حذّر معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (سيبري) من تزايد التحديات المرتبطة بتنظيم تصدير تقنيات الذكاء الاصطناعي، في ظل تنامي استخدامها في الأنظمة العسكرية والأمنية حال الإفراط في استخدامها بشكل مطلق دون تدخل بشري، وسط منافسة جيوسياسية متصاعدة على ريادة هذه التكنولوجيا.
وأوضح المعهد - في دراسة حديثة - أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي وبيانات التدريب والنماذج المتقدمة أصبحت تُستخدم بشكل متزايد في تطوير أنظمة تسلحية ومعلوماتية ما يدفع الدول إلى البحث عن آليات حوكمة تقلل المخاطر الأمنية الرقمية وتحافظ في الوقت نفسه على تفوقها في مجالات التقنية الرقمية المتقدمة وتطبيقاتها الحساسة وبخاصة إذا تم الاعتماد عليها فقط دون العنصر البشري.
ونوه التقرير بوجود فجوات في الأطر الدولية الحالية التي تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي في المجالين العسكري والأمني، في ظل غياب معايير واضحة تحدد التطبيقات التي قد تنطوي على مخاطر كبيرة، مثل استخدامه في الأسلحة ذاتية التشغيل أو أنظمة اختيار الأهداف.
وأشار التقرير إلى أن ضوابط التصدير تُعد من أبرز الأدوات المستخدمة لتنظيم نقل التقنيات الحساسة، خاصة تلك ذات الاستخدام المزدوج المدني وغير المدني، إلا أن تطبيق هذه الضوابط على تقنيات الذكاء الاصطناعي لا يزال - وفقا لتقرير معهد ستوكهولم - يواجه صعوبات بسبب الطبيعة المعقدة لهذه التكنولوجيا واعتمادها على برمجيات وبيانات غالباً ما تكون متاحة بشكل مفتوح أو متعددة الاستخدامات.
وفى هذا السياق.. يبرز أهمية ما يعرف بترتيب فاسنار (Wassenaar Arrangement) الذي يعد وفق تقرير "سيبري" أحد أبرز الأطر الدولية متعددة الأطراف لتنظيم تصدير الأسلحة التقليدية والتقنيات ذات الاستخدام المزدوج، أي تلك التي يمكن توظيفها في الأغراض المدنية وغير المدنية على حد سواء، وذلك بهدف تعزيز الأمن والاستقرار الدوليين ومنع انتقال التكنولوجيا الحساسة إلى جهات قد تسهم في زعزعة الاستقرار.
وقد تأسس ترتيب فاسنار عام 1996 في مدينة فاسنار الهولندية، ويضم 42 دولة من بينها الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي واليابان وكندا وأستراليا، وهو لا يُعد معاهدة ملزمة قانونياً بل آلية تعاون طوعي تتفق من خلالها الدول المشاركة على قوائم بالمواد والتكنولوجيات التي تستوجب مراقبة تصديرها.
ويغطي هذا الترتيب الأسلحة التقليدية مثل الطائرات العسكرية وأنظمة الدفاع، إضافة إلى مجموعة واسعة من التقنيات المتقدمة ذات الاستخدام المزدوج، بما في ذلك البرمجيات المتطورة وتقنيات الاتصالات والتشفير وأجهزة الاستشعار والليزر وأشباه الموصلات وبعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي ومعدات المراقبة السيبرانية.
وتكمن أهمية هذا الإطار في الحد من انتشار التكنولوجيا التي قد تُستخدم في النزاعات المسلحة أو انتهاكات حقوق الإنسان، وتعزيز الشفافية في تجارة الأسلحة، ودعم الاستقرار الإقليمي والدولي، فضلاً عن تقليل مخاطر وصول التقنيات المتقدمة إلى جماعات مسلحة غير شرعية أو جهات خاضعة لعقوبات دولية، وهو ما يكتسب أهمية متزايدة مع التوسع فى استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعى فى مجالات الأمن والدفاع.
وأوضح المعهد أن خوارزميات التعلم الآلي، ولا سيما تقنيات التعلم العميق التي تقوم عليها النماذج اللغوية الكبيرة، تمثل مكونا أساسيا في تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة.
ولفت التقرير إلى أن قوائم ضوابط التصدير الدولية، مثل تلك المرتبطة بترتيبات "فاسنار"، تشمل البرمجيات والتكنولوجيا التي يمكن استخدامها في تطوير معدات عسكرية، إلا أن تحديد ما إذا كانت خوارزميات الذكاء الاصطناعي أو بيانات التدريب تندرج ضمن هذه الضوابط يظل مسألة خاضعة للتفسير، مما يخلق تحديات أمام الشركات والمطورين للامتثال لمتطلبات التراخيص. وأكد تقرير "سيبري" أن نقل تقنيات الذكاء الاصطناعي غالباً ما يتم بشكل غير ملموس عبر الوسائط الرقمية، ما يصعّب عملية الرقابة والتنفيذ من جانب السلطات الوطنية، ويستلزم تطوير أدوات تدقيق متقدمة، بما في ذلك تقنيات التحليل الجنائي الرقمي، للكشف عن أي انتهاكات محتملة.
وفي سياق متصل بهذه المخاطر، رصدت الأوساط التقنية تصاعداً في القلق الشعبي تجاه المنصات التجارية للذكاء الاصطناعي، حيث انطلقت حملات واسعة تدعو لمقاطعة تطبيق "ChatGPT" تحت شعار "QuitGPT".
وقد اكتسبت هذه الحملة زخماً كبيراً بعد تقارير كشفت عن تورط المنصة في تسريب بيانات حساسة تخص مواقع ومؤسسات حكومية رسمية، نتيجة دمج استفسارات المستخدمين والوثائق المرفوعة ضمن خوارزميات التدريب العامة.
واعتبر الخبراء أن هذه الحوادث تمثل انتهاكاً صارخاً لخصوصية المستخدمين وسيادة الدول على معلوماتها الحساسة، حيث نجحت الحملة في دفع الملايين لإلغاء اشتراكاتهم احتجاجاً على هذا الخرق الأمني.
ودعا معهد "سيبري" إلى تعزيز الوضوح والشفافية في تطبيق ضوابط التصدير لتكنولوجيا وبرامج الذكاء الاصطناعي، ووضع إرشادات أكثر دقة بشأن الحالات التي تستوجب فرض قيود مشددة، إضافة إلى إدراج تقنيات حساسة جديدة ضمن قوائم الرقابة الدولية.