ما تزال تداعيات الملفات التي كشفتها التحقيقات المرتبطة بالملياردير الأمريكي الراحل جيفري إبستين، المدان بإدارة شبكة اتجار جنسي استهدفت قاصرات، تلقي بظلالها على الساحة الدولية، وذلك عقب إفراج وزارة العدل الأمريكية عن نحو ثلاثة ملايين وثيقة متصلة بالقضية.
ويُعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من بين الأسماء البارزة التي تكرر ذكرها في وثائق قضية إبستين، حيث تشير بعض المستندات إلى ارتباطات اجتماعية سابقة بينهما، بما في ذلك مزاعم عن سفر ترامب على متن طائرة إبستين الخاصة خلال تسعينيات القرن الماضي.
وفي ظل حساسية القضية وما تحمله من أبعاد قانونية وأخلاقية، سارع ترامب إلى نفي أي تورط له، مؤكدًا أن الوثائق المنشورة لا تدينه، بل — على حد وصفه — تثبت عدم ضلوعه في أي مخالفات.
وحتى الآن، لا يوجد أي تأكيد رسمي من الجهات القضائية الأمريكية يثبت ارتكاب ترامب مخالفات قانونية على صلة بالقضية، رغم أن الوثائق تشير بشكل متكرر إلى أنه متورط في قضايا اعتداء جنسي، لكن ما يزال ذلك بحاجة إلى التأكيد من جهات قضائية.
وبشكل عام، فإن ترامب على صعيد القضايا الجنسية تحديدًا ليس خالي الوفاض، حيث اتهمت 28 امرأة على الأقل دونالد ترامب بسوء السلوك الجنسي.
فور الكشف عن الوثائق، يوم الجمعة الماضي، أكد ترامب أن الوثائق، خلافًا للتوقعات، لم تُظهر أي أمر ضده، موضحًا أنه لم يطلع عليها، لكن بعض الأشخاص المهمين جدًا أخبروه بأنها لا تبرئه فحسب، بل تكشف أيضًا صورة معاكسة تمامًا لما كان يأمله اليسار الراديكالي.
ودافعت وزارة العدل الأمريكية، وهي التي كشفت عن الوثائق، مؤكدة أن بعض الوثائق تحتوي على ادعاءات غير صحيحة ومثيرة ضد الرئيس ترامب تم تقديمها إلى مكتب التحقيقات الفدرالي قبل انتخابات 2020 مباشرة.
ووصفت هذه الادعاءات بأنها «لا أساس لها من الصحة»، موضحة أنه «لو كانت لها ذرة من المصداقية، لكان من المؤكد أن تُستخدم كسلاح ضد الرئيس».
لكن لا بد أن نضع في الاعتبار أن الوزارة نفسها أكدت أن الملفات تتضمن تنقيحات «واسعة النطاق» نظرًا لاستثناءات القانون التي تسمح بحجب بعض الوثائق، بما في ذلك المعلومات التعريفية للضحايا أو المواد المتعلقة بالتحقيقات الجارية.
ومع استمرار تصاعد وقع الصدمة الذي أحدثته الوثائق، واصل ترامب الدفاع عن نفسه، قائلًا: «لا علاقة لي بجيفري إبستين إطلاقًا، والوثائق المنشورة تؤكد ذلك».
وجدد التأكيد، في تصريحات أمس، أن ملفات الملياردير إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأمريكية حتى اليوم تُثبت براءته، ثم زعم أن إبستين وكاتبًا يُدعى مايكل وولف «تآمرا معًا» من أجل منعه من الوصول إلى الرئاسة.
ماذا قالت الوثائق عن ترامب؟
وتشير بعض الوثائق التي يجري الكشف عنها بموجب «قانون شفافية ملفات إبستين» إلى أنه سافر على متن طائرة إبستين الخاصة خلال تسعينيات القرن الماضي، قبل أن تنقطع العلاقة بينهما لاحقًا على خلفية خلافات لم تُكشف تفاصيلها كاملة.
وتضمنت الوثائق التي أُفرج عنها قائمة أعدها مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) العام الماضي، تتضمن بلاغات وشكاوى وردت عبر خط البلاغات الوطني التابع لمركز عمليات التهديدات، تقدم بها متصلون وذكروا اسم ترامب ضمن إفاداتهم.
كما تُظهر هذه القوائم وجود مزاعم متعددة بالاعتداء الجنسي وردت بحق ترامب، دون أن تشير الوثائق إلى صدور إدانات قضائية بحقه، أو تأكيد رسمي على صحة تلك الادعاءات.
سجلات الماضي
العلاقة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وإبستين ظلت مستمرة حتى السنوات الأولى من الألفية الجديدة على الأقل.
كان ترامب وإبستين يترددان على بعضهما البعض بكثرة خلال تسعينيات القرن الماضي وأوائل الألفية الجديدة، بما في ذلك حضور حفلات في منتجع مارالاغو التابع لترامب في فلوريدا، وفي منزل إبستين.
في عام 2002، قال ترامب لمجلة «نيويورك» الأمريكية، متحدثًا عن علاقته مع إبستين، إن الاثنين كانا يشتركان في ولع بالنساء الجميلات، ووصف ترامب إبستين بأنه «رجل رائع»، بحسب ما ذكر موقع «بوليتيفاكت» الأمريكي المتخصص في تدقيق الحقائق.
لكنه انقلب على عقبيه في عام 2019 حين أُلقي القبض على إبستين، وبدل الإعجاب بالنكران، إذ قال: «لم أكن من مُعجبيه، هذا ما أستطيع قوله. لم أكن من مُعجبيه». وأضاف أنه لم يتحدث إلى إبستين منذ 15 عامًا، أي منذ عام 2004.
غير أن تقارير تشير إلى أن الخلاف بينهما وقع في أواخر عام 2007، حين منع ترامب إبستين من دخول مارالاجو بعد أن تصرف إبستين بشكل غير لائق تجاه ابنة مراهقة لأحد أعضاء النادي.