يحتفل الأردنيون في الحادي والعشرين من مارس من كل عام بعيد الأم، وهي مناسبة اجتماعية وإنسانية تحمل طابعا خاصا، إذ تتزامن مع أول أيام فصل الربيع، بما يرمز إلى العطاء والتجدد والمشاعر الدافئة، وتعد واحدة من أبرز المناسبات التي يحرص المجتمع على إحيائها تقديرا لدور الأم في الأسرة وبناء الأجيال.
ويعود أول احتفال بعيد الأم في الأردن إلى عام 1957، أي قبل نحو 69 عاما، حيث تبنت المملكة هذه المناسبة بعد عام واحد فقط من انطلاقها في مصر، لتصبح تقليدا سنويا راسخا يحتفل به الأردنيون من خلال تقديم الهدايا والزهور وزيارة الأمهات، تعبيرا عن الامتنان لما يقدمنه من تضحيات على مدار حياتهن.
وترتبط نشأة عيد الأم في العالم العربي بقصة إنسانية مؤثرة في مصر، حين زارت إحدى الأمهات الصحفيين الراحلين مصطفى أمين وشقيقه علي أمين، مؤسسي صحيفة أخبار اليوم، وروت معاناتها بعد أن كرست حياتها لتربية أبنائها عقب وفاة زوجها، ولم تتزوج مرة أخرى حتى كبروا وتخرجوا في الجامعات واستقلوا بحياتهم، قبل أن ينصرفوا عنها.
وقد أثرت هذه القصة في الشقيقين، فطرحا في عمودهما الشهير "فكرة" مقترحا بتخصيص يوم سنوي للاحتفاء بالأم ورد الجميل لها، وهو ما لاقى صدى واسعا في المجتمع المصري، ليتم الاحتفال بأول عيد أم في مصر عام 1956، ثم ينتشر لاحقا في مختلف الدول العربية في التاريخ ذاته، الموافق 21 مارس من كل عام.
ورغم توحد الموعد في الدول العربية، فإن الاحتفال بعيد الأم يختلف عالميا من حيث التوقيت، إذ تعود جذوره الحديثة في الولايات المتحدة إلى مبادرة آنا جارفيس التي أطلقتها في أوائل القرن العشرين، قبل أن يتحول إلى مناسبة رسمية يتم الاحتفال بها في تواريخ مختلفة من دولة لأخرى، بينما بقى ارتباطه في العالم العربي ببداية فصل الربيع لما يحمله من دلالات رمزية على الصفاء والنماء.
ولا يقتصر عيد الأم على كونه مناسبة احتفالية، بل يعكس تقديرا متزايدا لدور المرأة في المجتمع، وهو ما يتقاطع مع مسار واضح يشهده الأردن خلال السنوات الأخيرة في مجال تمكين المرأة وتعزيز حضورها في مختلف القطاعات.
فقد شهدت المملكة تقدما ملحوظا في الإطار التشريعي، من خلال تعديل المادة السادسة من الدستور بما يؤكد التزام الدولة بتمكين المرأة وضمان تكافؤ الفرص وحمايتها من جميع أشكال العنف والتمييز، إلى جانب إدخال إصلاحات على قوانين الانتخاب والأحزاب والإدارة المحلية، أسهمت في توسيع مشاركة النساء في الحياة السياسية، حيث تم تخصيص 18 مقعدا للنساء ضمن القوائم المحلية، وإلزام الأحزاب بنسبة تمثيل لا تقل عن 20%، فضلا عن رفع نسبة الكوتا في المجالس المحلية إلى 25%.
كما تعززت الجهود المؤسسية بإقرار قانون اللجنة الوطنية الأردنية لشؤون المرأة ومنحها استقلالا ماليا وإداريا، بما يدعم دورها في تنسيق السياسات الوطنية المتعلقة بتمكين المرأة، بالتوازي مع إدخال تعديلات مهمة على قانون العمل، شملت تجريم التحرش وحظر التمييز وإقرار مبدأ الأجر المتساوي، إلى جانب توفير بيئة داعمة للمرأة العاملة من خلال إلزام بعض المؤسسات بإنشاء حضانات، وتحسين مزايا تأمين الأمومة ضمن قانون الضمان الاجتماعي.
وامتدت هذه الإصلاحات إلى المجال الاقتصادي، حيث تم تعزيز تمثيل المرأة في مجالس إدارة الشركات بنسبة لا تقل عن 20%، إلى جانب إطلاق سياسات داعمة مثل العمل المرن والحماية الاجتماعية، فضلا عن إدراج تمكين المرأة كأحد المحاور الرئيسية في رؤية التحديث الاقتصادي للأعوام 2023–2033، والتي تستهدف زيادة مشاركتها في سوق العمل وتعزيز دورها في الاقتصاد الوطني.
وتعكس المؤشرات الحديثة تقدما ملموسا في هذا المسار، إذ ارتفعت نسبة تمثيل المرأة في مجلس النواب إلى 19.6% بعد فوز 27 سيدة في انتخابات 2024، كما زادت نسبة تمثيل النساء في المجالس المحلية إلى 25%، فيما بلغت نسبة مشاركتهن في الأحزاب السياسية نحو 44% في عام 2025، بالتوازي مع تحسن ترتيب الأردن في المؤشرات الدولية ذات الصلة بالمساواة بين الجنسين.
وبذلك، يجسد عيد الأم في الأردن مناسبة تتجاوز البعد الرمزي، لتعكس واقعا متطورا لدور المرأة ومكانتها في المجتمع، يجمع بين التقدير الاجتماعي المتجذر، والتقدم المؤسسي المتواصل نحو تمكينها في مختلف المجالات.