نظمت الأمانة العامة لجامعة الدول العربية النسخة الثانية من مؤتمر "السلام والتنمية في الإطار العربي والإفريقي"، وذلك بالتعاون مع مؤسسة التضامن المصري العربي ومركز شاف للدراسات المستقبلية وتحليل الأزمات والصراعات، وبرئاسة السفير محمد العرابي عضو مجلس الشيوخ عضو البرلمان العربي ورئيس مركز شاف للدراسات، وبحضور الوزير مفوض نوال برادة مدير إدارة مؤسسات المجتمع المدني بالجامعة العربية، ومشاركة السفيرة أنجلينا أيخهورست رئيسة بعثة الاتحاد الأوروبي لدى مصر و جامعة الدول العربية، فضلا عن خبراء ومتخصصين في الشأنين العربي والإفريقي.
وتناول المؤتمر القضايا والأزمات والمخاطر والتحديات الجسام التي تواجه منطقة القرن الإفريقي بمفهوم جيوسياسي يخرج القرن الإفريقي من دائرته الجغرافية المغلقة إلى دائرة أوسع وأشمل.
وناقش المؤتمر قضايا منطقة الشرق الأوسط وأبرزها القضية الفلسطينية، والصراع العربي الإسرائيلي ارتباطاً بما يثار عن الشرق الأوسط الجديد، ومنطقة الخليج حيث الصراع الإيراني الأمريكي الأوروبى المتقاطع مع إسرائيل ومن مكوناته الملف النووى الإيراني، وحتمية ربطه بشرق أوسط خال من أسلحة الدمار الشامل .
وقال العرابي، في كلمته الافتتاحية للمؤتمر، إن المنطقة تموج بقضايا وأزمات من أبرزها الأزمة السودانية والأوضاع في الصومال والأوضاع في اليمن، بل وتحديات ومخاطر تواجه كل منهما، وذلك من جراء تكالب قوى إقليمية ودولية على المنطقة.
واضاف أن هذا التكالب له مبرراته وأسبابه وأهدافه ومراميه في أطر تتأسس على مصالح استراتيجية لتلك القوى ذات بعد أمني و سياسي واقتصادي ولوجيستي بممرات ومضايق وموانىء ذات أهمية عسكرية واقتصادية في إطار صراع على السلطة والثروة والهيمنة والنفوذ.
وتابع: "ربطا بما تقدم وبرؤية استراتيجية يعد البحر الأحمر بموقعه بحيرة عربية إفريقية بل وقلب البحار والمحيطات في العالم القديم (أوروبا أسيا إفريقيا)، ومن ثم الارتباط الوثيق بين أطر الأمن القومي المصري، والأمن الإقليمي العربي والإفريقي والمتوسطي".
وتابع: "وفي هذا الصدد تتداعى للأذهان قضايا الأمن المائي سواء المرتبطة بمياه البحر الأحمر، حيث متطلبات الأمن والاستقرار لحركة الملاحة البحرية في بحر مليء بالقواعد العسكرية الثابتة والمتحركة، أو المرتبطة بمياه النيل كرافد للحياة والوجود والتنمية لدول وشعوب متشاطئة عليه، لتشار قضايا الأمن الغذائي والأمن المائي وأمن الطاقة".
من جهتها.. أكدت نوال برادة أهمية تعزيز الشراكة بين الحكومات العربية ومؤسسات المجتمع المدني لدعم جهود السلام والتنمية في الفضاء العربي-الإفريقي، مشددة على أن أمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي يمثل عمقًا استراتيجيًا للأمن القومي العربي، وليس مجرد نطاق جغرافي.
وأشادت برادة بجهود منظمي المؤتمر، وعلى رأسهم مركز شاف للدراسات وتحليل الأزمات والصراعات ومؤسسة التضامن المصري والعربي للتنمية الاجتماعية، في إطلاق منصة حوار تهدف إلى بحث آفاق التعاون وتعزيز فرص السلام والتنمية المستدامة من خلال رؤية قائمة على شراكة استراتيجية عربية-إفريقية.
وأكدت أن انعقاد المؤتمر بمبادرة من القطاع المدني يعكس حرصًا متزايدًا على بناء شراكة مسؤولة بين الحكومات ومؤسسات المجتمع المدني، مشيرة إلى أن العلاقات بين العمل الرسمي والعمل الأهلي في الدول العربية والإفريقية تشكلت تاريخيًا في إطار تكاملي، حيث لعبت النقابات والروابط الثقافية والاتحادات المهنية والجمعيات الأهلية دورًا مهمًا في بناء الثقة وتوسيع دوائر التواصل.
كما أوضحت أن آليات الشراكة بين جامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي أولت اهتمامًا متزايدًا بتكثيف الحضور الأهلي، انطلاقًا من قناعة بأهمية الدور الشعبي في تمتين الجسور وتعزيز الفهم المشترك للقضايا الرئيسية وتقليص فجوات المعرفة بين الجانبين.
وفي سياق متصل، أبرزت أهمية جلسات النقاش في المؤتمر لإثراء الأفكار المتعلقة بتعزيز حضور منظمات المجتمع المدني والعمل التطوعي عبر منصة مشتركة تنقل المبادرات من الطابع المتفرق إلى مسار مؤسسي متراكم.
وأشارت إلى أن علاقة المجتمع المدني العربي بدول القرن الإفريقي يمكن تناولها من خلال مسارين متكاملين؛ الأول مسار المناصرة، الذي يركز على رفع الوعي بأهمية الشراكة وإبراز المصالح المشتركة وصياغة سردية إيجابية للعلاقات عبر إنتاج المعرفة وتنظيم الحوارات وبناء الثقة بين الفاعلين الأهليين، بما يفتح المجال لشراكات أكثر استدامة بعيدًا عن منطق المساعدات أحادية الاتجاه.
وتابعت: "أما المسار الثاني، فيتمثل في التدخلات التنموية والإنسانية الميدانية، خاصة في مجالات التعليم والمياه والصحة، في ظل ما تواجهه العديد من الدول العربية ودول القرن الإفريقي من فجوات تعليمية مرتبطة بالفقر والنزوح وضعف فرص الوصول إلى الخدمات الأساسية، وهو ما يجعل مبادرات دعم التعليم الأساسي والتدريب المهني وتمكين الفتيات وتأهيل الكوادر التعليمية ذات أثر مباشر في تحقيق الاستقرار الاجتماعي".
وأكدت أن فعالية هذه التدخلات تتضاعف عندما تُبنى بالشراكة مع المجتمعات المحلية والسلطات والفاعلين الأهليين لضمان استدامة الخدمات، لافتة إلى أن التكنولوجيا تمثل أداة مهمة لتعزيز العمل المدني من خلال منصات تنسيق مشتركة وخرائط احتياجات وأنظمة متابعة رقمية وبرامج تدريب عن بعد وحملات مناصرة عابرة للحدود، بما يسرّع تبادل الخبرات والموارد ويدعم فرص التمويل.
وأعربت عن ثقتها في أن نقاشات المؤتمر تمثل خطوة مهمة لاستثمار الفرص التي يتيحها التاريخ المشترك والقرب الجغرافي بين الدول العربية والإفريقية بصورة مؤسسية، مشيرة إلى ما تتمتع به دول مثل السودان والصومال وجيبوتي من خصوصية استراتيجية باعتبارها جزءًا من المنظومتين العربية والإفريقية، ما يؤهلها للقيام بدور جسر للتواصل وتراكم الخبرات في دعم الشراكات.
وشددت على أنه لا يمكن الحديث عن السلام في المنطقة دون التوقف عند المصدر الرئيسي لعدم الاستقرار، والمتمثل في استمرار الاحتلال الإسرائيلي والعدوان على قطاع غزة، وما ترتب عليه من تداعيات امتدت إلى جنوب البحر الأحمر، مؤكدة أن تجاهل الحقوق الفلسطينية يمثل وقودًا أساسيًا لتأجيج التوترات الإقليمية، في إشارة إلى سياسات إسرائيل في الأراضي الفلسطينية.