ما بين التجاهل والمبالغة، خسرنا التقييم الموضوعي لإسهامات العلماء المسلمين في الحركة العلمية العالمية، خاصة في مجالات الاكتشافات الجغرافية والاكتشافات البحرية الجغرافية.
في 8 يوليو 1497 انطلق فاسكو دي جاما بسفنه من لشبونة بمملكة البرتغال عبر طريق رأس الرجاء الصالح وصولًا إلى كينيا. لم يكن دي جاما هو مكتشف طريق رأس الرجاء الصالح، ولكن البرتغالي بارثلميو دياز (1450–1500) سنة 1488، فهو أول من اكتشف الساحل الجنوبي لإفريقيا ودخل المحيط الهندي قبل أن يقفل عائدًا أدراجه.
هكذا مرّت السفن البرتغالية بالساحل الغربي للقارة الإفريقية ثم جنوبها، قبل أن تبدأ في دخول الساحل الشرقي لإفريقيا الواقع في المحيط الهندي، وفي أبريل 1498 وصل دي جاما إلى سواحل كينيا، حيث تسلّم من سلطان ماليندي الهدية التي سوف تقلب تاريخ البحرية الأوروبية رأسًا على عقب، المرشد الغامض الرهيب في أول رحلة بحرية يقدم عليها العالم الغربي في أعماق المحيط الهندي.
لم يكن هذا المرشد الغامض سوى العالم المسلم الجليل، أسد البحار ومعلم بحر الهند، شهاب الدين أحمد بن ماجد، أو كما نعرفه بـ«ابن ماجد».
وُلد أحمد بن ماجد بن محمد بن عمر عام 1418 في جلفار التابعة لمملكة هرمز وقتذاك، تاريخًا هي إقليم عُمان، ويُنسب ابن ماجد إلى الشعب العُماني، ملاح وقبطان وربان بحري أبًا عن جد، ولكنه ترجم خبراته إلى علم وكتب، فأصبح مؤسس علم الملاحة العربية والملاحة البحرية، ووضع أول خرائط معترف بها تاريخيًّا ودوليًّا لبحار المحيط الهندي – بحر الهند كما كان يُطلق عليه وقتذاك – والبحر الأحمر، وخليج بربرا – خليج عدن الآن – وخليج ملقا وصولًا إلى بحر الصين الجنوبي، مرورًا بما نعرفه اليوم بالقرن الإفريقي والخليج العربي ومضيق موزمبيق وبحر العرب وبحر عُمان ومضيق هرمز.
كانت كافة تلك المسطحات المائية غير معروفة للغرب، الذي لم يستطع يومًا أن يذهب إلى الشرق الأقصى أو القارة الآسيوية بحريًّا، بل كان يقطع المسافة برّيًّا من أوروبا الشرقية إلى غرب آسيا وآسيا الوسطى، وصولًا إلى أصقاع روسيا والصين، دون أن يدرك وجود شبه جزيرة الهند (الهند وباكستان وبنجلاديش ونيبال والمالديف وبوتان وسريلانكا) وجزر الهند الشرقية (إندونيسيا وتيمور الشرقية والفلبين) من الأساس.
أطلق البرتغاليون على ابن ماجد لقب «الأدميرال» أو «الأميرال» بالنطق الأوروبي، وهي الرتبة العسكرية الأعلى في الجيوش البحرية حتى اليوم، وما إن انضم الأدميرال ابن ماجد للحملة البرتغالية البحرية حتى حققت ما لم تحققه أيٌّ من الحملات البحرية الأوروبية من قبل من اكتشافات هي الأولى في تاريخ الغرب. ففي 20 مايو 1498 وصلت السفن البرتغالية إلى سواحل الهند لتسجل أول وصول أوروبي مباشر للهند عبر البحر، ويبدأ صراع دولي على موارد الهند والسيطرة عليها منذ فجر هذا التاريخ، وخسر العرب والمسلمون والهنود تجارتهم المستقرة في شبه القارة الهندية.
أُطلق على فاسكو دي جاما مكتشف الهند، بينما هو فقط استخدم طرقًا بحرية كانت معروفة للعرب والمسلمين. أطلق دي جاما الطلقة الأولى في ماراثون الاستعمار الأوروبي لدول المحيط الهندي، وبدأ الاستعمار البحري.
مشاركة ابن ماجد في الحملة البرتغالية ظلت محل تحقيق تاريخي حتى اليوم، واتفق المؤرخون العرب والغرب على نفي هذه المشاركة، كلٌّ له أسبابه؛ فمن ناحية سعى العرب إلى نفي فكرة أن ابن ماجد هو من دلّ الاستعمار البرتغالي على سواحل شرق إفريقيا والجزيرة العربية وبلاد فارس والهند، بينما الغرب تقبل هذا النفي بصدر رحب ونسب المنجز كاملًا إلى رجالاته.
والحاصل أن ابن ماجد كان مختطَفًا، يبلغ من العمر ثمانين عامًا حينما صعد إلى سفن فاسكو دي جاما، مُجبَرًا على الإدلاء بما لديه من علوم ومعلومات حتى ينجو بحياته، وقد توفي حزنًا وقهرًا على خرائطه وعلومه التي ذهبت للمستعمر الأوروبي عقب عامين فحسب من نهاية الحملة البرتغالية، حيث انتهت عام 1498، بينما توفي ابن ماجد عام 1501.
طوّر ابن ماجد البوصلة البحرية، ووضع عددًا من المؤلفات أصبحت كتيبات إرشاد في عالم الملاحة البحرية، وحتى يحقق هذا المنجز لم يكن عالمًا في مجال الملاحة فحسب، ولكن في علوم الفلك والجغرافيا أيضًا.
لم تكن حملة دي جاما ذات غرض علمي، بل استعماري بحت، وكما فعل كولومبوس في القارة الأمريكية فإن دي جاما كان يرى في رحلته حملة صليبية جديدة، وكانت سفن رحلته ترفع رايات الصليب على نفس شاكلة الحملات الصليبية، ما أسعد البابا إسكندر السادس الذي بارك هذه الرحلة وقت انطلاقها عام 1497.
وفي طريقه ارتكب العديد من المذابح بحق الدول المسلمة على السواحل الإفريقية، سواء قصف إحدى دول موزمبيق بالمدافع، أو إغراق سفن الحجاج المسلمين في بحر عُمان، أو التجار المسلمين بالمحيط الهندي، كما نزلت قواته إلى البر لجمع المعلومات في بعض الحالات، وفي جزيرة كيلوا ذات الأغلبية المسلمة هدم دي جاما ثلاثمائة مسجد، وعلّق على رحلته بالقول: «الآن طوقنا المسلمين ولم يبقَ إلا أن نشد الخيط».
قام دي جاما بحملة بحرية صليبية ثانية عبر طريق رأس الرجاء الصالح عام 1502، وفي كل مرة كان يقوم بقصف المدن الساحلية المسلمة في جنوب وجنوب شرق القارة الإفريقية بالمدافع، ويقرصن سفن الحجاج، ويقوم بإحراقها، ويترك ركاب سفن الحجاج يصارعون المياه والنيران لمدة أربعة أيام متواصلة، كما جرى في بعض الحالات.
أول خريطة شاملة للعالم
وإذا ما تركنا المحيط الهندي وذهبنا إلى غرب البحر المتوسط، نجد الشريف الإدريسي أول من وضع خريطة شاملة دقيقة للعالم في القرن الثاني عشر.
وُلد محمد بن محمد بن عبد الله بن إدريس بمدينة سبتة المغربية عام 1100، جده هو إدريس بن عبد الله، مؤسس الدولة الإدريسية بالمغرب، كما أنه من نسل علي بن حمود، مؤسس الدولة الحمودية، وهي إحدى إمارات الطوائف التي حكمت منطقة مالقة بالأندلس، وبعد سقوطها انتقل أجداده إلى سبتة واستقروا بها.
برع في علوم الجغرافيا والفلك والهندسة والرياضيات والطب والنباتات والأدب والشعر، رحالة من العيار الثقيل، استقر في قرطبة بعد أن أمضى سنواته الأولى في المغرب، ثم زار فرنسا وإنجلترا والأندلس وصقلية ومصر والشام وآسيا الوسطى.
سمع الملك روجر الثاني، ملك صقلية، عن علم الشريف الإدريسي، فدعاه إلى المملكة وعينه مستشارًا له. هكذا الغرب منذ مئات السنين يدرك قيمة العقول، وبدلًا من أن نرى الشريف الإدريسي عالمًا في بلاط سلطان في بلاد المغرب أو الأندلس، قدم خيرة علمه إلى مملكة صقلية أو إيطاليا الجنوبية كما يُنظر لها جغرافيًّا.
كلّف روجر الثاني الشريف الإدريسي بوضع كتاب للتاريخ عن مملكة صقلية، إضافة إلى وضع صقلية جغرافيًّا وموقعها وما حولها، مما كان نواة لمشروع الشريف الإدريسي لوضع أول وأدق خريطة للعالم في ذلك العصر.
أمضى الإدريسي خمسة عشر عامًا في جمع المعلومات الجغرافية، معتمدًا على شهادات الرحالة والرسل الذين أرسلهم الملك روجر الثاني إلى مختلف بقاع العالم، إضافة إلى مراجعة كتب الجغرافيين القدامى من اليونان مثل بطليموس، ومؤلفات المسلمين أمثال اليعقوبي والأصطخري والمسعودي وابن حوقل والعذري وغيرهم، فكان يقارن المعلومات ويحققها بدقة.
تفرغ بعدها لتأليف كتابه «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق»، الذي كان بمثابة تفسير وشرح لخريطة العالم الجديدة، وقد انتهى منه عام 1154، وهو أول كتاب عربي في غير علوم الدين طُبع بأوروبا عام 1592 بروما في مطابع المديتشي المشهورة.
توفي روجر الثاني عام 1154، وخلفه ويليم الأول، وجدد اختيار الشريف الإدريسي مستشارًا له، ولكن جرت اضطرابات سياسية في صقلية جعلت الشريف الإدريسي يقرر مغادرة الأراضي الإيطالية والعودة إلى سبتة المغربية، حيث رحل عن عالمنا عام 1165.
المسلمون واكتشاف أمريكا
تُعد قضية اكتشاف المسلمين للقارة الأمريكية من عدمه من أكثر القضايا الجغرافية التي لعب فيها التقليل والتهويل دورًا كبيرًا في إهدار فرصة خوض مناقشة علمية وعقلانية حول هذه الفرضية.
وإذا كان يُنسب إلى كولومبوس باعتباره مكتشف أمريكا، فإن الغرب والعلم أثبتا أن هذا غير صحيح، وأن هناك حالتين على الأقل مثبتتين في التاريخ لوصول البشر إلى أمريكا من خارج القارة الأمريكية. الأولى على يد قبائل الفايكنج، وتحديدًا على يد «ليف إريكسون» (970–1020)، حيث ينتسب إلى آيسلندا، وهو ابن «إريك الأحمر» مؤسس أول مستوطنة للفايكنج في جزيرة جرينلاند، وفي القرن العاشر وصل ليف إريكسون إلى شمال كندا الحالية وأطلق على المنطقة التي سيطر عليها لقب فينلاند (Vinland).
وبالفعل، في منطقة نيوفاوندلاند (Newfoundland) في كندا تم العثور على آثار مستعمرة للفايكنج تثبت هذا الوجود، وأن ليف إريكسون وصل إلى أمريكا قبل كولومبوس بخمسمائة عام.
وهذا يثبت حقيقة أن كولومبوس ليس أول من اكتشف أمريكا، ولكنه أول من استعمر أمريكا، والفارق ضخم، تمامًا كما فعل فاسكو دي جاما مع الهند؛ إذ قبل كولومبوس وصل الفايكنج.
والحادثة الثانية المؤكدة هي أساطيل البحار الصيني «تشنغ خه»، وهو أدميرال من إمبراطورية الصين إبان عهد سلالة مينغ.
الأدميرال «تشنغ خه» أو «تشنغ هو»، مستشار أباطرة الصين، يوصف بأنه أعظم أدميرال وبحار في تاريخ الصين، انتسب إلى قومية «خُوَي» المسلمة، والتي تعد أهم قومية مسلمة في تاريخ الصين، وله جذور موثقة لـ«تتار أوزبكستان»، وُلد وعاش ومات مسلمًا، وعرفه العرب والفرس والترك والتتار باسمه الحقيقي «حجي محمود شمس الدين» (1371–1435).
قام بسبع رحلات بحرية صينية جابت العالم أجمع، ووصلت إلى أمريكا الشمالية عبر المحيط الهادئ، ولكن عقب وفاته دُمِّرت آثار رحلاته لأسباب سياسية لا تمت بدينه أو عرقه بصلة، ولكن لخلافات داخل الأسرة الإمبراطورية الصينية وقتذاك، فظلت بعض المناطق التي وصل إليها مجرد عناوين في هوامش كتب التاريخ دون تفاصيل كافية.
عادةً كان هؤلاء الذين يصلون إلى القارة الأمريكية لا يبقون بها لبعد المسافة، ونظرًا لأنهم ينتمون إلى دول بها ثراء في الثروات الطبيعية فلا حاجة للغزو، كما أنهم دول لا توجد ثقافة الغزو والاستعمار الممنهج في ثقافتها.
عرف المسلمون المحيط الأطلسي باسم «بحر الظلمات»، المحيط الذي يفصل العالم القديم عن القارة الأمريكية، وكان المسلمون يحكمون الناصية الغربية للقارة الأوروبية عبر الأندلس، والقارة الإفريقية عبر المغرب وممالك المسلمين في غرب إفريقيا.
*
أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي (896–956)، يُشار إليه أحيانًا بـ«هيرودوت العرب»، هو أول من دمج علم التاريخ بعلم الجغرافيا، وُلد في العراق ومات في مصر، وهو سليل الصحابي عبد الله بن مسعود، وهو عالم غزير الإنتاج، وشهد له الغرب قبل الشرق بالأمانة والخبرة والدقة، جاب العالم برًّا وبحرًا من الصين والهند وسريلانكا وصولًا إلى فارس والقوقاز وبيزنطة والعالم الإسلامي، وهو أول من أشار إلى أن بحر قزوين منفصل عن البحر الأسود خلافًا لما كان سائدًا في عصره.
في كتابه «مروج الذهب» أشار المسعودي إلى أن البحارة الأندلسيين عبروا بحر الظلمات وعادوا بأخبار أرض مأهولة خلف المحيط الأطلسي، وأن أول من فعلها وأكثرهم حنكة هو البحار الأندلسي خشخاش بن سعيد، وذلك في القرن التاسع.
لم يكن المسعودي هو الوحيد من العلماء المسلمين الذي أشار إلى القارة الأمريكية في كتاباته، فالشريف الإدريسي في كتابه «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق» أشار تحديدًا إلى قيام سبعة بحارة أندلسيين من لشبونة، المدينة البرتغالية التي كانت وقتذاك تحت حكم المسلمين، إذ إن الأندلس ليست إسبانيا فحسب، بل شبه جزيرة أيبيريا متضمنة إسبانيا والبرتغال وجنوب فرنسا، وأبحر السبعة من لشبونة الأندلسية في بحر الظلمات، وتعرضوا للأسر في اليابسة المواجهة قبل أن يستطيعوا التحرر من الأسر والعودة مرة أخرى.
والمفاجئ أن ابن خلدون في مقدمته الشهيرة أشار أيضًا إلى عبور البحارة لبحر الظلمات ووجود عمران وراء البحر.
وبالتالي يمكن القول إن أمريكا كانت حقيقة جغرافية وبحرية بالنسبة للعرب والمسلمين، وحتى بالنسبة لبعض شعوب العالم مثل الفايكنج والصين، ولكنها كانت أرضًا بعيدة، وبالنسبة لهؤلاء فقيرة، فلم يهتموا بالبقاء فيها أو السيطرة عليها أو التجارة معها.
وحينما انهارت الأندلس على يد الإسبان والبرتغاليين، وأصبح البشر والحجر تحت أيديهم، كان أسهل شيء هو محو أي حقيقة عن أمريكا في حضارة الأندلس ونسب القارة الأمريكية إليهم، حتى يسهل الادعاء الديني بأحقية الملكية والاستعمار، فقد مارسوا الإبادة الثقافية والعرقية بحق المسلمين واليهود بلا رحمة، وأعادوا هيكلة المنطقة برمتها ديموغرافيًّا وتاريخيًّا وثقافيًّا ودينيًّا ولغويًّا.