السبت 7 مارس 2026

مقالات

مقاربة استقرائية لتلازمية العقل والنقل.. في دراسات بنت الشاطئ القرآنية


  • 7-3-2026 | 11:03

أ.د. محمد عبد السلام كامل أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة عين شمس

طباعة
  • أ.د. محمد عبد السلام كامل

تهدف هذه المقاربة إلى استقراء تلازمية العقل والنقل في كتابات الدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ) [1912–1998م] في مجال الدراسات القرآنية، على تنوع اتجاهاتها الهدائية والأدبية والعلمية. هذه التلازمية التي امتزجت عناصرها في الخط العام الذي ارتسمته بنت الشاطئ لنفسها، من خلال المنهج القائم على التحليل والتركيب الذي يشيع في معالجاتها واستنتاجاتها.

لقد أكدت بنت الشاطئ على تلازمية العقل والنقل في قولها: إن الخطأ الأساسي هو القول بأن الدين مقابل العقل، والإيمان مقابل العلم، وكأنهما نقيضان لا يمكن أن يجتمعا في الإنسان... وذلك ما ترفضه العقيدة الإسلامية التي حسمت الخصومة بين الدين والعقل؛ إذ هما عنصران جوهريان في الإنسان، يتلازمان ولا يتناقضان.
وتعتمد بنية هذه المقاربة على القراءة الجادة لغالب دراسات بنت الشاطئ القرآنية، التي تجعلنا نشهد العلاقة التفاعلية بين العقل والنقل في الاتجاهات المعاصرة في التفسير.
 ففي الاتجاه الهدائي في التفسير ارتسخت عند بنت الشاطئ هذه العلاقة بين العقل والنقل من خلال ما كتبت عن الإنسان الذي تمثله، وعن النظرية القرآنية في خطاب الإنسان وإعداده في هذه الحياة؛ فملامح التشكيل القرآني لشخصية المسلم، التي تُظهر العلاقة التفاعلية بين صحيح المنقول وصريح المعقول، نجدها واضحة في دراساتها التي تحمل عناوين: (مقال في الإنسان: دراسة قرآنية)، و*(الشخصية الإسلامية: دراسة قرآنية)، و(القرآن وقضايا الإنسان)*، وقد نجحت بنت الشاطئ في إبراز هذه التفاعلية الإيجابية إلى حد كبير، وهي تؤسس لمفهوم مفاده أن القرآن رسالة إلهية للإنسان، ترشده إلى الطريق المستقيم فيما يعتقد ويؤمن، وفيما يفكر ويتصور، وفيما يسير ويسلك، وهو كتاب هداية للبشرية في كل زمان ومكان.
 وفي الاتجاه الأدبي في التفسير، الذي أبدعت فيه بنت الشاطئ بفضل حسها اللغوي الراقي، وتذوقها الأدبي الصافي، ووثيق علاقتها بالتراث اللغوي والأدبي، ما جعلها تتبنى وتدعو لهذا الاتجاه في معظم – إن لم يكن في كل – كتبها المتعلقة بالدراسات القرآنية، تأتي دراساتها في (التفسير البياني للقرآن الكريم) بجزأيه الأول والثاني، وفي (الإعجاز البياني للقرآن ومسائل ابن الأزرق)؛ لتؤكد على تلازمية العقل والنقل، وعلى دور العقل والنظر السليم في فهم أسرار التعبير القرآني، وأن المفسر مطالب بأن يُعِدَّ لمقصده عدته من فهم مفردات القرآن وأساليبه فهمًا يقوم على الدرس المنهجي الاستقرائي، ولمح أسراره في التعبير.
 وفي الاتجاه العلمي في التفسير برزت تلازمية العقل والنقل عند بنت الشاطئ عندما أصّلت لمفهوم مفاده أن الدين الصحيح والعلم الصحيح أخوان متحابان، وأن تهمة التعادي الظالمة بين الدين والعلم قد نشأت في مجتمعات غير إسلامية، بيد أنها اعترضت بشدة على التفسير العلمي الذي يعمل على تحميل الآيات فوق ما تحتمله دلالتها، وشنت حربًا ضروسًا على من ينهج هذا النهج، وتصدت لهم، وأخرجت كتابيها (القرآن والتفسير العصري) و*(قراءة في وثائق البهائية)*.
وتقتضي طبيعة هذه المقاربة أن تكون في ثلاثة محاور، على النحو الآتي:
المحور الأول: مقاربة استقرائية لتلازمية العقل والنقل عند بنت الشاطئ في الاتجاه الهدائي في التفسير.
المحور الثاني: مقاربة استقرائية لتلازمية العقل والنقل عند بنت الشاطئ في الاتجاه الأدبي في التفسير.
المحور الثالث: مقاربة استقرائية لتلازمية العقل والنقل عند بنت الشاطئ في الاتجاه العلمي في التفسير.
المحور الأول: مقاربة استقرائية لتلازمية العقل والنقل عند بنت الشاطئ في الاتجاه الهدائي في التفسير
1-1
ارتسخت العلاقة بين العقل والنقل عند بنت الشاطئ في دراساتها القرآنية عن الإنسان، والشخصية الإسلامية، وعن النظرية القرآنية في خطاب الإنسان وإعداده في هذه الحياة؛ فملامح التشكيل القرآني لشخصية المسلم، التي تُظهر العلاقة التفاعلية بين صحيح المنقول وصريح المعقول، نجدها واضحة في دراساتها التي تحمل عناوين: (مقال في الإنسان: دراسة قرآنية)، و*(الشخصية الإسلامية: دراسة قرآنية)، و(القرآن وقضايا الإنسان)*، وإن جاء الأخير – في الغالب – جامعًا لكتابيها الأولين، فلم تزد فيه إلا نُتَفًا يسيرة تتعلق بالإيمان والعلم.
والمتتبع لما كتبته بنت الشاطئ في هذا الاتجاه الهدائي التوجيهي للإنسان في شتى مناحي الحياة يجد أنها نجحت إلى حد كبير في إبراز هذه التفاعلية الإيجابية بين المنقول والمعقول، وهي تؤسس لمفهوم مفاده أن القرآن رسالة إلهية للإنسان، ترشده إلى الطريق المستقيم فيما يعتقد ويؤمن، وفيما يفكر ويتصور، وفيما يسير ويسلك، وهو كتاب هداية للبشرية في كل زمان ومكان.
ولبيان هذه التفاعلية ستعرض هذه المقاربة الاستقرائية بشيء من التفصيل لبعض ما جاء في مؤلَّفيها (مقال في الإنسان: دراسة قرآنية) و*(الشخصية الإسلامية: دراسة قرآنية)* مما يحمل هذا المفهوم.
1-2
ذكرت بنت الشاطئ في مقدمة كتابها (مقال في الإنسان: دراسة قرآنية) أنه دراسة قرآنية حول الإنسان، تتناول قصته من المبتدأ إلى المنتهى، وتكشف عن بيان الآيات القرآنية في الحياة والموت، وتستجلي منها ملامح الإنسان بكل قوته وضعفه وهوانه، وكل غروره وكبريائه، وتتدبر ما يحمله في رحلته العابرة بالدنيا من مسؤولية أمانته الصعبة، وما يواجهه من مشكلات الوجود وهموم المصير.
وأهم المباحث التي عالجتها بنت الشاطئ في هذا الكتاب: (خلق الإنسان في القرآن ومقصوده، أمانة الإنسان، حرية الإنسان، مصير الإنسان).
1-2-1
وكعادة بنت الشاطئ في عنايتها باستقراء اللفظ القرآني في كل مواضع وروده للوصول إلى دلالته، فقد انتهى بها الاستقراء إلى أن لفظ (الإنسان) في القرآن الكريم يهدينا إلى أن مناط إنسانيته ليس كونه منتميًا إلى فصيلة الإنس، كما أنه ليس مجرد بشر يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، وإنما الإنسانية فيه ارتقاء إلى الدرجة التي تؤهله للخلافة في الأرض، واحتمال تبعات التكليف وأمانة الإنسان؛ لأنه المختص بالعلم والبيان والعقل والتمييز، مع ما يلابس ذلك كله من تعرض للابتلاء بالخير والشر، وفتنة الغرور بما يحس من قوته وطاقته، وما يزدهيه من الشعور بقدره ومكانته، بحيث ينسى في زهوه وكبرياء غروره أنه المخلوق الضعيف الذي يعبر رحلة الدنيا من عالم المجهول إلى عالم الغيب على الجسر المفضي حتمًا إلى التراب. وقد ورد لفظ (الإنسان) في القرآن الكريم في خمسة وستين موضعًا، تهدينا سياقاتها إلى الدلالة المميزة للإنسانية.
إن بنت الشاطئ هنا تؤكد على تلازمية الاهتداء بالوحي، وضرورة إعمال ما أودعه الله في الإنسان من علم وعقل وتمييز؛ لتحقيق الدلالة المميزة للإنسانية، التي هي ارتقاء إلى تحقيق الخلافة في الأرض، ومسؤولية الثواب والعقاب.
وتزداد عندها هذه الفكرة وضوحًا في بيانها الملامح الثلاثة العامة للإنسان على ضوء ما ورد في سورة العلق؛ إحداها: تلفت إلى آية خلقه من علق، والثانية: تشير إلى اختصاصه بالعلم، والثالثة: تنبه إلى ما يتورط فيه من طغيان، حين يتمادى به الغرور، فيرى أنه استغنى عن خالقه.
فهذه الملامح تؤكد على أن النجاة في ضرورة التفاعل الإيجابي بين الوحي والعقل، واستثمار اختصاص الإنسان بالعلم والبيان، وحمل الأمانة، وتبعات التكليف، ومسؤولية عمله وكسبه.
وانتهت بنت الشاطئ في حديثها عن خلق الإنسان في القرآن ومقصوده إلى تقرير هذا المعنى بقولها: «ونستخلص من آيات البقرة في خلافة آدم في الأرض، وأمر الملائكة بالسجود له، أمرين: أولهما: أن تكريم الإنسان الأول الذي تمثل في الأمر الإلهي بأن يسجد الملائكة له، كان التبرير الظاهر له في سياق الآية هو ما اختص به آدم من علم يختلف عن علم الملائكة الذي لا مجال فيه لميزة الكسب، والثاني: أن الخلافة في الأرض اقتضاها ما يحتمل النوع الآدمي من أمانة إنسانيته، ومسؤولية عمله وكسبه، وتبعة الابتلاء التي أُعفي منها الملائكة بالتسخير المطلق».
1-2-2
وقد قادت فكرة تلازمية الاهتداء بالوحي مع ضرورة إعمال العقل بنت الشاطئ إلى أنها، بعد أن استعرضت أقوال المفسرين وناقشتها في المراد بالأمانة الواردة في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [سورة الأحزاب/ الآية 72]، اختارت أن يكون المراد بالأمانة الابتلاء بتبعة التكليف، وحرية الإرادة، ومسؤولية الاختيار. قالت: «هذه هي الأمانة فيما أطمئن إليه بعد طول تأمل لآيتها في البيان القرآني. حملها الإنسان، مطلق الإنسان، تحقيقًا لذاته، وممارسة لخلافته في الأرض، وإن جهل خطرها، وقصر في الوفاء التام بكل حقوقها..... وليس من العسير أن نرى في حمل الإنسان الأمانة على هذا الوجه أثرًا حتميًا للمكانة التي أقرها له الدين بخلافته في الأرض، بما تقتضيه هذه الخلافة من حق التصرف وأهلية المسؤولية، وبما تلقيه على عقل الإنسان وضميره من تبعات جسام، أُعفيت منها كل الكائنات الأخرى، لكن هذا الوضع لا يمكن أن يُفهم أو يُتصور إذا لم يقم على حق أصيل مقرر في الحرية الإنسانية».
وهنا تنتقل بنت الشاطئ إلى قضية الحرية، ومما لا يخفى أن مناط تلازمية العقل والنقل في الفكر الإسلامي يبلغ ذروته عندما يصل الحديث إلى حرية الإنسان بشُعَبِها المختلفة: الحرية العامة المناقضة للرق، وحرية الاعتقاد، وحرية الفكر والرأي، وحرية الإرادة.
1-2-3
استهلت بنت الشاطئ حديثها عن الحرية بقولها: «والحقيقة أن الحرية كلٌّ لا يتجزأ، فإن تكن البشرية قد استطاعت بعد نضال طويل أن تعلن تحرر الإنسان من أغلال الرق المهدر للإنسانية، فلا يزال عليها أن تناضل طويلًا من أجل استكمال وجودها الحر بتحرير العقيدة والعقل والإرادة»، ثم شرعت ـ رحمها الله ـ في عرض جوانب هذه الحرية في القرآن الكريم.
وما يهمنا هنا أن نستخلص مما كتبته في هذه القضية ما يدعم فكرة تلازمية الاهتداء بالوحي مع ضرورة إعمال العقل، عبر حديثها عن شُعَب الحرية المختلفة.
ففي حديثها عن (الحرية والرق) قالت: «وحق الحرية من الرق يتقرر أصلًا بأن جوهر الدين كله هو عبادة الله وحده، لا نشرك بعبادته أحدًا، والقرآن قد تشدد في تقرير المساواة التامة المطلقة بين البشر، فهم جميعًا سواء، خُلقوا من نفس واحدة، قال تعالى: "يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء" [سورة النساء/ الآية 1]، وانظر معها آيات: الأنعام/98، والأعراف/189، والزمر/6، كما تتقرر البشرية بين الناس جميعًا على وجه المماثلة، التي هي أتم المشابهة، في عدد من الآيات المحكمات، وبهذه المساواة بين الناس والمماثلة في بشريتهم جميعًا لا يدع الإسلام سبيلًا إلى أن يكون لبشر حق استرقاق بشر مثله، ويحمي الإنسانية من رواسب ميراثها القديم في عبادة المخلوقين، وإنما العبودية لله وحده، وليس لأحد ـ من كان ـ أن ينتحل صفة الربوبية، فيستعبد الناس، وقد خلقهم الله من نفس واحدة، وهم جميعًا عباد الله».
ثم بينت ـ رحمها الله ـ بكثير من التفصيل منهج الإسلام في استئصال الرق عن طريق إغلاق المنفذ الجديد من الاسترقاق من ناحية، وتصفية الرق القائم في عصر المبعث من ناحية أخرى.
وفي ثنايا عرضها الدال على هداية الاتجاه لا تنسى بنت الشاطئ انتماءها الأصيل إلى الاتجاه الأدبي في التفسير، فتلفتنا إلى أكثر من ملاحظة بيانية في حديث القرآن عن تحرير العبيد وتصفية الرق.
من هذه الملاحظات قولها: «إن البيان القرآني حين يتحدث عن تحرير العبيد يذكر (الرقاب) بصيغة الجمع، فمسؤولية التحرير فيها على الجماعة وأولي الأمر، والعبء فيها على المال العام للمسلمين، أما حين يستعمل (الرقبة) بصيغة المفرد، فهذه هي مسؤولية الإنسان فردًا، إما احتمالًا لأمانة إنسانيته واقتحامًا للعقبة في سبيل تحقيق الوجود الحر، وإما كفارة عن ذنب، يطرد ذلك ولا يتخلف، حيثما استعمل القرآن لفظ رقبة في تحرير العبيد، وفي هذا الاستقراء إيذان صريح بأن كتاب الإسلام في تصفيته لوضع الرق القائم عصر نزوله ألقى على الإنسان تبعته من هذا التكليف، فترك الحالات الفردية تُصفّى عن طريق الأفراد، أما الرقيق من حيث هم طبقة في المجتمع، فألقى تبعة تحريرهم وفك رقابهم على ولاة الأمر، والعبء على بيت المال».
ولا ريب أن هذا الاستنباط المرتكز على استقراء يطرد ولا يتخلف ليُعدَّ معلمًا من معالم امتزاج تلازمية استنباط العقل من نصوص الوحي عند بنت الشاطئ في دراساتها القرآنية.
وفي حديثها عن (حرية العقيدة) بينت بنت الشاطئ أن الإسلام، في إقراره لحرية التدين، يُلزم أتباعه بهذا الإقرار دينًا وعقيدة وسلوكًا؛ إلزامًا للإنسان بحرية اختياره وحمل الأمانة، ولأن العقيدة لا تكون عقيدة حتى تصدر عن اعتقاد، والإيمان لا يكون إيمانًا حتى ينبع من القلب.
وحرصت بنت الشاطئ على أن تؤكد أن العقل مناط الوعي والرشد والبصر والتمييز والإدراك، ومن ثم يرتبط الإيمان بالعقل في العقيدة الإسلامية ارتباطًا وثيقًا، نجد ذلك واضحًا في قولها: «وقد نص القرآن الكريم على حرية العقيدة، وأكدها في أكثر من موضع، في مثل قوله تعالى: "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" [سورة البقرة/ الآية 256]، وهذا الإقرار لحرية الاعتقاد يلقي على الإنسان تبعة اختياره، ويحمله مسؤولية حريته، ومن هنا كان تأكيد القرآن لمهمة الرسول، وأن ليس عليه إلا أن يبلغ رسالته، في الآيات (20 من سورة آل عمران، 35 من سورة النحل، 92 من سورة المائدة، 48 من سورة الشورى)..... والقتال دفاعًا عن حرية العقيدة لم يبدأ إلا في العهد المدني من عصر المبعث، وظلت مع ذلك توجيهات الوحي تحمي المسلمين من التورط في إكراه غيرهم على الإسلام، وتأمرهم بمسالمة من لم يقاتلوهم في الدين، ولم يخرجوهم من ديارهم، من ذلك الآية 61 من سورة الأنفال، والآيتان 8، 9 من سورة الممتحنة».
وانطلاقًا من حديثها عن إقرار الإسلام لحرية الاعتقاد، إلزامًا للإنسان بمسؤولية اختياره، تحدثت بنت الشاطئ عن حرية الفكر والرأي، فأوضحت أن الإسلام حرر عقل الإنسان وضميره إقرارًا لحقه في حرية العقيدة، واقتضاءً لما حمل من أمانة إنسانيته.
وذكرت أن الجدل ظاهرة إنسانية، وخاصة من الخواص التي تميز الإنسان عن غيره من الكائنات، وأن الغالب على مجيء مادة (ج د ل) في القرآن الكريم يكون في سياق الجدال الديني، ولم يُنكر القرآن على الإنسان الجدل إلا أن يكون مماراة فاحشة في الحق البحثي عن عناد ومكابرة، أو عن إصرار على الجهل والضلال، كما في الآيات (6 من سورة الأنفال، 56 من سورة الكهف، 8-10 من سورة الحج، 5، 56 من سورة غافر).
أما حين يكون جدال الإنسان عن حاجة إلى الاقتناع، فمن حقه أن يُصغى إليه، ويجادل بالتي هي أحسن، وبهذا أُمِر نبي الإسلام والمسلمون، كما في الآية 125 من سورة النحل، والآية 46 من سورة العنكبوت.
ونأتي إلى حرية الإرادة، التي قالت عنها بنت الشاطئ: لقد أطالت الفرق الإسلامية الجدل فيها، وكأنها تضرب في متاهة محيرة، لا مخرج منها ولا مخلص، وتوزعوا فرقًا شتى، وبعد أن عرضت لآراء الفرق الكلامية والأخلاقيين والقانونيين في مسألة الإرادة الإنسانية، رأت أن هذه المسألة لا بد أن تُدرس على أساس من النظر في القرآن الكريم، وبعيدًا عن الالتزام بأي قول سابق.
مضت في تتبع استعمال القرآن الكريم للإرادة، التي جاءت في نحو مائةٍ وأربعين موضعًا، فوجدت أنها كلها بلا استثناء جاءت بصيغة الفعل الماضي أو المضارع دون الأمر، وهذا يلفتنا إلى أن مناط الإرادة في القرآن الكريم وقوع الفعل، لا الأمر به أو الحمل عليه، وأن الإرادة لا تكون بأمرٍ ينتفي به جوهر الإرادة من حيث هي مشيئة واختيار، كما أن فعل الإرادة جاء مسندًا إلى الله تعالى مذكورًا أو مضمرًا في نحو خمسين آية، وإلى غيره من مخلوقاته في نحو تسعين آية.
وختمت بنت الشاطئ حديثها عن حرية الإرادة بما يدعم وجهة نظرها في تلازمية الاهتداء بالوحي وضرورة إعمال العقل في فهمه، فقالت: «وتلخيصًا للموضوع أقول: إن القضية إذا أُريد فهمها من القرآن الكريم، فلا يجوز أن نأخذ ببعض آياته في الإرادة، ونعرض عن بعض، فيذهب كل فريق بما يؤيد رأيه، وإنما نستقرئ كل آيات الإرادة، فتهدينا إلى أن مفهوم إرادة المخلوق غير مفهوم إرادة الخالق؛ إرادتنا كسبية حرة فيما نعمل، وإنما الجبرية في حتمية المصير لما أردناه باختيارنا، والحكم الإلهي العادل في إلزامنا بتبعة اختيارنا الحر إلزامًا جبريًا لا مفر منه ولا مهرب، وبغير هذه الحرية تنتفي حكمة إرسال الرسل، وتتعطل قدرة الإنسان على حمل تكاليف أمانته في هذه الحياة الدنيا».
1-2-4
(مصير الإنسان) هذا هو عنوان القسم الثاني من دراسة بنت الشاطئ «مقال في الإنسان: دراسة قرآنية»، وقد تناولت فيه المقالات الآتية: (الوجود والعدم، وجدل في البعث، والعرض والجوهر، وعالم الروح)، ولعل مقالها (جدل في البعث) يعد أبرز هذه المقالات وألصقها بالموضوع، وقد أبرزت فيه العلاقة التفاعلية بين صحيح المنقول وصريح المعقول.
فذكرت ـ ضمن ما ذكرت ـ أن القرآن الكريم أثبت ما كان من جدل الأولين حول البعث، ودفع الشك فيه بالمنطق الذي يثبته النظر الحر والبصيرة المميزة والتأمل الواعي، وأقرب ما يلفتنا إليه القرآن ما نراه في الواقع المشهود من حياة الأرض بعد موتها، وما نبصره بأعيننا من خروج الحي من الميت وخروج الميت من الحي؛ توطئةً للإقناع بأن الحياة بعد الموت ليست من المستحيل العقلي ولا من المستحيل العادي (راجع: سورة فصلت/ آية 39، وسورة الروم/ آية 19، وآيات البقرة/ 164، والنحل/ 65، والجاثية/ 5، وفاطر/ 9، والفرقان/ 49، والعنكبوت/ 63، ويس/ 33، وق/ 11، وآيات آل عمران/ 27، والأنعام/ 95، ويونس/ 19، والحديد/ 17).
ليس هذا فحسب ما يقدمه القرآن إلى الإنسان ليطمئن قلبه إلى إمكان البعث، بل إنه كذلك يضع أمام بصره وبصيرته، وحسه ووجدانه، آية القدرة الإلهية المعجزة في خلق الإنسان أول مرة، فلن يُعييها أن تعيده مرة أخرى، وذلك أهون، قال تعالى: «وضرب لنا مثلًا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم. قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم» [سورة يس/ الآيتان 78، 79].
وغير هذه الآية مما يحمل ترسيخ هذا المعنى كثير في القرآن المكي والمدني، والسؤال الذي عرضه القرآن بصيغة التحدي لكل منكر أو مرتاب هو: «أم خُلِقوا من غير شيء أم هم الخالقون» [سورة الطور/ آية 35].
1-3
وأما كتابها (الشخصية الإسلامية: دراسة قرآنية)، فقد أشارت في مقدمته إلى التفاعل الإيجابي بين الاهتداء بالوحي وإعمال العقل، حيث إن المادة البحثية فيه تعتمد على الإكثار من إيراد النصوص مع التدبر والاستقراء، وقد جاءت مباحث هذه الدراسة القرآنية تحمل عناوين: (الإسلام والإيمان، بشر لا ملائكة، بين المادية والروحية، بين العبادة والعمل، بين الدين والعقل، بين المحافظة والتجديد، الذاتية الإسلامية بين الفردية والجماعية).
1-3-1
في المبحث الخامس المعنون بـ (بين الدين والعقل) من كتابها (الشخصية الإسلامية: دراسة قرآنية)، تؤكد بنت الشاطئ أن الخطأ الأساسي هو القول بأن الدين مقابل العقل، والإيمان مقابل العلم، وكأنهما نقيضان لا يمكن أن يجتمعا في الإنسان إلا من قبيل تصادم الأضداد، وذلك ما ترفضه العقيدة الإسلامية التي حسمت الخصومة بين الدين والعقل؛ إذ هما عنصران جوهريان في الإنسان، يتلازمان ولا يتناقضان.
وعن مهمة العقل قالت: والعقل هو مناط الوعي والرشد والبصر والتمييز والإدراك، ومن ثم يرتبط الإيمان بالعقل في العقيدة الإسلامية ارتباطًا وثيقًا، فالقرآن يتجه إلى العقل في تأييد الدين وترسيخ الإيمان، والله يبين الآيات لقوم يعقلون ويؤمنون، ويضرب الأمثال لقوم يتفكرون ويبصرون ويفقهون ويوقنون، ويسوق العبرة لأولي الألباب والعالمين؛ لأنهم المرجوون للنظر في آيات القدرة الإلهية، وتدبر النظام الكوني المحكم، والإيمان بأنه لم يوجد عبثًا، ولا يمكن أن يسير بتلقائية عشواء (راجع: الآية 43 من سورة العنكبوت، 164 من سورة البقرة، 190–191 من سورة آل عمران، 2–4 من سورة الرعد، 14–16 من سورة النحل، 19–25 من سورة الروم، 3–6 من سورة الجاثية).
وترد بنت الشاطئ على من يزعمون أن تصديق المتدينين بالسمعيات الغيبية تعطيل للعقل وإبطال للعلم بقولها: وهذه القضية قد شابها خلط ولبس، فينبغي أولًا أن نفرق بين الإسلام في أصله النقي، ومدسوس الإسرائيليات، ودخيل الخرافات، وبدع التأويلات، وكذلك ينبغي ألا نخوض في الغيبيات بغير علم، فمنطق الإيمان يقتضي التصديق بالسمعيات الغيبية في حدود ما جاء عنها في نصوص الدين الذي نؤمن به، لا نتجاوزه إلى ما لا علم لنا به.
وختمت هذا المبحث ببيان أن علماء الإسلام تقدموا في طمأنينة واثقة من تأييد العقيدة الإسلامية للعلم وإكبارها العقل، يدرسون الظواهر الكونية بعقلية متحررة، ويؤيدون النظريات العقلية بتجارب عملية، ودخلوا التاريخ العلمي روادًا لآفاق لم يصل إليها من قبلهم، فكانوا هم الذين أصلوا مبادئ المنهج الاستقرائي، ووضعوا أوليات البحوث التجريبية في الطبيعيات والرياضيات والطب والصيدلة، وقدموا مخترعاتهم من أجهزة التجربة المعملية والرصد الفلكي والملاحي، وبفضلهم اتجهت العلوم الطبيعية والفلكية إلى مجال البحث التجريبي الذي أعوز الفلسفة اليونانية، وقد شهد المنصفون من الكتاب الغربيين بفضل العلوم والحضارة الإسلامية على الغرب.
1-3-2
وفي المبحث السادس المعنون بـ (بين المحافظة والتجديد) من كتابها (الشخصية الإسلامية: دراسة قرآنية)، وضعت بنت الشاطئ عدة أسس ومبادئ إزاء هذه القضية، منها:
 أن التجديد أمر مطلوب، يحمل الإنسان تبعته في تغيير الأوضاع الفاسدة، قال تعالى: «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» [سورة الرعد/ آية 11]، كما يحمل تبعة النظر في الحياة وسائر ما حوله.
 أن الخطأ يحدث حين يتصور بعضنا أن التجديد يعني هدم القديم كله، وأن التطور يمكن أن يبدأ من فراغ، مع الجهل بتجارب الماضي، فيخبط الإنسان في متاهة عمياء ليس فيها أثر من معالم الخطوات السابقة على الدرب، وهذا أيضًا ضد طبائع الأشياء وسنة النمو الحيوي؛ إذ ليس الحاضر إلا ابنًا شرعيًا للماضي، بقدر ما هو أب شرعي للمستقبل، وما من مرحلة في طريق الحياة تستغني عن خبرة مراحل سبقت.
 أن مجال التجديد يتسع لكل إضافة تكون بتصحيح الفهم لقديم لابسته شوائب دخيلة عليه، وتحرير مبادئ أسيء فهمها أو أسيء تطبيقها، أو بتناول نظرية متداولة ومبادئ قديمة بمزيد بحث وتحقيق، يؤيدها بأدلة لم تكن معروفة، ويدعمها بتجربة أو استقراء كانت في حاجة إليه.
 أن مقتضى عالمية الإسلام وخلوده أن يفي بحاجات الحياة المتطورة والظروف المتغيرة، مما ينفي عنه شبهة الجمود أو معاندة التجديد والتطور، والذين لهم حظ من فقه الإسلام يعرفون أن القرآن قدر واقع الحياة في عصر نزوله، وأفسح معه آفاق الطموح إلى القيم الخالدة والمثل العليا التي تظل الإنسانية كادحة إليها مستشرفة لها ما بقيت الحياة، ويعرفون معه أن القرآن ـ في مجمله ـ وضع الأصول العامة والمبادئ الكلية، وترك المفردات التفصيلية والجزئيات الفرعية تستجيب لدواعي التطور، وتفي بجديد حاجات الأمة في مختلف الظروف والأحوال.
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدر حاجة الأمة ما بين قرن وآخر ـ إلى جانب الكتاب والسنة ـ إلى أئمة يجددون لها أمر دينها مع دفع الحياة وحركة الزمن، ويهدونها على الطريق حين تتشابه السبل وتتشعب الدروب، ويحررون فهمها للدين من دخيل الشوائب وفاسد البدع، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها» (سنن أبي داود، حديث رقم 4270).
 أن التجديد إذا كان قد استجاب للتطور في المجال الديني، فلا بد أن يكون ذلك الأمر أكثر جوازًا فيما لم يتعلق الشرع بالحكم عليه من شؤون الدنيا العملية ومحدثات العلوم، فالتجديد في محدثات العلوم والحضارة أرحب مجالًا بلا ريب، والتطور فيها أقوى دفعًا وأشد إلزامًا، مع اطراد التقدم العلمي الذي يكشف كل يوم عن مجهول من خواص الطبيعة وأسرار الوجود وآفاق الحياة.
أنه لا تعارض على الإطلاق بين التطور والتجديد من جهة، وبين المحافظة والأصالة من جهة أخرى، فهذان الوجهان متكاملان على التحقيق، تمضي الأمة مع حركة الزمن بحيوية متجددة، واستجابة مرنة، وعقلية متفتحة، دون أن تفقد ذاتها الخاصة وشخصيتها المتميزة.
المحور الثاني: مقاربة استقرائية لتلازمية العقل والنقل عند بنت الشاطئ في الاتجاه الأدبي في التفسير
2-1
في الاتجاه الأدبي في التفسير، الذي أبدعت فيه بنت الشاطئ بفضل حسها اللغوي الراقي، وتذوقها الأدبي الصافي، ووثيق علاقتها بالتراث اللغوي والأدبي، تأتي دراساتها في (التفسير البياني للقرآن الكريم) بجزأيه الأول والثاني، وفي (الإعجاز البياني للقرآن ومسائل ابن الأزرق)؛ لتؤكد على تلازمية العقل والنقل، وعلى دور العقل والنظر السليم في فهم أسرار التعبير القرآني، وأن المفسر مطالب بأن يُعِدَّ لمقصده عُدَّته من فهم مفردات القرآن وأساليبه فهمًا يقوم على الدرس المنهجي الاستقرائي، ولمح أسراره في التعبير.
ولبيان هذه التفاعلية ستعرض هذه المقاربة الاستقرائية، بشيء من التفصيل، لبعض ما جاء في مؤلفيها (التفسير البياني للقرآن الكريم) بجزأيه الأول والثاني، و*(الإعجاز البياني للقرآن ومسائل ابن الأزرق)*، مما يحمل هذا المفهوم، من خلال عرضها لقواعد: (معرفة المرويات في أسباب النزول، واستقراء اللفظ القرآني في كل مواضع وروده للوصول إلى دلالته، والاحتكام إلى سياق النص في الكتاب المحكم وعرض أقوال المفسرين عليه، وعرض الظاهرة الأسلوبية على كل نظائرها في الكتاب المحكم، وعدم تكليف أنفسنا بالبحث عما سكت عنه القرآن، ومراعاة التفسير النفسي).
2-2
جعلت بنت الشاطئ قاعدة (معرفة المرويات في أسباب النزول) في أصول منهج التفسير الأدبي، ورتبت عليها نظرتها إلى أسباب النزول، فقالت:
"إن المرويات في أسباب النزول موضع اعتبار في فهم الظروف التي لابست نزول الآية، مع تقدير أن الذين عاصروا نزول الآية أو السورة ربطها كلٌّ منهم بما فهم، أو بما توهم أنه السبب في نزولها، وهذا هو معنى قول علماء القرآن: إن المرويات في أسباب النزول يكثر فيها الوهم، ونُقدِّر معه أن السببية فيها ليست بمعنى العِلِّيَّة التي لولاها ما نزلت الآية، وأن العبرة في كل حال بعموم اللفظ المفهوم من صريح نصها، لا بخصوص السبب الذي نزلت فيه الآية، إلا أن يتعين الاعتبار بخصوص السبب الذي نزلت فيه، بدليل من صريح النص أو بقرينة بيِّنة".
وقد اتخذ تطبيقها لهذه القاعدة صورًا أربعًا:
الصورة الأولى: ذكر سبب النزول دون التعقيب عليه بشيء، مثل سبب نزول سورة التكاثر.
الصورة الثانية: ذكر سبب النزول، والتعقيب عليه بما يفيد أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، مثل سبب نزول سورتي الهمزة والماعون.
الصورة الثالثة: ذكر سبب النزول، وإيراد قاعدة "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب"، مع التعقيب عليها بما يشير إلى دور السياق في تأكيد هذه القاعدة، مثل سبب نزول سورتي العصر والليل.
الصورة الرابعة: رد سبب النزول، وعدم الأخذ به؛ لعلة التناقض في التواريخ، وذلك كردها سبب النزول الوارد في تفسير قوله تعالى:
"ما ودعك ربك وما قلى" [سورة الضحى/ آية 2]، من أن الوحي أبطأ؛ لأن جروًا للحسن والحسين رضي الله عنهما كان في بيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال جبريل: أما علمتَ أنا لا ندخل بيتًا فيه كلب ولا صورة؟ وتعقب على الذين ذكروا هذه الرواية في سبب نزول الآية بقولها: ولا أدري كيف فاتهم أن الحسن والحسين رضي الله عنهما وُلدا بعد الهجرة بثلاث سنوات أو أربع، وسورة الضحى من أوائل الوحي، نزلت بمكة قبل الهجرة بسنتين، والذي يعطيه ظاهر النص أن فتور الوحي ظاهرة طبيعية، شأنها شأن سُجُوِّ الليل بعد إشراق الضحى، وهذا يغنينا عن تقديم أسباب والتماس علل للإبطاء في الوحي لم يتعلق القرآن بذكرها. فالنظرة النقدية لبنت الشاطئ هنا إزاء هذه الرواية تُظهر إعمالها للعقل في نقد متن سبب النزول الوارد؛ لعلة التناقض في التواريخ.
2-3
وقد اعتنت بنت الشاطئ بقاعدة (استقراء اللفظ القرآني في كل مواضع وروده للوصول إلى دلالته) عناية كبيرة، فجاء تفسيرها محتويًا على معجم لألفاظ السور التي عرضت لها بالتفسير، ويلاحظ من خلال استقراء تطبيق بنت الشاطئ لهذه القاعدة ما يلي:
•أنها تتلمس أولًا الدلالة اللغوية الأصيلة التي تعطينا حس العربية للمادة في مختلف استعمالاتها الحسية والمجازية، غير أنها لا تتوقف عند مرحلة الاستقصاء المعجمي واكتشاف الدلالات المعجمية المختلفة، وإنما تنتقل إلى استقراء اللفظ القرآني في كل مواضع وروده للوصول إلى دلالته، ومن هنا كان احتكامها إلى القرآن الكريم نفسه، وتتبع استعمالاته اللفظية هو المرجع الأخير للفهم الحقيقي للفظ، والعثور على ملاحظاته البيانية، مثل مادة الضلال في تفسير قوله تعالى:
"ووجدك ضالًا فهدى" [سورة الضحى/ آية 7]، فبعد أن طبقت هذا المنهج انتهت إلى أن معناها في الآية الحيرة، قالت: ولا نقول هنا إلا ما قاله الله تعالى لنبيه المصطفى:
"ما كنتَ تدري ما الكتاب ولا الإيمان" [سورة الشورى/ آية 52]، فقد كانت حالته قبل المبعث حالة حيرة؛ عاف حال قومه وأنكرها، ولكن أين الطريق المستقيم؟ وكيف المخرج والنجاة؟ ولبث على حيرته أمدًا، حتى جاءته الرسالة، فهدته إلى الدين القيم، وأبانت له سواء السبيل بعد طول حيرة وضلال.
 أنها وهي تستقرئ اللفظ القرآني في كل مواضع وروده للوصول إلى دلالته، لا يفوتها أن تقرر في أكثر من موضع أن للقرآن معجمه الخاص وبيانه المعجز، مما يجعلنا نقول: إن هذه الصيغة أو الدلالة قرآنية، ومن ذلك ملاحظتها لاستعمال القرآن للفظ (الساعة) في تفسير قوله تعالى:
"يسألونك عن الساعة أيان مرساها" [سورة النازعات/ آية 42]، قالت: أما حين يستعمل القرآن (الساعة) معرفةً بـ(أل)، فتلك دائمًا هي ساعة الآخرة، لم يتخلف هذا في أي موضع من المواضع الأربعين التي جاءت (الساعة) فيها في القرآن الكريم بدلالتها الإسلامية في المصطلح الديني، والملحظ البياني في هذا الاستعمال المطرد أن هذه (الساعة) تنفرد دون ساعات الزمان كله بأنها الحاسمة الفاصلة التي يتغير فيها نظام الزمن وسير الكون، لما يحدث فيها من حدث هائل خطير، وهو معنى يقوى ويتضح بإسناد القيام والإتيان والمجيء إلى هذه الساعة المتميزة الحاسمة، دلالةً على بروزها وشخوصها وفاعليتها.
 أنها وهي تستقرئ اللفظ القرآني في كل مواضع وروده للوصول إلى دلالته، لا يفوتها تدبر سياق اللفظ في الآية والسورة، وسياقه العام في القرآن كله، ومن ذلك لفظ (العصر) في تفسير سورة العصر، ولفظ (الخير) في تفسير سورة العاديات، ولفظا (زجرة) و*(الهوى)* في تفسير سورة النازعات.
•أنها كثيرًا ما تؤكد على أن التتبع الاستقرائي لألفاظ القرآن في سياقها يشهد بأن اللفظ يُستعمل بدلالة معينة لا يؤديها لفظ آخر، مثل لفظ (أغنى) في قوله تعالى:
"ووجدك عائلًا فأغنى" [سورة الضحى/ آية 8]، وكلمة (أشتاتًا) في قوله تعالى:
"يومئذٍ يصدر الناس أشتاتًا" [سورة الزلزلة/ آية 6].
2-4
وذكرت بنت الشاطئ قاعدة (الاحتكام إلى سياق النص في الكتاب المحكم وعرض أقوال المفسرين عليه) في مقدمة الجزء الأول من كتابها (التفسير البياني للقرآن الكريم)، قالت:
"ومن ضوابط المنهج أن نحتكم إلى سياق النص في الكتاب المحكم ملتزمين ما يحتمله نصًّا وروحًا، ونعرض عليه قول المفسرين، فنقبل منها ما يقبله النص، ونتحاشى ما أُقحم على كتب التفسير من مدسوس الإسرائيليات، وشوائب الأهواء المذهبية، وبدع التأويل".
ومن الأمثلة التطبيقية عندها لهذه القاعدة ما جاء في تفسير لفظ (العقبة) في قوله تعالى:
"فلا اقتحم العقبة" [سورة البلد/ آية 11]، فبعد أن عرضت أقوال المفسرين احتكمت إلى السياق تعرض عليه هذه الأقوال، قالت:
"ونرى السياق في غير حاجة إلى تأويل يغني عنه أن القرآن نفسه قد تولى بيان (العقبة) حين أتبعها السؤال اللافت:
"وما أدراك ما العقبة. فك رقبة. أو إطعام في يوم ذي مسغبة. يتيمًا ذا مقربة. أو مسكينًا ذا متربة. ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة" [سورة البلد/ الآيات 12–17]، فهذا بيان للعقبة التي يجب أن يقتحمها الإنسان، بما تهيأ له من وسائل المكابدة، وطاقة المجاهدة، والإدراك والتمييز".
وقد التزمت بنت الشاطئ بتطبيق هذه القاعدة إلى حدٍّ كبير، فقد قمتُ بإحصاء ما يقرب من أربعين نموذجًا تطبيقيًا لهذه القاعدة في تفسيرها البياني.
وأكدت على أن الاحتكام إلى سياق النص في الكتاب المحكم يجعلنا نتحاشى ما أُقحم على كتب التفسير من مدسوس الإسرائيليات، ومن الأمثلة التطبيقية عندها في هذه المسألة ما جاء في تفسيرها لقوله تعالى:
"ألم تر كيف فعل ربك بعاد. إرم ذات العماد. التي لم يُخلق مثلها في البلاد. وثمود الذين جابوا الصخر بالواد. وفرعون ذي الأوتاد. الذين طغوا في البلاد. فأكثروا فيها الفساد. فصب عليهم ربك سوط عذاب. إن ربك لبالمرصاد" [سورة الفجر/ الآيات 6-14]، قالت:
"وقد أكثر المفسرون في الكلام عن عاد إرم ذات العماد، وثمود الذين جابوا الصخر بالواد، وفرعون ذي الأوتاد، بما لم تتجه عناية القرآن إلى شيء مما ذكروه، وفي منهجنا أن كل هذه التأويلات تُحمِّل القرآن الكريم ما ليس من بيانه وطبيعته، وقد بدا منه العمد الواضح إلى طي هذه التفصيلات الجزئية، اكتفاءً بما يلفت إلى موضع العبرة لكل ذي حجر، في مصاير هؤلاء الطغاة، وأكثر ما قالوه في الأطوال والأحجام والأسماء والأرقام ومواد البناء من الإسرائيليات المقحمة على كتاب الإسلام نصًّا وسياقًا، ولكي نتقي التورط فيها نحتكم إليه في كل هذه الأقوال التي أكثروا منها واختلفوا فيها، فإذا أردنا مزيد بيان لآيات سورة الفجر، فإنما نلتمسه من القرآن الكريم".
2-5
كما ذكرت بنت الشاطئ قاعدة (الاحتكام إلى القرآن الكريم في التوجيه الإعرابي والأسرار البيانية، وعرض الظاهرة الأسلوبية على كل نظائرها في الكتاب المحكم)، فقالت في مقدمة الجزء الأول من التفسير البياني:
"كما نحتكم إلى الكتاب العربي المبين المحكم في التوجيه الإعرابي والأسرار البيانية، نعرض عليه قواعد النحويين والبلاغيين، ولا نعرضه عليها، ولا نأخذ فيه بتأويل لتسوية قواعد الصنعة النحوية وضوابط علوم البلاغة، إذ القرآن هو الذروة العليا في نقاء أصالته وإعجاز بيانه، وهو النص الموثق الذي لم تشبه من أي سبيل أدنى شائبة مما تعرضت له رواية نصوص الفصحى من تحريف أو وضع، ثم إنه ليس بموضع ضرورة كالشواهد الشعرية، ليجوز عليه ما يجوز عليها من تأويل".
وقالت في مقدمة الجزء الثاني من التفسير البياني:
"والأمر كذلك فيما يهدي إليه الاستقراء من وجوه بيانية وظواهر أسلوبية، نقدمها منه دون أن نخشى فيها مخالفة لبعض قواعد النحويين وأحكام البلاغيين؛ لأن الأصل أن تُعرَض قواعدهم وأحكامهم على البيان الأعلى، لا أن نعرض القرآن عليها ونخضعه لها، ويبدو أننا في حاجة ماسّة إلى إعادة النظر في قواعد النحو المدرسية وأحكام الصنعة البلاغية في ضوء ما هدى ويهدي إليه التدبر والاستقراء لكتاب العربية الأكبر في بيانه المعجز".
وقد توفرت بنت الشاطئ على دراسة هذه القاعدة في كتابها (الإعجاز البياني للقرآن، ومسائل ابن الأزرق)، فعرضت لها بتفصيل واستيعاب، وقدمت في هذا الصدد – ضمن ما قدمت – بعض الشواهد من حروف قرآنية، حاول اللغويون والبلاغيون في تأويلها أن يعدلوا بها – على وجه التقدير – عن الوجه الذي جاءت به؛ لكي تلبي مقتضيات الصنعة الإعرابية وتخضع لقواعد المنطق البلاغي المدرسي، فبقيت هذه الحروف تتحدى كل محاولة بتغيير أو تقدير لحذف أو زيادة، ومن ذلك مثلًا حرف (الباء) في قوله تعالى:
"ما أنت بنعمة ربك بمجنون" [سورة القلم/ آية 2]،
وحرف (ثم) في قوله تعالى:
"ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة" [سورة البلد/ آية 17]،
وحرف (عن) في قوله تعالى:
"الذين هم عن صلاتهم ساهون" [سورة الماعون/ آية 5]،
و*(لسوف)* في تفسيرها لقوله تعالى:
"ولسوف يعطيك ربك فترضى" [سورة الضحى/ آية 5]،
و*(لو)* في قوله تعالى:
"ودوا لو تدهن فيدهنون" [سورة القلم/ آية 9].
وأكدت بنت الشاطئ على ضرورة عرض الظاهرة الأسلوبية على كل نظائرها في الكتاب المحكم، وعرضت في هذا الشأن عددًا من الظواهر الأسلوبية اللافتة في البيان القرآني، مثل: ظاهرة الاستغناء عن الفاعل في موقف القيامة، إما بالبناء لما لم يُسمَّ فاعله، كقوله تعالى:
"كلا إذا دكت الأرض دكًّا دكًّا" [سورة الفجر/ آية 21]،
وإما بإسناده إلى غير فاعله مطاوعةً أو مجازًا، كقوله تعالى:
"إذا السماء انفطرت. وإذا الكواكب انتثرت" [سورة الانفطار/ الآيتان 1، 2].
وعقَّبت بقولها:
"وقد شُغِل أكثر المفسرين والبلاغيين بتأويل الفاعل عن الالتفات إلى اطراد هذه الظاهرة الأسلوبية في أحداث القيامة، وفي منهجنا لا يجوز أن نتأول الفاعل مع وضوح العمد في البيان القرآني إلى صرف النظر عنه، ولا أن نتعلق بما لم يشأ لنا الكتاب المحكم أن نتعلق به، وقد هدى تدبر هذه الظاهرة الأسلوبية إلى أن البناء للمجهول تركيز للاهتمام بالحدث، وفي الإسناد المجازي أو المطاوعة تقرير لوقوع الأحداث في طواعية تلقائية، إذ الكون كله مهيأ للقيامة على وجه التسخير".
2-6
والقارئ للتفسير البياني لبنت الشاطئ يدرك بوضوح أنها كثيرًا ما تؤكد على مسألة عدم تكليف أنفسنا بالبحث عما سكت عنه القرآن، وتنقد بشدة أولئك الذين يُطنبون في بيان أمر سكت عنه النص القرآني، كما ترى أنه لو كان في ذكر هذا الأمر فائدة أو ترتب عليه معنى لذكره القرآن.
ومن ذلك ما جاء في تفسيرها لقوله تعالى:
"كلا سوف تعلمون. ثم كلا سوف تعلمون" [سورة التكاثر/ الآيتان 3، 4]، قالت:
"ولا حاجة بنا إلى الوقوف لنسأل عما سوف يعلمون على نحو ما فعل الطبري والزمخشري والرازي، والآيات التالية تعفينا من أي تأويل، وتغنينا عن تحديد ما سوف يعلمون:
"كلا لو تعلمون علم اليقين. لترون الجحيم. ثم لترونها عين اليقين" [سورة التكاثر/ الآيات 5-7]".
وقالت في تفسير قوله تعالى:
"ثم لتسألن يومئذ عن النعيم" [سورة التكاثر/ آية 8]:
"وقد اختلف المفسرون في هذا السؤال عن النعيم: ممن يكون؟ ولمن يكون؟ فقيل: إن السؤال يكون من الملائكة، وقيل: إن السؤال من الله.
واعجبًا! آثر القرآن أن يسكت عن ذكر السائل، تركيزًا للاهتمام في السؤال نفسه، ويأبى المفسرون إلا أن يختلفوا فيمن يكون السائل، مع أن صنيع القرآن صريح في الصرف عمدًا عن مثل هذا".
2-7
وقد أشارت بنت الشاطئ إلى (مراعاة التفسير النفسي) في أكثر من موضع من دراستها التطبيقية، ومن ذلك ما جاء في تفسيرها لآيات سورة الضحى:
"ألم يجدك يتيمًا فآوى. ووجدك ضالًّا فهدى. ووجدك عائلًا فأغنى. فأما اليتيم فلا تقهر" [سورة الضحى/ الآيات 6-9]، قالت:
"واستعمل القرآن في الآيات من 6-8 الفعل (وجد)، وهو من أفعال القلوب، ولم يقل مثلًا: أما كنت يتيمًا، وكنت ضالًّا، وكنت عائلًا، فسيطر الجو المعنوي النفسي على الموقف، وتهيأت للرسول الطمأنينة الوجدانية لتلقي الآيات الكريمة.... ونرى الإيحاء النفسي للكلمة القرآنية (فلا تقهر) أعمق وأدق من أن يُضبط بهذه التفسيرات المحدودة، فلا الظلم، ولا التسلط بما يؤذي، ولا منع الحق ببالغ في التأثير ما يبلغه قوله تعالى: (فلا تقهر)، إذ يجوز أن يقع القهر مع إنصاف اليتيم، وإعطائه ماله، وعدم التسلط عليه بالأذى؛ لأن حساسية اليتيم بحيث تتأثر بالكلمة العابرة، واللفتة الجارحة عن غير قصد، والنبرة المؤلمة بلا تنبه، وإن لم يصحبها تسلط بالأذى أو غلبة على ماله وحقه".
ونلحظ هذا أيضًا في تفسيرها لظاهرة التكرار اللفظي في السور المكية الأولى، مثل سورة الشرح، حيث العهد بالرسالة قريب، والحاجة إلى اليقين النفسي أقوى وأمسّ، وتبدو أهمية التكرار اللفظي في قصار السور بوجه خاص، حيث لا مجال للإطالة بإعادة لفظ أو تكرار جملة إلا أن تكون لهذه الإعادة أهميتها القصوى في التأثير والتقرير والإقناع والجزم، فالمقام في سورة الشرح -مثلًا- وهي مكية مبكرة، مما يحتاج إلى مثل ذلك التقرير والتأكيد في قوله تعالى:
"فإن مع العسر يسرا. إن مع العسر يسرا" [سورة الشرح/ الآيتان 5، 6]، وذلك لتقوية اليقين النفسي، وترسيخ ما منَّ الله به على عبده من شرح صدره، ووضع وزره، ورفع ذكره.
ونلحظ هذا كذلك في حديثها عن الجو العام للسورة القرآنية، ومن ذلك قولها عن سورة التكاثر: وجو الوعيد هو المسيطر على السورة كلها، وقولها عن سورة العاديات: وجو السورة إنما هو مشهد مثير لغارة مفاجئة، تصبح القوم بغتة على غير انتظار.
المحور الثالث: مقاربة استقرائية لتلازمية العقل والنقل عند بنت الشاطئ في الاتجاه العلمي في التفسير
3-1
في الاتجاه العلمي في التفسير برزت تلازمية العقل والنقل عند بنت الشاطئ عندما أصّلت لمفهوم مفاده أن الدين الصحيح والعلم الصحيح أخوان متحابان، وأن تهمة التعادي الظالمة بين الدين والعلم قد نشأت في مجتمعات غير إسلامية، بيد أنها اعترضت بشدة على التفسير العلمي الذي يعمل على تحميل الآيات فوق ما تحتمله دلالتها، وشنت حربًا ضروسًا على مفسري التفسير العصري الذين ينهجون هذا النهج، وتصدت لهم، وأخرجت كتابيها (القرآن والتفسير العصري) و*(قراءة في وثائق البهائية)*.
3-2
جاء كتاب (القرآن والتفسير العصري) للدكتورة بنت الشاطئ جامعًا للمقالات التي نُشرت خلاصة منها في "أهرام الجمعة" في شهري مارس وأبريل من عام 1970م، ردًّا على ما نشر في مجلة (صباح الخير) من مقالات بعنوان (محاولة تفسير عصري للقرآن) للدكتور مصطفى محمود، ومتضمّنًا العديد والعديد من الردود التي أضافتها بنت الشاطئ.
واشتمل كتاب (القرآن والتفسير العصري) على مقدمة، وقسمين رئيسين، وخاتمة بعنوان: اللهم فاشهد.
وقد بينت في المقدمة أن دعوى الحاجة إلى تفسير عصري للقرآن يستجيب للتقدم العلمي، ويتابع ما يستحدث الإنسان من علوم العصر، تبدو في ظاهرها منطقية ومعقولة، لكنها في حقيقة الأمر لها مزالقها الخطرة التي تختلط فيها المفاهيم وتتشابه السبل، فتفضي إلى ضلال بعيد.
ومن هذه المزالق الخطرة ما يتسلل إلى عقول أبناء هذا الزمان وضمائرهم، فيرسخ فيها أن القرآن إذا لم يقدم لهم علوم الطب والتشريح والرياضيات والفلك وأسرار البيولوجيا والإلكترون والذرة ... فليس صالحًا لزمانهم، ولا جديرًا بأن تسيغه عقليتهم العلمية، ويقبله منطقهم العصري.
وتعلق قائلة:
"هكذا باسم العصرية، نغريهم بأن يرفضوا فهم القرآن كما فهمه الصحابة في عصر المبعث ومدرسة النبوة، ليفهموه في تفسير عصري من بدع هذا الزمان، وباسم العلم نخايلهم بتأويلات محدثة، تلوك كلمات ساذجة عن الذرة والإلكترون وتكنولوجيا السدود وبيولوجيا العنكبوت وديناميكا الصلب وجيولوجيا القمر، وفي ضجيج هذه الكلمات الطنانة الرنانة، وخلابة ما يقدمه التفسير العصري من عجائب وغرائب، تبهر البصر فتتعذر الرؤية الثاقبة التي تميز حقًا من باطل، وعلمًا من دجل، وإيمانًا من زخرف قول وبهرج بدعة، ويفوتها أن تفصل بين منطق تفكير علمي وجرأة ادعاء وطبول إعلان".
أما القسم الأول من هذا الكتاب فقد اشتمل على عدة مباحث تحمل عناوين: (هذا القرآن – القرآن الكريم بين الفهم والتفسير – لكيلا نضل المقاييس – دفاعًا عن منطق عصرنا وكرامة عقولنا – بيت العنكبوت).
بينت بنت الشاطئ في مبحث (هذا القرآن) أن تفسير القرآن الكريم ليس أمرًا مباحًا لأي شخص، دون قيد أو شرط، وإنما هناك شروط ملزمة، لا يتهاون العلماء في ضرورتها للمفسر، ولا يجوز لأحد أن يتصدى للتفسير دون استيفائها. ومن أهم هذه الشروط: الدراية بعلوم العربية لغة وبيانًا، وتأتي مع علوم العربية سائر علوم القرآن، مما لا يتصور أن يتصدى مفسر لتأويله وهو يجهل، مثلًا، أسباب نزوله، والمحكم والمتشابه، وقراءاته، ورسم المصحف، إلى غير ذلك. ثم هو في حاجة كذلك إلى الدراية بعلوم الحديث، وعلم التوحيد وأصول الدين، وأحكام الفقه.
وبعد أن أفاضت في عرض وشرح هذه الشروط، أنهت هذا المبحث بقولها:
وحين كانت القضية الكبرى المطروحة على الأمة في صدمتها بالتفوق المادي لحضارة العصر الحديث، هي أن تأخذ بأسباب العلم لتستأنف خطاها من حيث وصلت إليه في العصر القيادي للحضارة الإسلامية، ظهرت محاولة ساذجة لتفسير القرآن تفسيرا عصريًا، نطمئن به إلى أننا سبقنا عصرنا إلى كل ما يتطاول به الغرب علينا من علوم حديثة... ونشد الناس من صميم معركة الوجود والمصير إلى هذه المعركة الجانبية بجدلها المثار حول فهم القرآن وتفسيره.
وبينت بنت الشاطئ في مبحث (القرآن الكريم بين الفهم والتفسير) أن محاولة فهم القرآن لا يمكن أن تتعرض للإنكار أو الرفض إذا كانت من قبيل التماس عطائه المباح لخلق الله، على أن تبقى في نطاقها الخاص المحدود، فلا تتخذ ذريعة إلى انتحال التفسير بغير ضابط ولا قيد. ثم عرضت لبعض وجوه الدقة في النص القرآني، وهي ترد على الدكتور مصطفى محمود في تأويلاته العصرية.
ويُفهم من هذا أن بنت الشاطئ لم تمانع في أن يتحدث المتخصصون في العلوم التجريبية عما يفهمونه من آيات قرآنية تتصل بتخصصاتهم الدقيقة وفق قواعد وضوابط معينة، لكنها في الوقت ذاته ترفض وتستنكر بشدة الاتجاه العلمي في التفسير الذي لا يلتزم بمبادئ التفسير البديهي، ويعمل على تحميل الآيات فوق ما تحتمله دلالتها، ويخرجها عن دائرة التفسير الذي يقوم على فهم لغة القرآن وخصائص أساليبها في التعبير والبيان، ولا يخضع للقواعد والضوابط التي يجب أن يلتزم بها المفسر.
وفي الجملة، فهي ترفض هذا النوع من التفسير الذي يعمد إلى المغالاة والإفراط، ويلوي عنان اللفظ القرآني لتطويعه للنظريات العلمية.
أما القسم الثاني من هذا الكتاب فيحمل عنوان (بين الدراسة القرآنية والتفسير العصري: في المنهج وفي الموضوع)، وذكرت فيه أنه في سنة 1969م ظهر كتابها (مقال في الإنسان: دراسة قرآنية)، بعدها في سنة 1970م ظهر التفسير العصري للدكتور مصطفى محمود في مقالات بمجلة صباح الخير ثم فصولًا في كتاب مطبوع.
تقول الدكتورة بنت الشاطئ:
"ولفتني من أول وهلة ما بين الكتابين من صلة، على التفاوت البعيد بين دراسة قرآنية تخضع لأفق الضوابط المنهجية الصارمة، وبين تفسير عصري يهيم في كل وادٍ، ويضرب في متاهة الغيبيات لا يضبطها أي قيد."
ثم استأذنت بنت الشاطئ قراءها في أن تعرض عليهم ما في هذا التفسير العصري على دراستها القرآنية، استكمالًا لوثائق هذه القضية الخطيرة، وإضاءة لما ينشر باسم التفسير العصري، فبدأت بما بين الكتابين من ناحية المنهج، ثم أردفت ذلك بما بينهما من ناحية الموضوع في مباحث (الغيب – حرية الإنسان – الوجود والعدم – جدل في البعث).
وأما خاتمة كتاب (القرآن والتفسير العصري) للدكتورة بنت الشاطئ فكانت بعنوان (اللهم فاشهد)، وقد لخصت فيها ما قدمت من شرح للقضية.
3-3
وتحدثت بنت الشاطئ في كتابها (قراءة في وثائق البهائية) عن العدد (تسعة عشر) الذي تروج له فرقة البهائية، وقبل أن تقيم نقدها لما كتبه رشاد خليفة الذي يفسر القرآن بالأجهزة العلمية الحاسبة ويروج للعدد (تسعة عشر) ومضاعفاته، تذكر أنها قد أشرفت على دراسة جامعية قامت بها إحدى طالباتها عن (العدد ودلالته القرآنية)، وقد انتهت هذه الدراسة إلى ضوابط عامة لدلالات الأعداد في القرآن الكريم، مجملها:
حيث جاء العدد في آيات الأحكام أو الإخبار من الله تعالى فدلالته رقمية محددة، وبهذه الدلالة كل كسور العدد في القرآن: آيات أحكام.
وحيث جاء في آيات العظة والاعتبار وضرب الأمثال، فبدلالة بيانية تفيد القلة أو التعدد أو الكثرة، وليس بدلالة العدد تحديدًا برقمه.
وأما الأعداد الغيبية فكما جاءت في القرآن الكريم، لا يحل لأحد أن يخوض فيها بتأويل رجما بالغيب.
وقد نبهت بنت الشاطئ على عدد كثير من المغالطات والأخطاء الجسيمة التي سقط فيها رشاد خليفة في كتابه (معجزة القرآن الكريم).
خاتمة
أبانت لنا هذه المقاربة الاستقرائية تلازمية العقل والنقل في كتابات الدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ) في مجال الدراسات القرآنية على تنوع اتجاهاتها الهدائية والأدبية والعلمية.
واعتمدت بنية هذه المقاربة على القراءة الجادة لغالب دراسات بنت الشاطئ القرآنية التي ظهرت فيها العلاقة التفاعلية بين العقل والنقل في الاتجاهات المعاصرة في التفسير، على النحو الذي أبرزته الدراسة.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة