قال الدكتور الشحات العزازي، من علماء الأزهر الشريف، إننا نعيش مع ثلة مباركة تربت على يد أصحاب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، تلك الأجيال التي أخذت الخيرية من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم»، موضحًا أن من المشهور عند العلماء والتابعين رضي الله عنهم أن أويس بن عامر القرني يُعد من سادة التابعين، وأن الترضي يكون على الصحابة بنص القرآن الكريم: «رضي الله عنهم ورضوا عنه»، أما من بعدهم من أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فيقال رضي الله عنهم من باب الدعاء والبشارة الحسنة، سائلًا الله أن يرضى عنا جميعًا وأن نلقاه وهو راضٍ عنا.
وأوضح خلال حلقة برنامج "مع التابعين"، المذاع على قناة الناس اليوم السبت، أن من أعلام التابعين الكبار سعيد بن المسيب رضي الله عنه وأرضاه، الذي زكّاه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وكان عالمًا بالقرآن الكريم وبسنة الحبيب صلى الله عليه وسلم، وقد روى عن جمع كبير من الصحابة منهم عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم، ولم يدرك أبا بكر الصديق لأنه وُلد بعد سنتين من خلافة عمر رضي الله عنه، كما لزم أبا هريرة رضي الله عنه ملازمةً طويلة، وهو ما يعلّمنا أن من وجد عالمًا يستطيع أن يفهم منه ويقترب منه في اللغة والمكان فعليه أن يصحبه بصدق، لأن العلم يحتاج إلى صبر ومداومة واستمرارية وجهد وأدب حتى تتكون الحصيلة العلمية والثقافية.
وأشار إلى أن سعيد بن المسيب رضي الله عنه حفظ القرآن الكريم وسمع سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وجلس إلى أكابر الصحابة وفقهاء المدينة المنورة، وكان حافظًا لا يمر عليه شيء إلا استوعبه، وهو ما يرسخ قيمة التفرغ والانقطاع للعلم، فمَن تفرغ لشيء أتقنه، بخلاف من يشتت نفسه في موضوعات كثيرة فلا يدرك واحدة منها إدراكًا تامًا، وقد كانت ملازمته لأبي هريرة سببًا في محبته له حتى زوجه ابنته، فاجتمع له العلم والمصاهرة في بيت علم وصلاح، مما زاد من فضائله ومكانته.
وأضاف أن من عجيب عبادته رضي الله عنه أنه كان ملازمًا لمسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يقول عن نفسه: ما فاتتني صلاة الجماعة منذ أربعين سنة، وذكروا أنه مكث أربعين سنة في الصف الأول لا يرى قفا رجل أمامه، لأنه كان يحرص على الصف الأول دائمًا، بل قيل إن الأذان كان يؤذن وهو في المسجد ثلاثين عامًا، في دلالة على صلته القوية بالله تعالى وحرصه الشديد على الطاعة، في وقت قد يعجز فيه البعض عن الاستمرار أيامًا معدودة على هذا الالتزام.
وبيّن أن من دروس حياته العظيمة حسن الاختيار في الزواج والحرص على الدين، فقد جاءه من يخطب ابنته من أصحاب الجاه والسلطان فاعتذر بلطف، لا استنقاصًا لهم، وإنما خوفًا على دين ابنته من فتنة الدنيا والقصور والجاه، ثم زوّجها من تلميذه الصالح الفقير أبي وداعة لما علم صلاحه وتقواه، ليعلمنا أن الحرص على نصيب الإنسان من الله مقدم على كل شيء، وأن أول ما يُطلب للأبناء عند الزواج هو الدين والخلق، امتثالًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه»، وقوله: «تنكح المرأة لأربع… فاظفر بذات الدين تربت يداك»، داعيًا الله أن يرضى عن سادات التابعين وأن يرزقنا حسن التأسي بهم في العلم والعبادة والخلق، وأن يحشرنا في معية سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام.