السبت 7 فبراير 2026

مقالات

عبد الرحمن بن خلدون مؤسس علم الاجتماع بعد أن استقر في القاهرة

  • 7-2-2026 | 10:24
طباعة

يوشك اسم عبدالرحمن بن خلدون أن يُشكِّل المفكر والفيلسوف المسلم ربما الوحيد في زمنه، وقد يكون في أزمنة لاحقة، الذي شكَّل ظاهرة فكرية مهمة في تاريخ الإسشلام الفلسفي، وتعدَّى الحضارة العربية والإسلامية ووصل إلى حضاراتٍ أخرى كثيرة عاصرته وجاءت من بعده، وما زال اسمه له رنين من نوعٍ خاص لدى كل المتعاملين مع الفلسفة ودارسيها ومتعاطيها حتى هذه اللحظة. أما تلاميذه فلا يمكن إحصاؤهم، سواء في الوطن العربي أو العالم الإسلامي أو الدنيا كلها شرقها وغربها وشمالها وجنوبها.

واسمه بالكامل أبو زيد ولي الدين عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي الإشبيلي، المعروف بابن خلدون (732–808هـ / 1332–1406م)، وهو من علماء العرب والإسلام، وقد برع في علم الاجتماع والفلسفة والاقتصاد والتخطيط العمراني والتاريخ. بنى رؤيته الخاصة في قراءة التاريخ بتجريده من الخرافات والروايات التي لا تتفق مع المنطق، ليكون أول من طبَّق المنهج العلمي على الظواهر الاجتماعية.

امتهن الكتابة في ديوان الرسائل في شبابه، وأصبح رسولًا بين الملوك في بلاد المغرب والأندلس، قبل أن يهاجر إلى مصر ويُقلِّده السلطان الظاهر سيف الدين برقوق قضاء المالكية، فترك مراسلة الملوك وانصرف للدراسة والتصنيف، وألَّف عددًا من الكتب، من أهمها كتاب: العبر، وديوان المبتدأ والخبر، في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان، الذي عُرِف اختصارًا بـ: تاريخ ابن خلدون، ومقدمة هذا الكتاب الشهيرة بمقدمة ابن خلدون، التي تُعد كتابًا مهمًا بذاتها.

وُلِدَ ابن خلدون في تونس في زمن الدولة الحفصية، وقضى بها طفولته قبل أن يبدأ تنقله بين المدن في المغرب العربي وبلاد الأندلس، واعتكف وهو بالمغرب للدراسة، وأنهى مقدمته الشهيرة التي دخلت التاريخ واشتهر بها قبل هجرته إلى مصر أم الدنيا، ومنها توجه لأداء فريضة الحج. ثم بعد ذلك دخل وسيطًا لحقن الدماء بين أهالي دمشق وجيوش تيمورلنك، فكان ضمن القضاة المرافقين للسلطان المملوكي الناصر زين الدين فرج.

في دمشق نزل بالمدرسة العادلية وأقام بها حتى أتم مهمته. وفيما عدا هاتين الرحلتين لم ينقطع عن مصر، وكان معلمًا في إحدى مدارس المالكية بالقاهرة، وهي المدرسة القمحية، وكذلك في المدرسة الظاهرية البرقوقية عقب تأسيسها. وفي أثناء دراسته لأحوال الشعوب والمجتمعات اكتشف ابن خلدون علم العمران البشري، وهو ملخص حياة الدول وما تصل إليه من ازدهار ثم اضمحلال. ويهدف هذا العلم إلى دراسة أحوال الناس في أوضاعهم المعيشية والسياسية والدينية والاجتماعية، وفق رؤية علمية وتأريخ صحيح للمجتمعات بإبعاد التأثيرات الخارجية لآراء المؤرخين الشخصية.

لمؤلفات ابن خلدون أثرٌ كبير في الفكر العالمي، إذ يُعد أول من درس نشوء الدول والمجتمعات وتفككها وفق رؤية كاملة شملت النُّظم السياسية والاجتماعية والسياسات الاقتصادية والنقدية، إضافة إلى مستوى التقدم في العمران المدني. هذه الأفكار جعلت منه شخصية مركزية في الدراسات المعاصرة له قبل انهيار الحضارة الإسلامية، وشكَّل عند العجم منارة علمية في العلوم السياسية والاقتصاد، فدُرِّست مؤلفاته وتُرجمت إلى عدة لغات من لغات العالم المعروفة في ذلك الوقت.

كانت أول هذه الدراسات على يد جاكوب خوليو، الذي تتبَّع فكر ابن خلدون وألَّف كتابه المعنون رحلات ابن خلدون عام 1636، الذي تُرجم إلى اللغات اللاتينية والفرنسية واليونانية. ويُعد ابن خلدون أول عالم دوَّن سيرته الشخصية كاملة، نثرها في أجزاء تاريخه، مبينًا ما عاناه في أثناء ولادة الممالك في المغرب العربي وتلاشيها، إضافة إلى ما رآه في مصر، ووساطته لدى تيمورلنك، ورحلته لأداء فريضة الحج.

يرجع ابن خلدون في نسبه إلى بيت من بيوت الرياسة في الأندلس، وقد استوطن بها أحد جدوده في عصر الفتح، حيث استقر أولًا بمدينة قرمونة قبل الانتقال إلى إشبيلية، وظهر بنو خلدون فعليًا في عهد الأمير عبد الله بن محمد الأموي، الذي انتشرت الاضطرابات في عهده، وكان بنو خلدون من جملة الثائرين عليه، إذ كانوا من كبار عائلات إشبيلية، إضافة إلى بني أمية بن عبد الغفار، وعبد الله بن الحجاج، وكريب أو كريت.

ولما تشقَّقت الدولة في الأندلس وبدأت بالسقوط على يد ملك قشتالة، نزح منها الأمير أبو زكريا الحفصي سنة 620هـ، الموافقة لسنة 1223م، وقصد إفريقية، وغادر معه بنو خلدون خوفًا من سوء العاقبة إذا سقطت إشبيلية بيد النصارى. وقد نعم بنو خلدون بالجاه والسعة في الدولة الحفصية، وعاشوا معارك الدولة مع الخوارج عليها. أما والد ابن خلدون فقد زهد بالحياة السياسية، والتجأ إلى حياة الدرس والعلم، وبرز في الفقه وعلوم اللغة ونظم الشعر، وبقي في عمله حتى وفاته إبان الفناء الكبير أو الطاعون الجارف سنة 749هـ، الموافقة لسنة 1349م، حينما كان ابن خلدون في الثامنة عشرة من عمره.

نشأ ابن خلدون على تراث أسرته العريقة في العلم، فدأب على الدراسة في حجر أبيه الذي كان معلمه الأول، فقرأ القرآن وحفظه، ودرس القراءات السبع والحديث والتفسير والفقه، إضافة إلى النحو واللغة، مستثمرًا أساتذة تونس التي كانت من أبرز مراكز العلوم والآداب في بلاد المغرب.

ذكر ابن خلدون أسماء شيوخه في كل علم، واهتم بترجمة أعمالهم، وتحدث عن بعض الكتب التي درسها، ويبدو مما درسه أنه تخصص بالفقه المالكي وعلم اللغة والشعر قبل أن يدخل في الفلسفة والمنطق. وبعدها انتشر الفناء الكبير أو الطاعون الجارف، كما يسميه ابن خلدون، وعمَّ الوباء ديار الإسلام من سمرقند حتى المغرب الأقصى، كما انتشر في إيطاليا والبلاد الأوروبية الأخرى، وقد كابد ابن خلدون الحزن بسبب الوباء، إذ فقد معظم معلميه وشيوخه إضافة إلى والديه.

عاش بنو خلدون حياة مزدهرة في ظل الدولة الحفصية، ووسعوا من نفوذهم، لكن ما إن بلغ ابن خلدون سن الرشد حتى ظهرت بوادر انحلال الدولة بعدما عصفت مجموعة من الاضطرابات بإفريقية، وتُوِّجت بوباء الطاعون. في ذلك الوقت استُدعي ابن خلدون للعمل في بلاط الحاجب أبي محمد بن تافراجين، الوصي على السلطان أبي إسحاق إبراهيم بن أبي بكر، لكنه كان مرتابًا من أحوال الدولة في تونس، وشاهد انتقال الشيوخ والعلماء إلى المغرب الأقصى للعيش في ظل الدولة المرينية القوية والمنبثقة حديثًا. فكر ابن خلدون في الرحيل، لكن أخاه الأكبر صده، على أن زحف أمير قسنطينة أبو زيد علي تونس أوائل سنة 753هـ سهَّل المهمة عليه، فانسل من المعسكر المهزوم ناجيًا بنفسه.

وصل ابن خلدون إلى الإسكندرية بعد رحلة بحرية استمرت نحو أربعين يومًا، وكان وصوله في عيد الفطر سنة 784هـ / 1382م، وأقام بالإسكندرية نحو شهر لتهيئة ظروف الحج، لكنه لم يستطع لذلك سبيلًا، فقصد القاهرة آملًا في الاستقرار والهدوء بعد أن بلغ من العمر اثنين وخمسين عامًا. وكانت القاهرة يومئذ موئل الفكر الإسلامي وحامية العلوم والآداب، ووصلها في ذي القعدة، فأبهرته بضخامتها وجمالها، فرأى حاضر الدنيا وبستان العالم، ومحشر الأمم، وإيوان الإسلام، ومكرسي الملك، تلوح القصور والأواوين في جوها، وتزدهر الخوانق والمدارس والكواكب بآفاقها.

كان صيت ابن خلدون سابقًا له في الوصول إلى القاهرة، وأُعجب أهل العلم بمقدمته وطريقة بنائها، فما إن حل بها حتى أقبل عليه أهل العلم وطلابه يرتجون منه الفائدة. ويقول ابن خلدون عن هذه المرحلة: «وانثال عليَّ طلبة العلم يلتمسون الإفادة مع قلة البضاعة، ولم يوسِّعوني عذرًا، فجلست للتدريس بالجامع الأزهر».

وقد نقل أبو المحاسن ابن تغري بردي عمل ابن خلدون في كتاب المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي قائلًا: «واستوطن القاهرة وتصدَّر للإقراء بالجامع الأزهر مدة، واشتغل وأفاد». كان ابن خلدون يُدرِّس الفقه المالكي ويستفيض في تفصيل العمران البشري وكيف تُبنى الدول والممالك، وكان متحدثًا بارعًا يخلب عقول السامعين من شدة جمال ألفاظه واتزان كلامه. وكذا تحدث عنه من التحقوا بدرسه مثل تقي الدين المقريزي، ومثله الحافظ ابن حجر الذي انتفع بعلمه فوصفه: «وكان لَسِنًا، فصيحًا، مع معرفة تامة بالأمور، خصوصًا متعلقات المملكة». وهكذا ثبت ابن خلدون نفسه في المجتمع القاهري وأثار إعجابه، وتمكن من الاتصال بالسلطان الظاهر برقوق، الذي كان وُلِّي على مصر قبل وصوله بأيام قلائل.

أكرم السلطان ابن خلدون وأحسن مثواه: «فأبرَّ مقامي، وآنس الغربة، ووفر الجراية من صدقاته شأنه مع أهل العلم». بذلك كسب ابن خلدون ما تمناه من الاستقرار والعيش في ظل حاكم يؤمِّن له مصدر رزقه. وما لبث حتى عُيِّن في التدريس بالمدرسة القمحية، وهي من مدارس المالكية، وألقى ابن خلدون في يومه الأول خطابًا بليغًا أمام نخبة من الأكابر والعلماء المرسلين من قِبَل السلطان شهودًا، تحدث في الخطبة عن دور العلماء في شد أزر الدولة الإسلامية وعن فضل مصر في نصرة الإسلام. ووصف ابن خلدون ذلك المنظر في درسه الأول: «وانفض ذلك المجلس وقد شيعتني العيون بالإجلال والوقار».

أواخر جمادى الآخرة سنة 786هـ / 1384م عُيِّن ابن خلدون قاضيًا للمالكية، وفي هذا إشارة إلى تبوئه مكانة عالية، فهذا المنصب من أرفع مناصب القضاء في الدولة، وبه أيضًا ابتدأ الاستقرار، الذي نشده ابن خلدون منذ وصوله إلى مصر، بالاضمحلال، وكثرت الخلافات حوله، فخُلِع من المنصب أكثر من مرة، ووُصف بسخرية. «وأقمت على الاشتغال بالعلم وتدريسه، إلى أن سخط السلطان قاضي المالكية يومئذ في نزعة من النزاعات الملوكية، فعزله واستدعاني للولاية في مجلسه وبين أمرائه».

بشكل عام فإن ولاية ابن خلدون للقضاء لم تكن حدثًا عاديًا؛ فمنصب القضاء، وحتى مناصب التدريس، كانت غاية الفقهاء والعلماء المحليين، ويصعب عليهم استحسان شغلها من قِبَل أجنبي عنهم، لذلك كثر على ابن خلدون الحُسَّاد والطامعون. واستمر التوتر المفروض عليه بينه وبين وجهاء الدولة حتى قُطِعت الرابطة بينهم، وتكاثرت المصائب عليه عندما فُجِع بزوجته وولده وماله، حيث حلت بهم عاصفة في البحر أثناء قدومهم إلى مصر بعدما أذن لهم سلطان تونس.

ويروي لنا صعوبة الفاجعة عليه: «ووافق ذلك مصابي بالأهل والولد، وصلوا من المغرب في السفينة، فأصابها قاصف من الريح، فغرقت، وذهب الموجود والسكن والمولود، فعظم المصاب والجزع، ورجح الزهد، واعتزمت على الخروج من المنصب».

عُزِل ابن خلدون من منصب قاضي المالكية في السابع من جمادى الأولى سنة 787هـ / 1385م، وانصرف للتدريس والعلم بالمدرسة القمحية، ثم ما لبث أن عُيِّن مدرسًا للفقه المالكي في المدرسة الجديدة التي أنشأها السلطان في حي بين القصرين، وسُمِّيَت المدرسة الظاهرية البرقوقية، وبقي كذلك إلى أوان موسم الحج عام 789هـ، فأذن له السلطان بالسفر، ودخل مكة في الثاني من ذي الحجة وأدى الفريضة.

وعاد إلى القاهرة قاصدًا السلطان، فغمره بكرمه، وعينه للتدريس بمدرسة كان اسمها صرغمتش بدل المدرسة القديمة. وقد حدثنا ابن خلدون عن درسه الأول إذ تكلم عن الإمام مالك وحياته ونشأته وكيفية انتشار مذهبه: «وانفض ذلك المجلس وقد لاحظتني بالإجلال والوقار العيون، واستشعرت أهليتي للمناصب القلوب، وأخلص النجا في ذلك الخاصة والجمهور».

بعدها عمل ابن خلدون في مشيخة نظارة خانقاه بيبرس، وتوسعت موارده وزاد نفوذه، لكن الاستقرار لم يدم في مصر، فما لبثت الفتن أن بدأت، وتحركت الجيوش، وتبدلت الممالك. وقد ذكر ابن خلدون هذه الفتن وشرح أسبابها بعد أن كان شاهدًا عليها، فتحدث عن نشوء الدول وانهيارها، وقد أثرت هذه الأحداث عليه، فخُلِع من منصبه ثم أُعيد إليه بعد عودة الظاهر برقوق للعرش.

وقد توفى ابن خلدون بعد قرابة ربع قرن من مكوثه بالقاهرة، عن عمر يناهز ستة وسبعين عامًا، في 26 رمضان سنة 808هـ / 1406م. أما مثواه الأخير، فيقول السخاوي إنه دُفن بمقابر الصوفية خارج باب النصر، ويقول المقريزي إن هذه القبور كانت تقع بين طائفة من الترب والمدافن، وقد شيدها الأمراء في القرن الثامن للهجرة خارج باب النصر باتجاه العباسية، وهي مقبرة شيدها متصوفة الخانقاهات، ودُفن بها ابن خلدون لكونه شيخًا لخانقاه بيبرس.

رحمه الله رحمة واسعة، فقد أسدى للفكر الإنساني خدمة بليغة ومهمة جعلت لغات العالم كلها تعرف ما تركه من كتب ومؤلفات، وأصبح علامة تاريخية مهمة ليس في مصر وحدها، ولا العالم العربي، ولا الأمة الإسلامية، ولكن في العالم الذي كان قائمًا في ذلك الزمان البعيد.

الاكثر قراءة