لم أعلم، في يومٍ من الأيام، أنّ السيدة أم كلثوم دخلت عالم التصوّف أو مارست طقوسه فعليًّا، أو انتمت إلى إحدى طرق التصوّف المعروفة، من أمثال: الشاذلية، والجنيدية، والرفاعية، والجيلانية، أو غيرها، أو لبست «الخرقة»، وسارت في شوارع الأزهر والحسين ضمن آلاف المريدين والأئمة والشيوخ والدراويش والمجاذيب، رافعةً الأعلام الخضراء التي تميّز الطوائف والفرق الصوفية، أو حتى أولئك الصوفية الذين ينتمون بفكرهم واعتقادهم بعيدًا عن المظاهر الخارجية للتصوّف، من أمثال المشايخ المعاصرين عبد الحليم محمود، ومحمد متولي الشعراوي، ومحمد سعيد البوطي، وغيرهم.
نعرف أنّها منذ الصغر كانت تغنّي أو تنشد القصائد والتواشيح في المناسبات الدينية المختلفة، حتى قبل مجيئها إلى القاهرة، وأنّ والدها الشيخ إبراهيم البلتاجي كان يتكسّب من وراء ذلك، وأنّها حفظت القرآن الكريم عن ظهر قلب وهي تدرس في كُتّاب قرية طماي الزهايرة بمحافظة الدقهلية. وعندما سمع عنها عزّ الدين يكن باشا (1917)، دعاها لإحياء حفلة الإسراء والمعراج في فيلّته بالقاهرة.
وكانت انطلاقتها بعد ذلك عندما تعرّفت إلى الشيخ أبي العلا محمد (1884–1927) والشيخ زكريا أحمد (1896–1961)، ولم يشتهرا أيضًا كمتصوّفَين، ولكنّهما كانا يقرآن القرآن الكريم، ويلحّنان، ويعزفان، ويغنّيان، ويجوز أن نطلق عليهما أنّهما كانا «متصوّفَين في عالم الفن»، لا في تصوّف الطرق الصوفية التي ضربنا أمثلة لبعضها من قبل.
بعد أن استقرّت أم كلثوم في القاهرة، بدءًا من عام 1921، جابت المسارح، سواء بمصاحبة فرقة موسيقية أو من دونها، والتقت منيرة المهدية (1885–1965) ومحمد عبد الوهاب (1902–1991) وبعض مطربي عصرها، كما التقت أمير الشعراء أحمد شوقي (1868–1932)، وغنّت تسع قصائد من قصائده بعد رحيله. وبدأ الموسيقيون يلحنون لها خصيصًا، وبدأت تتخلّى عن الغناء لغيرها، سواء من التراث أو من معاصريها من المطربين. وكان أوّل من لحّن لها ألحانًا خاصة طبيب الأسنان الموسيقار أحمد صبري النجريدي (1900–1969)، وغنّت من ألحانه أربعة عشر لحنًا، ثم انفصلت عنه انفصالًا فنيًّا، وكان في الوقت نفسه يلحن للمطربة فتحية أحمد (1898–1975)، التي يُطلق عليها «مطربة القطرين»، ولم نعرف عن النجريدي أنّه كان من المتصوّفة.
ثم غنّت «الست» لشاعر الشباب أحمد رامي (1892–1981) أوّل قصيدة بعنوان «الصبّ تفضحه عيونه» من ألحان الشيخ أبي العلا محمد، وامتدّ التعاون بين رامي وأم كلثوم حتى وفاتها في 3 فبراير 1975، فرثاها رامي بقصيدة عذبة يقول في مطلعها:
ما جال في خاطري أنّي سأرثيها
بعد الذي صُغتُ من أشجى أغانيها
قد كنتُ أسمعها تشدو فتُطربني
واليومَ أسمعني أبكي وأبكيها
صحبتُها من ضحى عمري وعشتُ لها
أدفُّ شهدَ المعاني ثمّ أهديها
ولم نعرف في يومٍ من الأيام أنّ رامي كان شاعرًا متصوّفًا، مثل ابن الفارض (سلطان العاشقين)، وابن عطاء الله السكندري، والحلّاج، والسهروردي، وابن عربي، وغيرهم.
قد تكون أم كلثوم قرأت لمثل هؤلاء الشعراء، لأنّها كانت تحب قراءة الشعر وتتذوّقه، وتختار الأبيات الجميلة التي تتّفق مع فنّها وشخصيّتها وتحفظها، وكان رامي يتولّى تعليمها أصول اللغة وتذوّق الشعر، فأضافت مهارات فنية جديدة إلى مهاراتها في الصوت والتذوّق والغناء. ثم أضاف لها محمد القصبجي (1892–1966) بتعليمها بعض المقامات الموسيقية، وأخذ يلحن لها ألحانًا متميّزة.
ولم يكن القصبجي معروفًا بأنّه كان متصوّفًا بالمعنى الاصطلاحي.
وليس لأنّ أم كلثوم تعاملت مع بعض «المعمَّمين» من الملحنين والموسيقيين نطلق عليها أنّها كانت متصوّفة؛ فالكثير من المعمَّمين ليسوا بالضرورة متصوّفين. وكانت أم كلثوم لا تزال، حتى عام 1926، ترتدي العقال والعباءة، وهي هيئة قد تخدع البعض فيظنّ أنّها إعرابية أو بدوية أو متصوّفة، أو أنّها تسلك طريقة من طرق التصوّف، سواء المعروفة أو غير المعروفة.
ومع تطوّر المجتمع المصري في العشرينيات، ولا سيما بعد ثورة 1919 وظهور روّاد التنوير في الآداب والفنون، خلعت أم كلثوم العقال والعباءة، وارتدت زيّ الفتيات المصريات في ذلك الحين.
إنّ أم كلثوم لم تمرّ بالمراحل الحياتية التي مرّت بها «رابعة العدوية»، على سبيل المثال، والتي غنّت الست لها وعنها في الفيلم الذي حمل اسم «رابعة العدوية» (1963)، ومنه قصيدة «عرفت الهوى» التي قام بصياغتها الشاعر طاهر أبو فاشا (1908–1989)، ويقول مطلعها:
عرفتُ الهوى مذ عرفتُ هواكَ
وأغلقتَ قلبيَ عن من عاداك
وقمتُ أناجيك يا من ترى
خفايا القلوب ولسنا نراك
أحبك حُبَّين: حبَّ الهوى
وحبًّا لأنك أهلٌ لذاك
فأمّا الذي هو حبُّ الهوى
فشغلي بذكرك عمّن سواك
وأمّا الذي أنت أهلٌ له
فكشفُك لي الحُجبَ حتى أراك
فلا الحمدُ في ذا ولا ذاك لي
ولكن لك الحمدُ في ذا وذاك
هذا هو التصوف الشعري الذي قامت أم كلثوم بأدائه بصوتها وفنها، وقد يعني ذلك أن أم كلثوم كانت متصوفة في فنها وفي روحها، وأعتقد أنها لم تكن كذلك في حياتها الشخصية أو العملية.
كانت مثل كل الشعب المصري متدينةً بالفطرة، وأضافت إلى ذلك بعض القراءات الأدبية والفنية، وطفولتها تؤكد ذلك؛ فهي لم تُزرع في أرض أجنبية، فرنسية أو إنجليزية – على سبيل المثال – ولكنها نبتت من طينة مصر، ولوَّحتها شمسُ ريفها، وأغدق الله عليها موهبة ضخمة وحنجرة قوية وشخصية متفردة، فأصبحت ظاهرة في عصرها.
يرى كاتبنا الكبير نجيب محفوظ (1911 – 2006) أن أم كلثوم ليست نبوغًا في الصوت فحسب، ولكن في الشخصية أيضًا، كيانها أكبر من مجرد مطربة، هي أشبه بالشخصيات السياسية المهمة. فقد ساعدت بصوتها على توحيد العرب، وهذه مسألة لم يكن عليها خلاف.
ويؤكد محفوظ أن أم كلثوم لم تكن ملحنة ولا موسيقية، لذلك يجب أن نتكلم عنها مع فئة المؤدِّيات. غاية ما في الأمر أنها حنجرة كبرت أكبر من اللازم – أشبه ما تكون بالعضلات الخارقة – حتى سيطرت على الألحان والملحنين، فكانوا يقدمون لها ألحانًا يعلمون أنهم لا يستطيعون تقديمها لغيرها، وهكذا قدمت ألوانًا شديدة الاختلاف. فحين تغني لزكريا أحمد يخيل إليك أنها كلاسيكية، وحين تغني لمحمد القصبجي يخيل إليك أن فيها عِرقًا تركيًّا، والسنباطي له لونه وطابعه معها، وهكذا.
أما أحمد شوقي فيقول عن "الست":
«أم كلثوم معجزة من الصعب أن تتكرر، فلو كانت الأصوات معادن لكان صوت أم كلثوم من الذهب الإبريز، إنها أديبة تفهم ما تشدو به، وهي تحفظ القرآن، ولا تشرب الخمر، وقد نظمتُ قصيدة لها خصيصًا بعنوان "سلوا كؤوس الطلا"، وذكرتُ اسمها في البيت الأخير بالقصيدة وقلت:
يا أم كلثومُ، أيامُ الهوى ذهبتْ ** كالحلم… آهًا لأيامِ الهوى آهَا».
كانت "الست" تختار بعناية ما تغنيه في المناسبات المختلفة، ونستطيع أن نقسم أغنياتها في هذا الصدد إلى: الأغنيات أو القصائد الدينية، وقصائد المديح النبوي، والقصائد الروحية.
أما الأغنيات أو القصائد الدينية، فلعل من أشهرها – بالعامية المصرية – "القلب يعشق كل جميل"، وهي من أروع الأغنيات التي تناسب موسم الحج، هذا الفرح الإسلامي الروحي الكبير الذي يتجدَّد كل عام هجري. وقد غنتها أم كلثوم من ألحان العبقري رياض السنباطي (1906 – 1981) عام 1972، من كلمات بيرم التونسي (1893 – 1961)، الذي غنَّت له أم كلثوم 14 أغنية، منها أغنيات كثيرة قبل رحيله، ومنها أغنيات بعد رحيله، وكانت "القلب يعشق كل جميل" من أغاني ما بعد الرحيل، والتي يقول مطلعها:
القلب يعشق كل جميل ** وياما شفتي جمال يا عين
واللي صدق في الحب قليل ** وإن دام يدوم يوم ولا يومين
واللي هويته اليوم ** دايم وصاله دوم
لا يعاتب اللي يتوب ** ولا في طبعه اللوم
واحد ما فيش غيره ** ملا الوجود نوره
دعاني لبيته ** لحد باب بيته
وأما تجلَّى لي ** بالدمع ناجيته
قد تكون هناك لمحات صوفية في تلك الأغنية الجميلة والمتميزة، مثل التجلِّي والمناجاة، مثلما نجدها في أغنية أخرى لبيرم التونسي مثل "شمس الأصيل"، وفي الأخيرة تبرز عناصر الطبيعة أكثر من الأولى، وتعد الطبيعة عنصرًا أساسيًّا في قصائد التصوف. وعلى الرغم من أن أحمد شوقي – أمير الشعراء – لم يكن شاعرًا صوفيًّا أيضًا، فإن بعض النقاد ألمحوا إلى الطبيعة في شعر شوقي على أنها ملمح من ملامح الصوفية.
أما قصائد المديح النبوي التي تغنت بها "الست"، فربما تكون الأكثر عددًا، ومعظمها من قصائد أمير الشعراء أحمد شوقي، ومنها: سلوا قلبي (1946)، ونهج البردة (1947)، والهمزية (1949)، وإلى عرفات الله (1954)، وكلها من ألحان السنباطي.
إن شوقي عند أم كلثوم هو شاعر الشعراء، فقد جمع أعظم ما في الشعر العربي من خصائص أصيلة، وهذا ما دعاها إلى بعثه – بعد رحيله – وكأنه لم يمت، فغنت له تسع قصائد. وكما نعلم فإن شوقي لم يكن من شعراء المتصوفة الذين ذكرنا بعضهم من قبل.
أما القصائد الروحية، فلعلنا نتوقف فيها عند قصيدة "الرضا والنور" أو "أوقدوا الشموس" للشاعر طاهر أبو فاشا، وألحان محمد الموجي (1923 – 1995)، وجاءت ضمن أغاني فيلم رابعة العدوية، ويقول مطلعها:
أوقدوا الشموس ** انقروا الدفوف
موكب العروس ** في السما يطوف
والمنى قطوف ** انقروا الدفوف
الرضا والنور ** والصبايا الحور
والهوى يدور…
ونشير أيضًا إلى قصيدة "حانة الأقدار" لطاهر أبو فاشا، ضمن أغاني فيلم رابعة العدوية، من ألحان الموجي.
أما عن أغنية "أقولك إيه عن الشوق"، التي كتبها الشاعر عبد الفتاح مصطفى (1924 – 1984)، ولحنها رياض السنباطي (1965)، فقد قيل إنها أغنية دينية في الأساس، وأن الحب المقصود فيها هو الحب الإلهي، وقيل أيضًا إنها عن حب بشري طاغٍ، ويقول مطلعها:
أقولك إيه عن الشوق يا حبيبي
أقولك إيه ومين غيرك داري بي
ومن يتتبع الأغنيات الأخرى التي كتبها عبد الفتاح مصطفى وغنتها أم كلثوم، سيجد أغاني تنتمي إلى الأغنية الوطنية والثورية، عدا أغنية واحدة قد تُفسر على غرار "أقولك إيه عن الشوق"، وهي قصيدة "تائبٌ تجري دموعي ندمًا" (1962)، من ألحان رياض السنباطي، ويقول مطلعها:
تائبٌ تجري دموعي ندمًا ** يا لقلبي من دموع الندمِ
ولا جدال في صوفية هذه القصيدة، بخلاف الأغنية السابقة التي تحتمل التأويل.
ومن خلال العرض السابق، يتضح لنا أن عددًا من الشعراء كتب لأم كلثوم قصائد تراوحت بين الديني والمديح النبوي والروحي، غير أن اللافت أن أكثر من لحَّن لها في هذا اللون الغنائي هو الموسيقار رياض السنباطي أولًا، ثم الموسيقار محمد الموجي.
ونستطيع أن نؤكد أن "الست" أم كلثوم لم تكن صوفية في حياتها، ولكنها كانت صوفية في فنها الخالد، وأعتقد أن تصوف الفن يكسبه معنى إنسانيًّا عميقًا يجعله حيًّا ما دام الإنسان موجودًا في أي زمان ومكان.
رحم الله "الست" وأسكنها فسيح جناته.