأساسي هو دفع القارئ إلى إعادة قراءة التاريخ والبحث فيه.
وفي السياق نفسه، أوضحت أن رواية «ختم خزعل» تضيء واحدة من أكثر المناطق العربية تغييبًا في الذاكرة الجمعية، وهي منطقة الأهواز (عربستان)، مشيرة إلى أن العمل يستعيد تحولات الهوية ومحو الذاكرة العربية، عبر حكاية عائلة افتراضية تعيش صدمة تغيير الاسم والهوية وتشتتها في بقاع مختلفة.
وأكدت النعيمي أنها لا تكتب التاريخ، لكنها تسلط الضوء على بقع منسية منه، معتبرة أن فهم الواقع الراهن لا ينفصل عن قراءة الماضي.
من جانبه، وصف شعبان يوسف الانشغال بالتاريخ في الكتابة الإبداعية بأنه «مرض لطيف»، مشيرًا إلى تجربته الشخصية في الانتقال من الكتابة المسرحية إلى البحث التاريخي، ومؤكدًا أن الغوص في الأرشيف يمنح الكاتب أفقًا مختلفًا، ويكشف زيف الروايات الشفاهية المتداولة.
وتحدث يوسف عن تجارب عدد من الكاتبات في الرواية التاريخية، مؤكدًا أن هذا النوع من الكتابة يمنح السرد عمقًا إضافيًا حين يتقاطع مع الإبداع، لا مع النقل الحرفي للتاريخ.
وفي حديثها عن مسارها الإبداعي، أوضحت هدى النعيمي أنها بدأت بالقصة القصيرة والكتابة النقدية، وأن أعمالها الأولى في تسعينيات القرن الماضي انشغلت بشكل أساسي بقضايا المرأة وحقوقها، قبل أن تتسع رؤيتها لاحقًا نحو الهم الإنساني العام.
وأشارت إلى مجموعتها القصصية «كليلة وهدى»، التي تضم ست عشرة قصة، تقوم على علاقة الإنسان بالكائنات الأخرى، مؤكدة أن الكتابة بطبيعتها كائن حي يتغير بتغير التجربة والرؤية والمعرفة.
كما تطرقت النعيمي إلى علاقتها بالمسرح، مؤكدة أن عشقها له بدأ منذ الطفولة، مرورًا بتجربتها في المسرح المدرسي، ثم الدراسة الأكاديمية، وصولًا إلى الكتابة المسرحية والنقدية، مستذكرة عددًا من أعمالها المسرحية، منها: «عرس الحيف»، و«مجلس الحكمة»، و«الخيمة»، والتي صدرت في كتاب واحد عن مطبوعات «الدوحة عاصمة الثقافة العربية» عام 2010.
وأكدت أن المسرح يملك قدسية خاصة، لأنه يقوم على علاقة مباشرة مع الجمهور، حيث لكل كلمة وحركة معناها ومسؤوليتها.
واختُتمت الندوة بالتأكيد على أن تجربة هدى النعيمي تمثل نموذجًا للكاتب الذي لم يحصر نفسه في نوع أدبي واحد، بل تنقّل بين القصة والرواية والمسرح، بهدوء أسلوبي وجرأة اجتماعية، تترك أثرها من عمق النص لا من سطحه.