الإمام الدكتور عبد الحليم محمود شيخ الأزهر الشريف في الفترة من عام 1973 وحتى وفاته في عام 1978 عن 68 عامًا، وهو صاحب الأحوال والمقامات والإنجازات والمؤلفات القيِّمة التي وصل عددها إلى أكثر من 70 كتابًا، تتنوع بين الفلسفة الإسلامية، ورؤية الإسلام للغرب، وأعلام التصوف، بالإضافة إلى عدة كتب أخرى تضم أهم الفتاوى التي صدرت عنه، وعدة كتب ترجمها بنفسه، اختتمها بكتاب صغير بعنوان «وربك الغفور ذو الرحمة». وللإمام مواقف عدة مع الرئيس السادات، ربما أبرزها المنام الذي رأى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم يعبر قناة السويس، ومعه مجموعة من العلماء ورجال القوات المسلحة يحملون راية مكتوبًا عليها «الله أكبر»، ذلك المنام الذي استبشر به السادات خيرًا لقدومه قبيل المعركة الحاسمة بقليل، فكان النصر المبين. وكان له موقف آخر مشرِّف عندما رفض ما روَّج له البعض من النية لتعديل قانون الأحوال الشخصية لتقييد الطلاق وتجريم تعدد الزوجات.
للإمام كتاب مهم جدًا أرى أنه يمكن أن يُستخدَم في مواجهة الإلحاد في أي وقت وأي مكان بعنوان «الإسلام والعقل»، صدرت طبعته الأولى عام 1966، أي قبل ستين عامًا من اليوم، في وقت كانت الأفكار الوجودية وعبادة العقل على أشدها في العالم كله. وفيه يتحدث بعقل رزين وقلب رقيق وبأسلوب سلس ومحبب إلى النفس، ليس بالأسلوب المنفِّر أو الذي يستفز من يولِّي ظهره للدين كما يفعل البعض. وقد قدَّم أيضًا أعلام التصوف بأسلوب شيق، فهو يكتب بقلبه فتصل كلماته إلى القلب مباشرة، منها كتاب «الإمام الرباني الزاهد عبد الله بن المبارك»، و«زين العابدين»، و«الفضيل بن عياض»، و«الحارث المحاسبي»، وكتاب «غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية». ولقد كنت سعيد الحظ أن استمعت إلى مواقف مرَّ بها عدد من المعارف والأقارب مع الشيخ، حكايات تمتلئ بالنقاء والصفاء والكشف.
الإمام يقدم التصوف الحق، ويوضح الفرق بين التصوف والزهد، وهو فرق في غاية الأهمية، ويوضح أيضًا الفرق بين المقامات والأحوال، كما يحلل ـ ولأول مرة ـ العلاقة الثلاثية بين العقل والقلب والنقل، وكيفية تأثيرهم على الإنسان، ولمن يجب أن تكون الغَلَبة في كل موقف من المواقف المختلفة. وبالرغم من الطيبة والتسامح والروحانيات المتدفقة في حديثه وكتاباته، إلا أنه أثبت أنه لا يخاف في الله لومة لائم، ولديه مواقف قوية وحاسمة عندما كانت الأمور تستدعي ذلك، مثل موقفه من تعديل قانون الأحوال الشخصية السابق الإشارة إليه في صدر هذا المقال.
عودة إلى كتاب «الإسلام والعقل»، والذي يقول الإمام في مقدمته: «وما أظن أنني فرحت في يوم من الأيام بظهور كتاب لي بمقدار ما فرحت حين ظهر هذا الكتاب في طبعته الأولى، وذلك أنه يعبر عن منهجي الخاص في حياتي الفكرية: منهج الاتباع، وأنا أسير في هذا المنهج تبعًا لتوجيهات القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وهو كتاب أتقرب به إلى الله سبحانه، وأرجوه سبحانه أن يهدي له وأن يهدي به».
ثم يستطرد في مقدمة الطبعة الأولى بالإشارة إلى أن كل من يدرس تاريخ الفكر البشري يلاحظ أن المسائل العقلية البحتة التي طُرحت للبحث في العصور القديمة هي نفس المسائل التي طُرحت للبحث في العصور الوسطى، وهي نفس المسائل التي تُطرح للبحث الآن، وأن القدماء قد حاولوا، كما حاول المحدثون، الوصول إلى مقياس فيصل للتفرقة بين الحق والباطل، بداية من أرسطو والكندي والفارابي وابن سينا والغزالي وابن باجة وابن طفيل وابن رشد وآخرين، وأن الاختلافات بينهم في الآراء كانت جذرية، بل وهدم بعضها البعض الآخر.
ثم يشير الإمام إلى أن العقل المجرَّد يكون مناسبًا تمامًا للأمور العلمية البحتة التي تقوم عليها الحضارة المادية، من الإبرة إلى الصاروخ، ومن وابور الغاز إلى البوتاجاز على حد تعبيره، أما في تاريخ الفكر البشري فإن العقل بمفرده يقف عاجزًا في أمور العقائد والأخلاق، وهو ما يبرر قيام المولى عز وجل بإرسال الرسل والكتب السماوية لتقوم بإضاءة الطريق إلى العقل ومساندته ومساعدته في الوصول إلى الحقيقة، وهو اختلاف جوهري بين من يعتمد على العقل فقط، ومن يعتمد على النقل فقط، وهو الصراع الذي رأيناه ونراه وسنراه في المستقبل أيضًا. وللأسف نجد أن أغلب مشكلاتنا وأسباب تأخرنا قد تعود إلى عدم فض الاشتباك بينهما، مثلما فعل الإمام في كتابه.
الكتاب مقسم إلى قسمين رئيسيين: القسم الأول تحت عنوان «في الفلسفة»، والقسم الثاني تحت عنوان «في علم الكلام». ولقد راودتني نفسي على تلخيص الكتاب والاكتفاء بذلك في هذا المقال، ثم لم ألبث أن تراجعت عن هذا في اللحظات الأخيرة، مكتفيًا بالإشارة إلى وجود مثل تلك التحفة المسطورة في كتاب صغير لا يتعدى عدد صفحاته مئتين وثمانٍ وثلاثين صفحة من القطع الصغير. أرى أنه من الواجب على كل إنسان أن يقرأه قراءة متأنية واعية ومنفتحة، وخاصة أن عنوان الفصل الأول من القسم الأول يوضح ويبين الفكرة الرئيسية التي يدور حولها الكتاب، ألا وهي أن «القرآن هادٍ للعقل». فهو يشير إلى أن من يحتكم إلى العقل ويعليه فوق كل الاعتبارات، وكيف يصل بهم هذا الاعتقاد إلى أن العقل هو القائد وليس الدين، وهو إن كان صحيحًا، فإنه لا حاجة إلى الوحي كما سبق الإشارة، ولكن المعنى أن الكثير من الأمور لا يمكن للعقل الإلمام بها على الإطلاق، خاصة الأمور الغيبية، وهي ما لا يمكن الوصول إليها إلا من خلال هذا الوحي. ثم يستمر الكتاب في توضيح الفرق بين العقل والوحي، ومناطق التماس والاتفاق أو الاختلاف والشطط، حتى يصل في نهاية الكتاب إلى بيان هذا الفرق بصورة واضحة، كما يوضح الفرق بين ما يسمونه الحضارة الحديثة وما يُطلق عليه آراء السابقين التي يضعونها موضع التقديس، ويبين خطورة تلك الآراء والأفكار، مما يعيدنا إلى التأكيد أن القرآن هادٍ للعقل وليس مقيِّدًا له أو متقيدًا به.
للدكتور عبد الحليم محمود كتاب آخر بعنوان «الحمد لله هذه حياتي»، ومن عنوان الكتاب يتضح مدى الرضا عن تلك الحياة، والامتنان والحمد للمولى عز وجل على كل ما مر به فيها. جاءته فكرة الكتاب أثناء تحليقه بطائرة متجهة إلى الهند في أواخر عام 1975، حيث يقول في مقدمة الكتاب: «الطائرة تسبح في فضاء الله الواسع، وأنا منغمس بخيالي في لطائف الحمد لله، وفي إمداد الله تعالى لي بالنعم، وبينما أنا في هذا الاستغراق لمع في ذهني خاطر: أليس من شكر الله تعالى ـ على ما أنعم ـ أن أعترف في كتاب بفضله ونعمه؟ وأن أضمن هذا الكتاب خلاصة ما هداني الله تعالى إليه من آراء بثثتها في مختلف الكتب والمقالات والمحاضرات؟ إن تاريخ كل إنسان مليء بالفوائد، قد تكون حوادث حدثت أو آراء قيلت، إنها ماديات ومعنويات».
يبدأ الكتاب بالفصل الأول «عن الحمد» وعن «ربع قرن من حياتي تلميذًا»، ثم يتطرق في الفصل الثاني إلى «البيئة والنشأة»، فيصف نفسه بأنه كان متوسطًا في الصفات الجسمانية، وفي الذكاء والعقل والاتزان، وأنه قد رأى من هم أذكى منه، ولكنه يعود فيحمد الله على هذا، ويرى فيه نتيجتين يحمد الله عليهما. فيقول عن النتيجة الأولى: «إنني كنت في عجز يكاد يكون تامًا عن الفهم ـ في الوقت المناسب ـ لما كان يُدبَّر لي من مكر ومن مكائد، ولما كان يحيط بي أحيانًا من جو مشحون بالخبث والدهاء. إن بعض الناس يسعده أن يُسيء إلى الآخرين، وأسباب ذلك تتعدد وتختلف: منها الحسد، ومنها ضعة النفس؛ إن لَضعة نفسه يحب أن ينزل بالآخرين ـ أخلاقيًا ـ حتى يكونوا في مستواه من الضعة». ثم يربط بين هذه المواقف وبين موقف إبليس مع سيدنا آدم من حيث الوسوسة والإفساد؛ فمعصية إبليس كانت حسدًا وكبرياءً وضعة.
أما النتيجة الثانية فيذكرها قائلًا: «وهي نتيجة أوحت بها آثار النتيجة الأولى، فهي إنني، وقد اشمأزت نفسي من الذين أقاموا حياتهم على المؤامرات والمكر، لم ألجأ إليها ولم أحاول أن أقترب منها. إنني أعترف ـ صادقًا ـ إنني لم أُدبِّر تدبير مكر في حياتي، ولم أُدبِّر تدبيرًا سريًا ضد أي كائن، ولقد كنت واضحًا دائمًا، وإذا أردت أمرًا فعلته مكشوفًا لا سرَّ فيه».
يتحدث فيما يلي عن ميلاده في عزبة أبو أحمد ـ جد والده ـ التي تغيَّر اسمها إلى قرية السلام التابعة لمركز بلبيس بمحافظة الشرقية، ويتحدث أيضًا عن أسرته، وكيف أنها كانت ميسورة، ليست واسعة الثراء ولم تكن فقيرة، وكيف أن والده كان نجم الأسرة اللامع ذا رأي سديد، يلجأ إليه الناس ويحتكمون إليه في أمورهم وقضاياهم؛ فهو من النسل الحسيني، درس في الأزهر، وحضر كبار الأساتذة، ومن بينهم الشيخ محمد عبده، وكان حديثه عن هؤلاء الأساتذة هو ما حبَّب الشيخ في الأزهر.
يتحدث عن الكُتَّاب، وكيف أتم فيه حفظ القرآن، ثم المدرسة الأولية، ثم انتقاله إلى الالتحاق بالأزهر، حيث بدأ الدراسة في مسجد إبراهيم أغا، وفي الفصل الثالث يتحدث بالتفصيل عن فترة الدراسة وزواجه المبكر في سن تخطَّى الثالثة عشرة عامًا بقليل، ثم يعود إلى مشاهد من أيام الدراسة، منها خروج الأزهر عن بكرة أبيه لاستقبال الزعيم سعد زغلول عند عودته من المنفى، ثم انتقاله إلى معهد الزقازيق التابع للأزهر في أول يوم لافتتاحه، ليبدأ فيه السنة الثالثة من سنوات الدراسة. ثم يتحدث عن بدء اتصاله بالصحافة، وتأثير مقالات أمين الرافعي والشيخ محمد شاكر، ثم تعرُّفه فيما بعد على ما أطلق عليه «صحف تابعة وملحدة ومأجورة»، ومن ثم يتطرق إلى حرية الصحافة وحدودها. يتحدث أيضًا عن تقدمه من الخارج، بعد إتمامه السنة الأولى الثانوية، لامتحان الشهادة الثانوية الأزهرية، وكيف أن الجميع رسبوا إلا واحدًا كان هو الطالب عبد الحليم محمود، وهو ما سمح له بالانتقال إلى القسم العالي بالأزهر، حيث تتلمذ على يد عديد من الشخصيات اللامعة مثل الشيخ محمود شلتوت، والشيخ حامد محيسن، والشيخ سليمان نوار، والإمام الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي، والإمام الأكبر الشيخ مصطفى عبد الرازق، حيث تعرَّف على علم الكلام وعلوم الفلسفة، وتأكد من أنه لا تعارض بين الدين والعلم، وتعرَّف على الجمعيات الدينية وكتابات محمد فريد وجدي وجورجي زيدان. ومن الأزهر، وبعد التخرج، انتقل إلى فرنسا، حيث مكث فيها ست سنوات للدراسة على نفقته الخاصة، وحصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة الإسلامية عن التصوف الإسلامي عند الحارث المحاسبي.
ينتقل في كتابه بعد ذلك إلى وقائع تعرفه على الشيخ عبد الواحد يحيى، أو رينيه جينو الفرنسي، الذي اعتنق الإسلام وسكن في شارع نوال بالدقي، وكان ينتمي إلى المدرسة الشاذلية، ثم ينهي الجزء الأول بالمعارك الكبرى التي خاضها في مقاومة الغزو الفكري في العقائد ونظم المجتمعات وفي التشريع.
أما في كتابه «قضية التصوف… المنقذ من الضلال»، والذي يستعرض فيه لمحات عن التصوف والحياة، وتفصيل التصوف لفظًا وتعريفًا وطريقًا ومصادره ونشأته، ثم ينتقل إلى بيان التصوف وعلاقته بالشريعة، وعلاقته أيضًا بالمعرفة والشك، وصولًا إلى التصوف في العصر الحديث، ثم يستعرض تصوف الإمام الغزالي، ويختتم الكتاب بعرض تجربته الخاصة في العزلة والخلوة.
يحدثنا الشيخ عبد الحليم محمود عن التجربة الخاصة التي مر بها قائلًا:
«في فترة من الفترات ابتُليت بموضوع شقَّ على نفسي، وعلى نفس المحيطين بي، واستمر الابتلاء فترة كنا نلجأ فيها إلى الله، طالبين الفرج، وذات يوم أتى عندي بعض الصالحين، وكان على علم بهذا الابتلاء، وأعطاني ورقة كُتِبَت فيها صيغة من صيغ الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: اقرأها، واستغرق فيها وكرِّرها منفردًا بالليل؛ لعل الله يجعلها سببًا في تفريج هذا البلاء؛ فاعتكفت في غرفة بعد صلاة العشاء، وأضأت نور الغرفة، وأمسكت الورقة بيدي، وأخذت في تكرار الصيغة، واستغرقت فيها، وإذ بي أرى فجأة أن الحروف التي كُتِبَت بها الصيغة مضيئة تتلألأ نورًا، ومع أن الغرفة كانت مضيئة، فإن الحروف كانت تتلألأ نورًا وسط هذا النور، ولم أصدق عيني، فوضعت الورقة أمامي، ووضعت يدي على عيني أدلكهما وأدعكهما، ثم فتحت عيني، فإذا بالحروف على ما هي عليه، تتلألأ نورًا وتشع سناءً، فحمدت الله، وعلمت أن أبواب الرحمة قد فُتِحَت، وأن هذا النور رمز لذلك، وفعلاً أزال الله الكرب، وحقق الفرج بكرامة هذه الصيغة المباركة».
تلك الصيغة التي عُرِفَت فيما بعد بالصيغة النورانية للعارف بالله الإمام عبد الحليم محمود، ونصها:
«اللهم صلِّ صلاة جلال، وسلِّم سلام جمال، على حضرة حبيبك سيدنا محمد، وأغشه اللهم بنورك كما غشيته سحابة التجليات، فنظر إلى وجهك الكريم، وبحقيقة الحقائق كلَّم مولاه العظيم، الذي أعاذه من كل سوء… اللهم فرِّج كربنا كما وعدت: ﴿أمَّن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء﴾، وعلى آله وصحبه أجمعين».