في بيته الصغير بأسوان، لم تكن هناك جامعة تفتح أبوابها، ولا قاعات محاضرات تنتظره، لكن كانت هناك مكتبة… رفوفٌ ممتلئة بكتبٍ صارت أساتذته الحقيقيين. من هناك بدأ الطريق الذي صنع اسم الأديب والمفكر الكبير عباس محمود العقاد، الرجل الذي لم يتجاوز تعليمه الشهادة الابتدائية، لكنه صار لاحقًا «موسوعة تمشي على قدمين».
وفي مثل هذا اليوم، 12 مارس، نستعيد ذكرى رحيل «صاحب العبقريات»، الذي خاض معركته مع الجهل بالسلاح الوحيد الذي آمن به وهو القراءة، فحوّل شغفه بالمعرفة إلى مشروع فكري وأدبي ضخم، كسر به قيود الشهادات الرسمية، وكتب اسمه بين كبار أدباء ومفكري القرن العشرين في العالم العربي.
الميلاد والنشأة
ولد عباس محمود العقاد بمحافظة أسوان في 28 يونيو عام 1889، ودرس في مدرسة أسوان الأميرية، وحصل على شهادة الابتدائية عندما كان في الرابعة عشرة من عمره، واقتصر تعليمه على هذه المرحلة فقط؛ لعدم توافر المدارس في أسوان.
«العقاد» معلم نفسه الأول
لم ييأس «العقاد» ، واعتمد على ذكائه الشديد وقدرته على التعلم، فعلم نفسه كل شىء، حيث أتقن اللغة الإنجليزية من مخالطة السائحين الذين يقومون بزيارة الأقصر وأسوان؛ ما مكنه من الاطلاع على الثقافات الغربية.
وتقلد «العقاد» الكثير من المناصب،حيث كان عضو في مجلس النواب المصري، وعضو في مجمع اللغة العربية، ولم يتوقف إنتاجه الأدبي بالرغم من الظروف القاسية التي مر بها؛ حيث كان يكتب المقالات ويرسلها إلى مجلة فصول، كما كان يترجم لها بعض الموضوعات، ويعد أحد أهم كتاب القرن العشرين في مصر.
«العقاد» يضيف للمكتبة العربية أكثر من مائة كتاب في مختلف المجالات
وساهم «العقاد» بشكل كبير في الحياة الأدبية والسياسية، وأضاف للمكتبة العربية أكثر من مائة كتاب في مختلف المجالات، ونجح في الصحافة، ويرجع ذلك إلى ثقافته الموسوعية، فقد كان يكتب شعرًا ونثرًا على السواء، وظل معروفًا عنه أنه موسوعي المعرفة، يقرأ في التاريخ الإنساني والفلسفة والأدب وعلم الاجتماع.
التحق «العقاد» بعمل كتابي بمحافظة قنا، وتتلمذ على يد المفكر والشاعر الأستاذ الدكتور محمد حسين محمد، وعمل أيضًا بوظائف كثيرة منها المديريات، ومصلحة التلغراف، ومصلحة سكة الحديد، وديوان الأوقاف، واستقال منها واحدة بعد واحدة.
مل «العقاد» من العمل الروتيني، فعمل بمصلحة البرق، ولكنه لم يعمر فيها كسابقتها، فاتجه إلى العمل بالصحافة، واشترك مع محمد فريد وجدي في إصدار صحيفة الدستور، وكان إصدارها فرصة له كي يتعرف بسعد زغلول ويؤمن بمبادئه.
توقفت الصحيفة بعد فترة، فاضطر إلى إعطاء بعض الدروس ليحصل على قوت يومه، وكان يكتب المقالات ويرسلها إلى مجلة فصول، كما كان يترجم لها بعض الموضوعات، واشتهر بمعاركه الأدبية والفكرية مع الشاعر أحمد شوقي، والدكتور طه حسين، والدكتور زكي مبارك، والأديب مصطفى صادق الرافعي، والدكتور العراقي مصطفى جواد، والدكتورة عائشة عبد الرحمن، كما اختلف مع الشاعر عبدالرحمن شكري، وأصدر كتاب من تأليفه مع المازني بعنوان «الديوان»، هاجم فيه أمير الشعراء أحمد شوقي، وكتب تسعة دواوين في الفترة من عام 1916م إلى عام 1950م
ترجمات للغات عديدة
ترجمت بعض كتب «العقاد» إلى اللغات الأخرى، فترجم كتابه المعروف «الله» إلى الفارسية، ونقلت «عبقرية محمد» و«عبقرية الإمام علي»،«عبقلاية عمر» وأبو الشهداء إلى الفارسية والأردية والملاوية، كما تُرجمت بعض كتبه إلى الألمانية والفرنسية والروسية، وأطلقت كلية اللغة العربية بالأزهر اسم العقاد على إحدى قاعات محاضراتها، وسمي باسمه أحد أشهر شوارع القاهرة، وهو شارع عباس العقاد الذي يقع في مدينة نصر.
كتب «العقاد» تسعة دواوين في الفترة من عام 1916م إلى عام 1950م، وألف 75 كتابًا من أصل نحو 100 كتاب ونيف ألفها، ونحو 15 ألف مقال أو تزيد مما يملأ مئات الكتب الأخرى.
«العقاد» يحصل على جائزة الدولة التقديرية في الآداب ورفض الدكتوراة الفخرية
ومنح الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، المفكر الكبير الأديب عباس العقاد جائزة الدولة التقديرية في الآداب، ولكنه رفض تسلمها كما رفض الدكتوراة الفخرية من جامعة القاهرة، أسس «مدرسة الديوان» بالتعاون مع إبراهيم المازني وعبد الرحمن شكري، وكانت هذه المدرسة من أنصار التجديد في الشعر.