جاءت الغارات الإسرائيلية على لبنان، أمس، الأعنف منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية الأمريكية – الإيرانية في 28 فبراير الماضي، في ظل لحظة كاد العالم أن يلتقط فيها أنفاسه بعد إعلان وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران وبدء مسار المفاوضات للتوصل إلى حل نهائي للصراع، حيث أكد مراقبون أن هذه الاعتداءات تهدد المنطقة وقد تفشل مسار المفاوضات الأمريكية الإيرانية.
مفاوضات إيران وأمريكا
وتستضيف العاصمة الباكستانية إسلام آباد، غدًا الجمعة، الوفدين الأمريكي والإيراني لعقد جلسة من المفاوضات بعد التوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار بين الجانبين، والذي بدأ تطبيقه أمس لمدة أسبوعين.
وفي تصريحات له اليوم، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إن إسرائيل ستواصل ضرب حزب الله "حيثما لزم الامر"، حسب قوله، مضيفا: "رسالتنا واضحة: أي شخص يتحرك ضد المدنيين الإسرائيليين، سنضربه. سنواصل استهداف حزب الله حيثما لزم الأمر، حتى نعيد الأمن بشكل كامل إلى سكان الشمال في إسرائيل"، وفقاً لتعبيره.
وقال البيت الأبيض إن لبنان ليس جزءًا من اتفاق وقف إطلاق النار مع طهران، وهو الأمر الذي نفاه الجانب الإيراني، حيث قال رئيس البرلمان الإيراني محمد قاليباف، في تصريح له، إن ثلاثة من أصل عشرة بنود في الإطار الذي اتفقت عليه الولايات المتحدة وطهران قد انتُهكت، وبالتالي فإن وقف إطلاق النار الثنائي أو المفاوضات غير معقول.
وأوضح أن أول انتهاك يتعلق بوقف إطلاق النار في لبنان، وهو التزام ذكره رئيس الوزراء الباكستاني في بيانه الذي أعلن فيه وقف إطلاق النار، أما الانتهاك الثاني تمثل في دخول طائرة مسيرة إلى المجال الجوي الإيراني، أما الثالث فكان تصريح ترامب الذي ينفي "حق إيران في التخصيب، وهو حق ورد في البند السادس من الاتفاقية الإطارية".
وأفادت الوكالة الوطنية اللبنانية الرسمية للإعلام، عن وقوع أكثر من 10 قتلى في غارة إسرائيلية على بلدة الزرارية جنوب لبنان، فيما استمرت الغارات الإسرائيلية على قرى الجنوب منذ الصباح، وتحديداً في ثرى مرجعيون والدوير وبنت جبيل والقاسمية والخيام وحبوش ودير الزهراني، كما قصف الجيش الإسرائيلي فجر اليوم حيّ الشياح في الضاحية الجنوبية، وأدّت الغارة إلى دمار كبير في ثلاث مبان سكنية، وفق ما ذكرت وكالة الأنباء الرسمية.
وفي آخر إحصائية لعدد المصابين جراء العدوان الإسرائيلي على بيروت أمس، أوضحت وزارة الصحة اللبنانية أن «حصيلة الشهداء 203 وأكثر من 1000 جريح في العدوان على لبنان الأربعاء».
جرائم حرب
ويقول السفير صلاح حليمة، مساعد وزير الخارجية الأسبق، إن الغارات الإسرائيلية على لبنان، تمثل استمرارًا في ممارسة الاعتداءات غير المشروعة التي تنتهك سيادة دولة لبنان، وأيضًا انتهاكًا للقوانين والمواثيق والاتفاقات الدولية ذات الصلة، موضحا أن هذه الاعتداءات تعد انتهاكًا وعدوانًا يستوجب الإدانة والرد من جانب المجتمع الدولي، إلى جانب أنها تشكل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وقد يصل إلى حد الإبادة الجماعية.
وأضاف حليمة، في تصريح لبوابة "دار الهلال"، أن هذا الأمر يستدعي أن يكون هناك تحرك إقليمي ودولي، خاصة من جانب الدول العربية، وكذلك المجتمع الدولي، مشيرا إلى أنه على الولايات المتحدة الأمريكية تحديدًا أن تتخذ خطوة إيجابية نحو وقف الاعتداء، في ظل كون لبنان جزء من الاتفاق بين طهران وواشنطن لوقف إطلاق النار.
وأوضح أن مقترح الاتفاق بين واشنطن وطهران يتضمن هدنة لمدة أسبوعين، ووفقا لما أعلن فإن لبنان أيضًا أو جبهات المنطقة، تدخل ضمن هذه الهدنة، إلا أن إسرائيل انفردت بالادعاء بأن لبنان خرق هذا الاتفاق الخاص بالهدنة، مشيرا إلى أن استمرار التصعيد والاعتداءات هو انتهاك لكافة القوانين والمواثيق والاتفاقات الدولية ذات الصلة ويدخل المنطقة إلى حلقة مفرغة من الاعتداء.
وأكد ضرورة أن تكون هناك وقفة مع الولايات المتحدة الأمريكية من قبل الأطراف القائمة على عملية الوساطة، وأن يتم إدراج ما يجري في لبنان ضمن إطار الهدنة بين واشنطن وطهران، خاصة في ظل سقوط العديد من الضحايا من أبناء الشعب اللبناني، وكثرة أعداد الجرحى، فضلًا عن ما لحق بالبنية التحتية والمباني والمنشآت والمؤسسات في لبنان من تدمير، وهو ما يُعد جرائم حرب يُعاقب عليها.
وعن مسار المفاوضات المرتقبة غدًا في باكستان بين واشنطن وطهران، أكد أن الدول التي تقوم بالوساطة، وهي مجموعة عربية إسلامية تضم مصر وباكستان وتركيا، تؤدي دورًا محوريًا، سواء فيما يخص الهدنة في إيران هذا الملف أو فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وهي وساطة فعالة وإيجابية وبناءة، وتوصلت إلى نتيجة تتمثل في الاتفاق على هدنة لمدة أسبوعين، وهناك جدية في مواقفها نحو مواصلة هذه الجهود للتوصل إلى تحقيق سلام دائم وشامل في منطقة الشرق الأوسط، وخاصة فيما يتعلق بإيران ومنطقة الخليج، من خلال وقف الاعتداءات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، وكذلك على دول المنطقة.
وشدد على أن ذلك يجب أن يشمل جبهات أخرى مثل لبنان والعراق، وهناك أيضًا محاولة لضبط أي تحرك سلبي من جانب الحوثيين في اليمن، وما قد يؤثر على حركة الملاحة في منطقة البحر الأحمر، وبما يتيح فرصة لرفع أي قيود أو اضطرابات في مضيق هرمز، باعتبار أن كلا المنطقتين لهما تأثير حيوي ومهم على أمن الطاقة والأمن الغذائي والأمن المائي، وبالتالي على حركة الملاحة والتأمين والشحن.
ولفت إلى أن أي اضطرابات في المناطق تُصيب اقتصادات دول المنطقة، بل والاقتصاد العالمي، بهزات قوية سلبية تؤثر على حياة ومعيشة الكثير من أبناء دول المنطقة، بل ودول العالم أجمع.
إفشال الهدنة واستمرار التصعيد
ويقول الدكتور حسن سلامة، أستاذ العلوم السياسية، إن ما حدث منذ أمس من غارات إسرائيلية عنيفة على لبنان تؤثر بالقطع على سير المفاوضات الإيرانية الأمريكية، مؤكدا أن هذه العمليات في الأصل تُنفذ بهدف التأثير على تلك المفاوضات، في ظل رؤية إسرائيل التي تقوم على أنه ليس في صالحها بأي حال من الأحوال أن تتم أي تسوية بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية.
وأضاف سلامة، في تصريح لبوابة "دار الهلال"، أن تل أبيب ترى أن إطالة أمد المواجهات يحقق لها عدة مكاسب؛ فمن ناحية يؤدي إلى استنزاف الولايات المتحدة، ومن ناحية أخرى يضعف إيران ويُحدث خلخلة في التوازن الاستراتيجي في المنطقة، مشيرا إلى أن هذا ما أشار إليه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عندما صرّح بأن إسرائيل تمثل القوة المهيمنة إقليميًا وعالميًا.
وأوضح أن هناك العديد من المحاذير والمخاوف من أن هذه المفاوضات بين طهران وواشنطن، التي لم تبدأ فعليًا بعد، قد لا تُستكمل، إذ إن المفاوضين، حتى الآن، يواجهون صعوبة في نزع فتيل الأزمة والإعلان عن وقف إطلاق النار أو وقف العمليات العسكرية، مشيرا إلى أن هناك إشكالية كبيرة تتمثل في أن الهدنة قائمة على تناقضات، وليست على توافقات.
ولفت إلى أن الجانبين الأمريكي والإيراني كل طرف منهما يطرح شروطًا يراها تحقق مصلحته من وجهة نظره، بينما يرفضها الطرف الآخر، فالولايات المتحدة ترى أنها صاحبة الحق في فرض الشروط، بينما ترى إيران أنها الطرف الذي صمد ويجب أن يضع شروطه، وكل طرف يسعى للوصول إلى أقصى قدر من المكاسب، وهو أمر طبيعي في المفاوضات.
وأكد أنه إذا توفرت الإرادة السياسية للوصول إلى تسوية، فمن الممكن بالفعل تحقيق ذلك، أما في حال غياب هذه الإرادة، فإن الأمور قد تتجه نحو التعقيد، مشيرا إلى أنه رغم الحديث السابق عن إدراج لبنان ضمن إطار الاتفاق، جرى التراجع والقول بأنه خارج نطاق الهدنة، وهذا يعكس وجود نية مبيتة لإتاحة الفرصة لإسرائيل للتوسع، ليس فقط في الأراضي المحتلة، بل أيضًا في أراضي دول ذات سيادة، وفي الوقت ذاته ممارسة ضغوط على إيران للحصول منها على أكبر قدر ممكن من التنازلات، وهو ما قد يؤدي في النهاية إلى انفجار الأوضاع وعودة العمليات العسكرية من جديد.
وأشار إلى أن ما يحدث في لبنان هو عمل متعمد من جانب إسرائيل لإفشال الهدنة وقطع الطريق على أي تسوية، خاصة في ظل ما أعلنته إيران من استعدادها لاتخاذ إجراءات تصعيدية، مثل التهديد بإغلاق مضيق هرمز، وهو ما يمثل أحد أبرز الهواجس الأمريكية، موضحا أن إيران أعلنت استعدادها للعودة التصعيد في حال دعت الظروف لذلك وأن "أصابعها على الزناد"، ما يعني أن العالم قد يجد نفسه مرة أخرى على حافة توتر شديد، ويظل السبب الرئيسي في ذلك، الدور الإسرائيلي، الذي سبق أن حرّض على المواجهات، ويواصل الدفع نحو استمرارها، بما يعرقل أي مسار للتسوية في الوقت الراهن.
وشدد على أهمية الجهود الكبيرة والمخلصة التي تبذلها مصر مع الدول الإقليمية، مثل باكستان وتركيا، وهو ما يحظى باعتراف دولي، بما في ذلك من جانب دول الاتحاد الأوروبي، حيث أسهم هذا الدور في إعطاء زخم حقيقي للتوصل إلى وقف إطلاق النار، مؤكدا أن الرئيس عبد الفتاح السيسي عبر في رسالته أمس عن الشواغل الأمنية في المنطقة وهو ما يُعد خطوة استباقية مهمة، خاصة أن أي اتفاق محتمل بين الولايات المتحدة وإيران قد يكون له تأثير مباشر على المنطقة العربية.
وأكد أنه من الضروري أن يكون للدول العربية دور فاعل في هذه المفاوضات، وأن تشارك فيها بطرح واضح ومحدد، في ظل مشروع عربي واضح يراعي الأمن القومي العربي.