قدمت الحضارة العربية الإسلامية نموذجها الخاص للتعايش الودود بين مكونات المجتمع والدولة؛ وبفضل اتساع رقعة الفتوحات الإسلامية وامتدادها إلى بلدان ومناطق ذات تاريخ حضاري عميق، انفتح المجتمع واتسعت أطرافه وتعددت مكوناته، ثقافيًا وعرقيًا، فضلًا عن البعد العقائدى والديني؛ كان هناك العربي والفارسي والروسي والكردي والهندي والإفريقي؛ ابن الجزيرة العربية والشامي والمصري والرومى، الأبيض والأسود، المسلم والمسيحي واليهودي؛ هذا بخلاف أتباع الديانات الأخرى في بلاد فارس والهند وغيرها.
تم التعايش بين هؤلاء جميعًا، ضمهم المجتمع واستوعبهم؛ تكونت فسيفساء إنسانية واسعة؛ كانوا جميعًا مواطنين في الدولة؛ حتى قبل أن يُعرف مفهوم "المواطنة" بمعناه المعاصر؛ صحيح أن الأمر، كما هو الحال في كل مجتمع، لم يخلُ من بعض الأزمات أو الفتن في أوقات معينة؛ تقع عفويًا نتيجة احتكاك حاد أو على خلفيات اقتصادية، وربما أزمات مفتعلة لأسباب وصراعات سياسية معينة؛ لكن كان ممكنًا تجاوزها باستمرار والوصول إلى حل يقبله الجميع؛ دون شعور طرفٍ بالضيم أو أنه مغلوب على أمره، وكان الرضا والقبول شرطًا لتجاوز الأزمة.
هذه الدرجة من الأريحية الثقافية والمجتمعية لم تولد من فراغ ولا تكونت بشكل عفوي أو عابر؛ لم تكن مصادفة تاريخية واجتماعية؛ بل وقفت خلفها عدة عوامل لا يمكن ولا يصح إغفالها؛ في المقدمة منها إطار نظري عميق وراسخ يتمثل في العديد من الآيات القرآنية الكريمة، معانٍ واضحة تمثل موقفًا عقديًا وإيمانيًا من الصعب الخروج عليه أو عدم الاعتزاز به؛ تتكامل مع هذه الآيات أحاديث نبوية صحيحة معتمدة؛ وهناك إلى جوارها المواقف الحية المباشرة في سيرة رسول الله؛ قام بها النبي محمد – عليه الصلاة والسلام – في وقائع عديدة؛ تمثل تراكمًا وخيطًا متصلًا يتبنى نفس المعاني.. المشترك بين بني البشر.
وقد حاول الخلفاء الأوائل وأمراء المؤمنين الاقتداء بسيرة رسول الله، قدر الإمكان بالإضافة إلى استعداد الدولة ورموزها للاستفادة من خبرات بعض النظم والتقاليد التي وجدوها في البلدان المفتوحة، بلا غضاضة ولا حرج. وجدنا ذلك مع معاوية أبى سفيان في دمشق وبلاد الشام ومع عمرو بن العاص في الفسطاط بمصر وفى الإسكندرية، وكل منهما كان صحابيا جليلا.
في العديد من الآيات القرآنية الكريمة، ما يؤكد على أن الحياة لا تقوم على عنصر أو طرف واحد، حتى بمعيار الأمم، ليست هناك أمة وحيدة متفردة بالكون، بل لابد من التعدد والتنوع، بعبارة أخرى التباين، ويرقى القرآن الكريم بذلك التعدد، فيجعله مشيئة إلهية، أي لابد من احترامها وعدم الوقوف ضدها، بل إن أي محاولة أو تصور بأن هناك أمة واحدة، هو ضد المشيئة الإلهية.
يقول الله تعالى" ولو شاء ربك لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما أتاكم" سورة المائدة، وفى سورة هود "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولايزالون مختلفين.. أي أن الاختلاف سوف يظل قائماً.
وفى سورة النحل "ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدى من يشاء" وفى سورة الشورى "ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة".
لم تقبل المشيئة الإلهية ولا تسمح أن يكون البشر جميعا، أمة واحدة، أي لون واحد.. نسخة مكررة، بل التعدد والتنوع ومن ثم، الاختلاف والمغايرة، رفض الاختلاف والوقوف ضده، هو بمعنى ما وقوف ضد المشيئة الإلهية.. من يتحمل ذلك..؟!
صحيح أن المفسرين الأوائل، بحكم طبيعة زمانهم والأحداث التي مرت بهم، جعلتهم يذهبون في معنى الأمة، أن المقصود بها معيار الإيمان بالله أو عدم الإيمان.. الإيمان في مقابل الكفر.. الهدى في مواجهة الضلال.
وليس هناك ما يحول الآن دون أن نذهب في معنى الأمة وتقسيم الأمم إلى المعانى المعاصرة والمستقرة لمعنى الأمة، حيث تشمل البعد الاجتماعى والحضارى وكذلك الجغرافى، باختصار وجود أمة عظمى وحيدة تسيطر على العالم وعلى الكون، مسألة لا تستقيم مع طبيعة الخلق ومشيئة الخالق سبحانه وتعالى..العالم أكثر من أمة، مجموعة من الأمم، تتعدد وتختلف فيما بينهما، العالم ليس كتلة بشرية مصمتة.
هناك الأبيض والأسود وما بينها، الحار والبارد، الصحراء الافريقية الممتدة والقارة القطبية التعدد حتى على مستوى الطبيعة والمناخ، فما بالنا بالبشر وأحوالهم.
وهناك من تصوروا أن العلاقة بين الأمم المتعددة، تقوم على الصراع، صراع اقتصادى وطبقى، داخل كل أمة، وصراع القوى والضعيف بين الأمم، من هنا عرفنا ظاهرة الاستعمار واحتلال دولة لأخرى أو مجموعة من الدول.
في سورة الحجرات الآية 13 يقول الله تعالى " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا..".
ببساطة التعدد والتنوع، بين الشعوب والأقوام هدفه التعارف ومن ثم التعاون أي العيش معا.. ما يسمى الآن العيش المشترك أو المواطنة.
إذا وضعنا المفهومين معا في ذاكرتنا، إن الأصل في الحياة التعدد والتنوع ، ولن تكون هناك إبادة جماعية على أي أساس.. وهكذا فإن التاريخ العربى كله، والحضارة العربية، لم تعرف يوما ولا شهدت حالة واحدة من تلك التي تسمى وتعرف في التاريخ باسم :الإبادة الجماعية" ولا عرفت ظواهر مثل "العداء للسامية"، أى العداء لجنس بعينه أو فئة بذاتها.
عرف القرن العشرين "الهولوكست" حيث قام النازى بإبادة حوالى 6 مليون يهودى في أفران الغاز، لسبب بسيط أن هناك من اعتقد بأنه لا يجب أن يبقى في هذا العالم سوى أبناء الجنس الآرمى، فجرت المذابح لليهود وجرت محاولة إبادة الفجر في أوروبا، على يد النازى أيضا، ولو قدر له الفوز في الحرب العالمية وحقق نظريته لقام بإبادة أجناس وقوميات أخرى، ما ارتكبه هتلر والنازيون في الحرب العالمية الثانية مجرد مشهد، أتاحت وسائل الإعلام للكثيرين، حول العالم من متابعين بالصورة والصوت والكلمة المكتوبة، لكن هناك قبل ذلك علميات إبادة جرت طوال التاريخ، ما جرى للهنود الحمر في الولايات المتحدة على أيدى المهاجرين أو الوافدين الجدد، مشهد آخر لإبادة جماعية.
ولماذا نذهب بعيدا، ما جرى في غزة بفلسطين المحتلة، طوال قرابة أكثر من عامين، من أكتوبر 2023 على أيدى حكومة بنامين نتنياهو، هو في نهاية الأمر مشروع إبادة جماعية لأهل فلسطين، السكان الأصليين، تؤمن حكومة بنيامين نتنياهو أنه لا يصح وجود أي إنسان غير يهودى على أرض فلسطين، وتطرح خيار الهجرة الجماعية فإن لم يكن، تحضر الإبادة الجماعية.
الذين مارسوا الإبادة الجماعة أو حاولوا القيام بها طوال التاريخ، كان يقف وراءهم خلفية فكرية ونظرية، تقترب من الإيمان والاعتقاد الدينى أنه لا مكان على الكوكب للأغيار المختلفين عنهم في اللون والجنس واللغة والدين، النظريات العنصرية والعرقية سيطرت على بعض المفكرين الألمان قبل ظهور هتلر، بعض المنظرين للصهيونية رددوا علنا أنه لايصح بقاء عربى - فلسطينى على أرض فلسطين!!
المعنى المهم الذى يدحض الروح العنصرية، ينطلق من مفردة لتعارفوا التي وردت في الآية القرآنية الكريمة، وهى تحدد العلاقة بين الأمم، وهى رد مبكر على النظرية التي ذاعت منذ نهاية الثمانينات حول مفهوم صراع الحضارات هذه النظرية التي سيطرت على القوة العظمى سنوات وسنوات، وفتحت الباب أمام حروب عديدة، مرهقة ومكلفة، في العراق وفى أفغانستان وسواهما، قامت الحرب بمنطق صراع الحضارات، الذي يجب أن يسود، لننتصر-كما حكموا في النهاية حضارة وثقافة واحدة، تكون هي المسيطرة وتقوم بسحق وإلغاء الحضارات الأخرى.
ولم يكن غريبا في ظل تلك النظرية أن يعم التبشير بالعولمة وارتفاع وتيرة الإسلاموفوبيا.
العولمة في جوهرها تعنى سيادة خط واحد من السلوك والثقافة والفكرة، العادات حول العالم كله، محلات الوجبات السريعة في نيويورك ينبغي أن تكون لها فروع في كل مكان، من الصين إلى الهند وحتى إفريقيا، وهكذا بالنسبة للأزياء والملابس، فضلا عن سائر العادات الأخرى، المشكلة أن بعض الأنماط التي بشرت بها العولمة تصطدم مع ثقافات وقيم أخرى في مناطق مختلفة حول العالم، مثل محاولة شرعنة اللواط والشذوذ الجنسى، تحت مسمى "المثلية الجنسية"، تغير شكل الأسرة لتكون "أحادية الجنس" أي لا تقوم على آدم وحواء، بل يصبح طرفا الأسرة من جنس واحد.
في هذه العولمة تشن الحروب على من يرفض قواعدها وقوانينها .. من هنا انتشرت الحروب والنزاعات حول العالم.
دعاة العولمة وصراع الحضارات، رغم أنهم ينطلقون من خلفيات تبدو ليبرالية، لكنهم في الجوهر لا يؤمنون بالتعدد والتنوع الإنسانى، تعدد الأمم والثقافات والحضارات، عندهم أن هناك أمة واحدة وحضارة واحدة، وهذا هو الخلاف الجوهرى مع الثقافة والحضارة العربية التي تقوم على التعدد وتراه مشيئة إلهية.
وقد يتصور البعض أن التعدد والتنوع كما ورد في الآيات القرآنية، يتعلق بالأمم فقط، غير أنه يرتبط ويمتد إلى داخل كل مجتمع، فيما يتعلق بحرية الاختيار لكل فرد.. هذا حق أصيل وأساسى للإنسان، في سورة الكهف نقرأ قول الله تعالى "وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر".
عديدة وكثيرة الآيات القرآنية التي تقر للإنسان حق الاختيار، وإذا كان حق وحرية الاختيار مكفولة فيما يتعلق بالإيمان بالله تعالى، فما بالنا بالقضايا الأخرى التي هي - بلا شك - دون ذلك؟!
حق الاختيار يبين الإيمان والكفر على مستوى الفرد الواحد. يعنى الاعتراف والإقرار بالاختلاف والتعدد داخل المجتمع، الاختلاف المحمود الذي لا يصبح استقطابا وحربا أهلية، ومن ثم فإن من يتصورون أن المجتمع بكل أفراده يجب أن يكونوا نسخة واحدة مكررة، آلاف أو ملايين المرات، ويحاولون فرض ذلك بالقوة على المجتمع هم في الواقع لا يحترمون المشيئة الإلهية، كما أقرتها النصوص القرآنية، بل يعتدون عليها.
والحق أن منح الإنسان حق الاختيار متسق مع مبدأ الثواب والعقاب ومع قاعدة الحساب أمام الله يوم القيامة.. حيث يقف الإنسان أمام الديان وحيدا، منفردا، يسأل فقط عما قام به وما قدمت يداه من خير أو شر، لن يصطحب الإنسان معه بقية قومه ولا أقاربه ولا حتى أفراد أسرته، الزوجة والأبناء.. يحاسب وحده، كما ولد وحيدا، يرحل وحيدا ويحاسب وحيدا، وإذا لم يكن لديه حرية حق الاختيار فلا معنى ولا مبرر للمحاسبة.
حين يمنحنا الله حق الاختيار وحق اتخاذ القرار، وحين تكون هناك أمم متعددة، ومتباينة، فذلك هو التنوع والتعدد، الذي يفرض ضرورة المعايشة ومن ثم المواطنة والعيش المشترك.
أما كيف عكست الأحاديث النبوية ذلك كله وكيف مارسها رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلا في حياته وفى أداء الرسالة، كما ورد في كتب السيرة، فإن ذلك يحتاج مقالا وربما مقالات أخرى.