الأربعاء 18 مارس 2026

مقالات

بهجة الصاجات

  • 18-3-2026 | 11:50
طباعة

لا شك أن أغلب مناسبات المصريين وهويتهم ترتبط بأكلات ذات نكهات خاصة؛ بدءاً من "حلاوة المولد"، مروراً بـ "شم النسيم" الذي تزدهر فيه تجارة الأسماك المملحة والليمون، وصولاً إلى "عيد الأضحى" المقترن بلحم الضأن والذبح في الخيام.

أيام قليلة ويحتفل المصريون بعيد الفطر المبارك؛ تلك المناسبة التي ننتظرها جميعاً لنودع شهر رمضان الكريم، ونستقبل أول أيام العيد وسط التكبير ات في المساجد، ممتزجة بـ "الشاي بالحليب" بمذاق الكحك والبسكويت، ذلك الطعام مصري الأصل والجذور.

وفي أواخر شهر رمضان، كان الأهل والجيران يجتمعون لصناعته بشكل احترافي حول "الطبلية" المثبتة عليها ماكينة البسكويت اليدوية وحولها الصاجات الضخمة، في مشهد يجسد أسمى معاني الحب والمودة؛ حيث تتبادل العائلات أطباق الحلوى طوال أيام العيد لتصبح مصدر سعادة للجميع. وبالطبع، لا يكتمل المشهد دون الأطفال الذين ينتظرون "العيدية" من الأعمام والأخوال، ومن الضيوف والأهل والجيران وحتى العرسان الجدد. ومع مرور الوقت، بدأت هذه العادة في التراجع، واتجه الكثيرون لشراء المنتج الجاهز من محلات الحلويات الشهيرة أو الأفران، كلٌّ حسب طبقته الاجتماعية وظروفه الاقتصادية، وهي المحلات التي -رغم تنوعها- تفتقد روح المحبة ورصيد القرب.

لكن هذا العام بالتحديد، شهدنا إقبالاً لافتاً، وخاصة من الشباب، على إحياء تلك العادة التراثية الأصيلة؛ فازدحمت الأفران بالأسر التي قررت العودة إلى "طبلية الكحك". فبرغم ضغوط الحياة وإيقاعها السريع، يبدو أن هناك حنيناً جارفاً لـ "اللمة" وما تحمله من روائح وطقوس تعيد صياغة مفهوم السعادة البسيطة، ولعل بعض الأعمال الدرامية قد جسدت تلك الاحتفالات التي لمست قلوبنا جميعاً مثل "ليالي الحلمية"و"الشهد  والدموع  "و"رمضان كريم "و"عسل اسود ". لقد تحولت الأفران في الأيام الأخيرة من رمضان إلى "خلايا نحل"، وليست العملية مجرد تسوية للعجين، بل هي استرداد حقيقي لمساحات المودة والجيرة التي كادت تبتلعها العزلة الرقمية.

وهكذا يثبت الكحك المصري أنه ليس مجرد حلوى موسمية؛ إنه "شفرة" أصيلة ولغة تواصل عابرة للأجيال، تعيد ترتيب علاقاتنا الإنسانية في عالم كاد ينسى معنى المشاركة، لتظل صاجات العيد هي الشاهد الأجمل على صمود هويتنا وتلاحم بيوتنا.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة