السبت 7 فبراير 2026

مقالات

هداية الفن.. من البطل إلى المؤلف

  • 7-2-2026 | 10:44
طباعة

يمثل كتاب المؤرخ والفيلسوف الفرنسي رينيه جيرار «هداية الفن» خيطًا ناظمًا لعددٍ من الأدباء والأعمال التي تحفر عميقًا في الذاكرة الإبداعية.

هذا الكتاب، الذي ترجمه المصطفى صباني، من أهمِّ الكتب التي ألَّفها جيرار، وفيه يتعرَّض إلى علاقة الفن بحياة الفنَّان، وكيف أنَّه يتحوَّل في فترةٍ ما إلى نوعٍ من الانتماء الذي يحمل قداسةً في روح الفنَّان أو في روح من هو مهووس بالفن.
في الكتاب تطرُّقٌ إلى تجارب أدبية وفكرية كثيرة، من بينها نيتشه وكافكا وشوبنهاور والكثير من الفلاسفة الآخرين. ويستنتج المؤرخ الفرنسي أن ثمة عملًا مركزيًا يُضمر الهداية من بين مختلف روايات كل كاتب درسه في كتابه؛ نعثر عليها في «الأحمر والأسود» من بين كل روايات ستندال، وفي «مدام بوفاري» من بين كل أعمال فلوبير، وفي «الجريمة والعقاب» من بين روايات دوستويفسكي. وفيها جميعًا عثر مؤلف الكتاب على المنظور المزدوج الذي سبق له مصادفته عند مارسيل بروست، وتأتي فيه الهداية في المنظور الثاني لتصحح خطايا المنظور الأول، الذي هو دائمًا شكلٌ من أشكال الضلال (ص 302-303).
دور الفن
يستكشف رينيه جيرار في هذا العمل دور الفن في كشف الحقيقة الإنسانية، خاصة فيما يتعلق بنظريته حول الرغبة المحاكاتية والعنف. يجادل جيرار بأن الأدب والفن العظيمين يمتلكان قدرة فريدة على فضح الآليات الخفية للعنف الاجتماعي التي تسعى الأساطير إلى إخفائها. يرى المؤلف أن الفن ليس مجرد محاكاة للواقع، بل هو «هداية» تقودنا نحو فهم أعمق لطبيعتنا. إنه كتاب يضع الفن في قلب الأنثروبولوجيا الفلسفية ويقدِّم قراءة جذرية لوظيفته المعرفية والأخلاقية.
يجمع العمل ثماني مقالات، امتدت كتابتها من بداية خمسينيات القرن العشرين، وانتهت في أواخر ثمانينيات القرن الماضي. المقالات الخمس الأولى هي كتابات مرحلة الشباب بالنسبة للمؤلف، وهي تشهد على إثارة قضايا شغلته وموضع اهتمامه لحظة مغادرته أوروبا والأوساط ما بعد السريالية التي كان يتردد عليها. صار حينها شغوفًا بإبداعات سان جون بيرس وأندريه مالرو، وكان كل ما كتبه عنهما ضروريًا لتخليد اسم رينيه جيرار بعد مماته. وكانت تلك المقالات التي تناول فيها هذين المبدعين مناسبةً سانحةً للحديث عن معنى التاريخ الغائب عن الفن والشعر الحديث.
وفي باقي المقالات الأخرى، اتبع جيرار نفس السياق الفكري الذي بناه لتاريخ الرواية، الذي كان يشرف على الانتهاء منه؛ ذلك التاريخ الذي لن يكون بالنسبة إليه غير تاريخ الرغبة، غير أن فرضية المحاكاة لم تكن بعد حاضرة في دراسته لهذين المبدعين؛ إذ لم تظهر إلا في تناوله للأنا الخالص، البارزة في أعمال بول فاليري، لكنه سرعان ما تخلى عن دراسة هذا المؤلف مفضلًا تناول أعمال ستندال.
الكذبة الرومانسية
وقد ظهرت فرضية المحاكاة بجلاء عام 1961، في أول كتاب للمؤلف الفرنسي بعنوان «الكذبة الرومانسية والحقيقة الروائية» (ترجمه د. رضوان ظاظا، وصدر عن المنظمة العربية للترجمة عام 2016). وفي أعوام تكوينه في الولايات المتحدة، فإن الانشغال بقضية «الوهم النرجسي» كان حاسمًا في توجيه مقالات جيرار نحو نقد وهم الشعور بالاستقلال الذاتي، ذلك النقد الذي واصل تعميقه لاحقًا في مقالاته عن فرويد ومارسيل بروست عام 1978، ثم في مقالاته عن نيتشه وفاغنر عام 1986. وهذه الدراسات الأخيرة شملها هذا الكتاب بعد عرض الدراسات الأولى، وقبل عرض مقالة له بندوة عن ريتشارد فاغنر قدَّمها عام 1983 بمركز البحث الإبستمولوجي بالمدرسة المتعددة التقنيات. ومجموع هذا العمل ينتهي بتحويل شريط مصور (بعنوان «معنى التاريخ») إلى نص مكتوب، وهو عبارة عن حوار أجراه معي بونوا شانتر، آثرت فيه الحديث عن عدد معين من مفكري وفناني القرن التاسع عشر والقرن العشرين.
يقول جيرار إنه للشاعر سان جون بيرس يعود الفضل في تذوقه طعم التاريخ، حتى وإن كان فكره المسكون بالعالم الأخروي قد جعل ارتباطه بالتاريخ يتسم بالمفارقة. وإذا كان المؤرخ لا ينير الماضي إلا على ضوء الحاضر وتغطيه، «ذلك أن ظل الماضي يطول القصيدة»، كما أمكن لجيرار كتابة ذلك عن شعره. ويضيف: «لكنني الآن أقول بأن التصور التاريخي الخاطئ الذي أشاعته النزعة الوضعية هو الذي كان يسحب ظله على دراستي، وكان عليَّ أن أبرز مدى أهمية العامل الديني ولزومه في قراءة الأدب وتحليله، ضد كل النزعات التي تُنكر عليه دوره وأهميته؛ ذلك أني عانيتُ افتتانَ بيرس بعوالم غريبة استقاها من كل مكان، كان معلومًا أو مجهولًا، تجتاح بشكلٍ دائم ومستمر خطابه؛ إذ كل ما يلمسه يستضيء بنور مقدس العصور القديمة أو بمقدس غير خاضع لتقاسيم الزمن» (ص 12).
في المقالة الأولى التي تحمل عنوان «التاريخ في عمل سان جون بيرس»، يقول المؤرخ والفيلسوف الفرنسي جيرار إنه بتلوين إبداعه الشعري ومزجه بالتاريخ، فإن كل النقاد لاحظوا طُرق سان جون بيرس لمجال يمقته الشعر منذ زمن بعيد. فهل ثمة ما هو أفقر ـ رغم ما يبدو عليه التاريخ حقيقةً من غنى ـ بل والمثير حتى لمزيدٍ من الريبة، غير المعطى التاريخي في عيون الشعراء المعاصرين الذين لا يُبدون غير الازدراء تجاه كل ما ينافي الإلهام، بازدراء ما جنحت إليه قريحة الشاعر عندما قال في «قصر المرايا المغلق يُخصب مشكاة وحيدة»، أو أنهم، على العكس من ذلك، يبحثون عما يثير إعجابهم بالانكباب على كل ما يفلت من قبضة الوعي ويظل بعيدًا عن الإدراك؟ أيجب علينا إذن أن نندهش عندما نرى بول فاليري وأندريه بروتون، هذين النجمين وقد خمدت حدة صدامهما وصارا على وفاق للإشادة بمزايا مؤلف غير مبالٍ بفن الأول الشعري ولا بشعارات الثاني؟
الأكيد أن جميع الشعراء لم يرحبوا ببيرس، والبعض منهم، كما يذكّر بذلك دنيس دو رجمون، يشك في أن يحتوي شعره على «متعة خالصة» قادرة على «استغراق مدة أطول». ولا يكتب بيرس قصائد تاريخية، ولا يقحم التاريخ في نظمه ليشكّل موضوعًا، أي لا يتخذ من حدث تاريخي محدد مناسبة لكتابة أشعاره، غير أن ديوانه الأول «أناباز» يبدو استثناءً؛ ذلك أنه، وعلى ما يظهر، يحيل بكامله على ماضٍ بعيد (ص 46-47).
يعيد الشاعر الحياة مفعمة بالحرية للفضاء غير الإنساني الذي يخلقه المؤرخ، والمرونة التي يعلو بها عن حواجز من المتعذر اجتيازها توحي لنا بامتلاكه لقوى إلهية، وعلى وجود ميثاق ضمني يجمعه بنوع من القوى المطلقة تقف خلف القصيدة (ص 66).
مالرو.. والأسلوب الكوني
في المقالة الثانية التي تحمل عنوان «الإنسان والكون في روايتي مالرو: «الأمل» و«أشجار جوز مدينة ألتنبورغ»»، يقول رينيه جيرار إن مالرو يستعمل باستمرار كل تقنيات «أسلوبه الكوني» التي سبق له أن أثارها من قبل. ففي الجزء الأخير من رواية «الأمل»، تقوم الدبابة بنفس الدور الذي قامت به الطائرة، غير أنها لم يعد لها بسلاح الحرب أية علاقة، بل غدت مجرد أداة في يد القدر ووسيلة للنقل خارج حدود العالم الحاضر: «رغم ما تثيره الجنازير من ضجيج، عاد الصمت حينها ليسود عندما غادرت الدبابات الإسفلت. وبما أن المدفع تحرر من وحل الرمال، والطائرة أقلعت، عُدنا لنهنأ بأعضاء جسمنا التي استرخت وهي في وئام مع نفسها تحت ضوء القمر، بعدما كانت عضلاتنا مشدودة نتيجة اهتزازات المدرعة وبفعل الضربات الموجعة للسمع التي لا تتوقف، تلك التي يُحدثها صرير الجنازير على الإسفلت» (ص 84).
وبذلك فليس غير «عضلات» الإنسان هي التي تتواءم مع الطبيعة، وليست لإرادته في تغيير العالم أية علاقة تدعوه لخلق توافق مع عالم الطبيعة. إلا أن مالرو لم يتخلَّ عن إيجاد المعنى العميق للمغامرة الإنسانية، وقد أوضح ذلك في مقدمة الطبعة الفرنسية الخاصة بالرواية.
وتحت عنوان «فاليري وستندال»، يقول جيرار في المقالة الثالثة التي ضمها الكتاب إن المقدمة التي خص بها بول فاليري رواية «لوسيان لوين»، وتناول فيها كامل أعمال ستندال، مقدمة حافلة بالكثير من المعطيات التي لا يمكن استكناه مضامينها في حدود قراءة واحدة، بل تتطلب على الأقل ثلاث قراءات (ص 87). في القراءة الأولى تُقدِّم لنا صورة عن ستندال يصعب الشك في حقيقة ما تكشف عنها من أسرار بسطها الكاتب بنفسه في سيرته «هنري رولار». وفي القراءة الثانية نلتقي بشخصية بول فاليري التي عهدناه دائمًا، وهي تصحب دراستها لأعمال ستندال بانتقاء الموضوعات المحببة لرؤيتها؛ إذ خلف ما يُبديه الدارس من وضوح وموضوعية، نلتقط صدى نبرة مغايرة، لاذعة وحادة، توقظ فضولنا للبحث من جديد بعدما كنا مخدرين بوهم الاكتفاء بما قُدِّم لنا. والقراءة الثالثة مطلوب إنجازها إذا كنا نريد مناقشة علاقة ستندال بفاليري بطريقة إشكالية. وكل ما أثارته هذه القراءة الأخيرة من أفكار، عمل جيرار على تجميعها في المقالة التي وردت في كتابه «هداية الفن» (ص 88).
في مقالته الرابعة «إلى أين تمضي الرواية؟» يرى الفيلسوف والمؤرخ الفرنسي جيرار أنه، كما يبدو ظاهرًا لدى بعض الكُتَّاب، فإنه ببلوغهم نقطة حاسمة في مسار تطور أسلوبهم، نجد أن عليهم أن يطمروا إما صفة الروائي التي كانوا يتصفون بها، أو يدفنوا صفة الكاتب التي صاروا يتحلون بها، مثلما نحّى الروائي أنطوان دو سانت أكزوبيري كل أعماله الروائية السابقة، ولم ينشغل تفكيره إلا بمقالاته الشعرية المدونة باسم «القلعة». وكما اختار مالرو أن يتخلص من صفة الروائي التي طبعت مساره الإبداعي، واتجه صوب الفن في كتابه «أصوات الصمت»، على الرغم من عدم وجود قطيعة بين الرواية والمقالة التي حلت محلها، ذلك أن رؤية الكاتب ظلت على حالها رغم الاختلاف النوعي بين الجنسين (ص 115).
ويقول رينيه جيرار في المقالة الخامسة «مأساوية النزعة الإنسانية لأندريه مالرو» إن مالرو يتقاسم مع بعض معاصريه ومع بعض كُتَّاب الجيل الذي سبقه مسؤولية الهوس بمفهوم «الأسطورة»؛ إذ لم يعمل أبدًا على تعريفه بوضوح، بالرغم من أنه، وعلى ما يظهر، قد ميّز بينه وبين الرأي الذي هو نقيضه. ولذلك علينا أن نخشى من الوقوع في سوء فهم الأساطير التي تعج بها أعماله، كما نخشى أن تهمل الدراسات النقدية المستقبلية الاختلاف الذي أقامه بين الأسطورة والرأي (ص 134).
بروست وأسطورة النرجسية
ويرى الفيلسوف الفرنسي في المقالة السادسة المعنونة «بروست وأسطورة النرجسية» أنه حينما يتحدَّث مارسيل بروست مباشرة عن سيكولوجية الرغبة، بدل أن ينسج الحديث عنها إبداعيًا في عمله الروائي، فإن حديثه يُصنَّف ضمن الخطاب الأيديولوجي النرجسي أو الفرداني الشائع وقتها بين مثقفي عصره وفنانيه. وقد كتب أن الناس يحبون أنفسهم في المقام الأول، ولا يعشقون إلا ذواتهم في سعيهم نحو تحصيل موضوع رغبتهم؛ ذلك أنهم يطبعون الموضوع المرغوب بطابع الغرابة والجمال حتى يُسقطوا إشعاعه على أنفسهم (ص 157-158).
ويستنتج جيرار أن رؤية بروست تعطي لنصوص فرويد، على الأقل، نفس المفتاح المميز الذي يتفاخر به التحليل النفسي لولوج العمل الأدبي دون أن يتمكن من ذلك. وبناءً على ذلك، وبعد القراءات الفرويدية الكثيرة لبروست، يمكن أن نقلب المواقع ونقترح القيام بقراءة بروستية لفرويد. وقد يُتهم هذا الرأي بالجموح، لكن جيرار يرى أن بإمكاننا أن نثبت بأن «البحث عن الزمن المفقود» ليس هو العمل الأدبي الوحيد الذي بإمكانه أن يبسط أمامنا الطريق لننطلق في نقد النرجسية؛ إذ يمكن الحصول على نتائج مشابهة للتي حصلنا عليها من أعمال بروست بالانكباب على أعمال سيرفانتس وشكسبير ودوستويفسكي، وكذلك الاستشهاد بأعمال الروائية فرجينيا وولف التي عاصرت فرويد وبروست (ص 190).
يبقى القول إن كتاب «هداية الفن»، بقضاياه وموضوعاته وأفكاره المتعمقة، يمنح القارئ فرصة ثمينة للاطلاع على زوايا معالجة أدبية غير مطروقة، تستحق التأمل والتفكير.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة