وجه الرئيس النيجيري انتقادات لاذعة لمنظومة "التصنيف الائتماني العالمي"، مؤكداً أنها تضر بمصالح قارة أفريقيا وتكبدها مبالغ طائلة تضطر بلدان القارة إلى سدادها جراء ما يعرف بـ"علاوة أفريقيا"، منادياً بإلغاء تلك الأعباء، والعمل على تأسيس "وكالة تصنيف إئتماني أفريقية" خالصة.
وقال الرئيس النيجيري، بولا تينوبو، في مقال نشرته صحيفة "فاينانشيال تايمز" إن أفريقيا "تحتاج إلى وكالة تصنيف خاصة بها"، مشدداً على أنه "ينبغي ألا يعتمد حصول حكومات أفريقيا على التمويل، وكيفية الحصول عليه، على تقديرات خارجية".
ولفت إلى أنه لم يعد بالإمكان تجاهل الدعوات المطالبة بإنهاء "علاوة أفريقيا"- أي الفجوة بين تقييم أفريقيا وواقع اقتصاداتها، مؤكداً أن قارة أفريقيا "تدفع مبالغ طائلة مقابل الاقتراض"، بسبب تلك العمولات والتقييمات المغلوطة.
وقال الرئيس النيجيري في مقالته "إن وكالات التصنيف الائتماني العالمية الثلاث المهيمنة، ’فيتش’ و’موديز’ و’ستاندرد آند بورز’، تتمتع بنفوذ هائل على قدرة أفريقيا على الوصول إلى رؤوس الأموال الدولية. كما تؤثر أحكامها على سلوك المستثمرين، ومع ذلك، فإنها تُخطئ باستمرار في تقدير المخاطر الأفريقية".
وبرهن على ذلك التناقض قائلاً "إن ثلاث دول أفريقية فقط مصنفة ضمن فئة الاستثمار، على الرغم من توقعات صندوق النقد الدولي بأن تكون القارة أسرع مناطق العالم نمواً هذا العام".
ولفت إلى أن "أفريقيا تُنشئ الآن وكالة تصنيف ائتماني خاصة بها؛ وهو إجراء تصحيحي ضروري".
وتابع "المنتقدون يزعمون أن أفريقيا تريد تقييم نفسها بنفسها. وتوحي الأدلة بعكس ذلك: فتقرير ’برنامج الأمم المتحدة الإنمائي’ لعام 2023 يشير إلى أن "الاختلافات" في التصنيفات الائتمانية تُكلف أفريقيا 75 مليار دولار سنوياً في صورة فوائد زائدة وقروض ضائعة".
ومن شأن وكالة تصنيف ائتماني أفريقية أن تعالج أكبر نقاط ضعف وكالات التصنيف الثلاث الكبرى: محدودية تواجدها الميداني. ففي نماذجها، تُوازن البيانات الكمية مع الأحكام الذاتية بشأن المخاطر السياسية، وقوة المؤسسات، واستدامة السياسات. أما كيفية التوصل إلى هذه الأحكام، ومدى أهميتها، فيُترك لتقدير المحللين المبهم. وتفشل الاستنتاجات المستخلصة من بعيد في استيعاب الواقع المحلي، على حد تأكيد الرئيس النيجيري.
ويواصل الرئيس تينوبو انتقاداته لتقارير وكالات التصنيف العالمية قائلاً "الاعتماد على هذه الأحكام يعني أن دورات السوق العالمية تطغى على الأسس الاقتصادية للدول. فالعديد من دول القارة الأفريقية تعتمد اقتصاداتها على التصدير، وتحديداً على السلع الأساسية. وعندما تنخفض الأسعار أو تشتد المنافسة في الأسواق، تُخفّض التصنيفات الائتمانية للدول الأفريقية بسرعة وعلى نطاق واسع، حتى وإن كانت احتياطياتها قوية، وهامشها المالي سليماً، ومستويات ديونها قابلة للإدارة. عندها تصبح هذه التخفيضات نبوءة تتحقق ذاتياً، مما يرفع تكاليف الاقتراض ويُرهق المالية العامة" للدول الأفريقية.
ويستدرك قائلاً "لكن وكالة تصنيف ائتماني أفريقية لن تكون كافية بمفردها. يجب أن تكسب الوكالة ثقة رأس المال العالمي من خلال تقييمات تستند إلى بيانات شاملة وفي الوقت المناسب، وهي البيانات التي تستجيب لها الأسواق الدولية".
واستشهد بتجربة بلاده في هذا السياق، مؤكداً أن البيانات المحسنة جزئياً ساهمت في التحسينات الأخيرة التي شهدتها نيجيريا، وذلك من خلال تحسين دقة الإحصاءات الاقتصادية وشموليتها، وإدراج قروض البنك المركزي التي كانت خارج الميزانية العمومية في سجل الدين العام الرسمي، وإعادة حساب الناتج المحلي الإجمالي ليعكس الواقع الاقتصادي بدقة أكبر، ونشر المزيد من وثائق الميزانية لتعزيز الشفافية المالية".
وتابع قائلاً إن "ما تبقى من هذه التحسينات يعكس خيارات سياسية حاسمة، مثل إلغاء دعم الوقود غير الضروري، وتحرير سعر الصرف. وقد ساهم النمو غير النفطي في تنويع الاقتصاد، حيث انفصلت قيمة النيرة، لأول مرة، عن أسعار النفط الخام العالمية".
ويرى الرئيس تينوبو أنه برغم التحسينات "لا تزال تصنيفات نيجيريا الائتمانية متأخرة عن الإصلاحات ومعنويات السوق.. فقد شهدت سنداتنا المقومة بالدولار لشهر نوفمبر إقبالاً كبيراً، حيث تجاوزت طلبات الاكتتاب 5.5 مرات. وتُعدّ التعديلات التصاعدية البطيئة أمراً شائعاً في جميع أنحاء أفريقيا، لا سيما عند مقارنتها بسرعة خفض التصنيفات. وتتحمل الدول الأصغر حجماً، التي تفتقر إلى حجم نيجيريا وتغطية المحللين، العبء الأكبر من هذا التأخير".
وحول أهمية إنشاء وكالة تصنيف ائتماني على مستوى القارة، أكد الرئيس النيجيري أنها ستساهم "ي رصد زخم الإصلاحات في الوقت الفعلي. إذ تُكلّف التحديثات المتأخرة أموالاً طائلة: لا تستطيع الدول الأفريقية تحمُل الانتظار سنوات للوصول إلى الأسواق بعد تنفيذ إصلاحات جذرية. يجب على هذه الدول الاعتماد على نفسها، لا سيما في أعقاب خفض المساعدات. ولكن ينبغي أن يكون ذلك في ظل تكافؤ الفرص".
وعن توقعاته لفرص نجاح تأسيس وكالة تصنيف أفريقية خالصة، قال الرئيس النيجيري، بولا أحمد تينوبو، "ندرك أن رأس المال العالمي سيظل يعتمد على الوكالات القائمة للتحقق من صحة المعلومات. مع ذلك، إذا استطاعت وكالة أفريقية رصد التقدم مبكراً، ثم تأكيده لاحقاً من قبل الدول الثلاث الكبرى، فإنها ستكتسب مصداقية، وستكون بمنزلة إشارة مبكرة للأسواق وتلك الوكالات على حد سواء".
وأكد تينوبو في مقاله المنشور في صحيفة "فاينانشيال تايمز" أن الوكالة الأفريقية "ليست بديلاً، بل مكملاً. سيُحدّد توفير الائتمان بأسعار معقولة ما إذا كانت أفريقيا ستصبح محرك النمو الذي يُبشّر به ازدهارها الديموجرافي".
وبحلول منتصف القرن، ستُمثّل القارة ربع سكان العالم في سن العمل. إن نجاح أفريقيا ليس شأناً إقليمياً، بل "فرصة عالمية"، على حد وصفه.