الأحد 3 مايو 2026

رحيل سهير زكى.. أيقونة الفن الاستعراضي

3-5-2026 | 13:53

غيّب الموت أمس الفنانة الكبيرة سهير زكى إحدى أبرز نجمات الفن الاستعراضي و الرقص الشرقى فى مصر بعد صراع مع المرض، ليُسدل الستار على مسيرة فنية استثنائية استمرت لعقود صنعت خلالها مكانة لا تشبه أحدا . لم تكن سهير زكى مجرد فنانة عابرة فى تاريخ الفن بل كانت حالة فنية متفردة، حيث استطاعت أن تفرض حضورها دون صخب وأن تحجز لنفسها موقعا ثابتا فى ذاكرة الجمهور، كفنانة تحترم قبل أن تبهر. ولدت سهير زكى فى ٤يناير ١٩٤٥ بمدينة المنصورة وكانت عاشقة للفن الاستعراضي والإيقاع منذ نعومة أظفارها وتحديدا فى سن التاسعة حيث بدت ملامح التفرد واضحة لم تكن مجرد فتاة تبحث عن فرصة بل كانت تمتلك حسا فطريا بالحركة وقدرة نادرة على التقاط الإيقاع وترجمته إلى لغة جسدية. شكل انتقالها إلى القاهرة نقطة التحول الأهم فى حياتها حيث بدأت خطواتها الأولى نحو الاحتراف، وبدأت مسيرتها الفنية فى زمن كانت فيه المنافسة شرسة بين أسماء لامعة فى عالم الاستعراض، ومع ذلك استطاعت أن تفرض حضورها تدريجيا لا بالقوة أو الاستعراض الصاخب بل بما يمكن تسميته (الصدق الفنى والحضور الطاغى) مع بداية الستينيات انطلقت سهير زكى بقوة فى عالم الرقص الشرقى لتتحول سريعا إلى نجمة فى سماء الفن ولم تكتف بهذا بل اقتحمت عالم السينما وقدمت أكثر من 50 فيلما سينمائيا ومن أبرزها: (انا وهو وهى ) و (البحث عن المتاعب) و(حكاية جواز )و(الذئاب).. وفى هذه الأعمال لم تكن مجرد راقصة تؤدى فاصلا بل فنانة تضيف بعدا دراميا حقيقيا داخل الأحداث ومن أكثر المحطات تميزا فى مسيرة سهير زكى ،كانت تقديمها الاستعراض الراقي على أغنيات أم كلثوم، وهو أمر لم يكن مألوفا فى ذلك الوقت مما أثار غضب أم كلثوم ولكن الملحن الكبير بليغ حمدى أقنعها برؤيتها وهى تقدم فنها، وبالفعل أم كلثوم انبهرت بأداء سهير زكى وقالت لها بالنص: (كنت نويالك على نية مش كويسة، ولكن مجرد شفتك تأكدت إنك إضافة ).. وأعربت عن إعجابها الشديد فى واقعة أصبحت من أشهر القصص فى الوسط الفنى حيث رأت فيها إضافة حقيقية لا انتقاصا من قيمة الأغنية، كما ارتبط اسمها أيضا بالأداء الفني الراقص والمتميز على أغنيات عبد الحليم حافظ وقدمت خلال ذلك نموذجا مختلفا ، حيث كان ما يميز تجربتها هو ارتباطها الوثيق بالموسيقى الطربية، وهو أمر لم يكن شائعا آنذاك ،حيث كانت معظم الفنانات يفضلن الإيقاعات السريعة لكن سهير كسرت هذه القاعدة وقدمت نموذجا جديدا، حيث كانت تعتمد على الإحساس مع حركات انسيابية فى تفاعل صادق واندماج كامل مع الموسيقى فى تجسيد حى للكلمات واللحن. لقد نجحت سهير فى إعاده تقديم الرقص الشرقى بوصفه لغة فنية راقية، وفن راقٍ يحمل فى تفاصيله قدرا كبيرا من الاحترام والإحساس الصادق وهو ما جعل حضورها مختلفا واستثنائيا. لم تكن سهير زكى مجرد مؤدية بل كانت تتميز بأداء متميز ، فكانت ابتسامتها لا تفارق ملامح وجهها، وفنها يأتي فى خفة وانسجام واحترام، وهنا أستطيع أن أصفها بأنها (أقرب فنانة إلى روح الأغنية ). لم يتوقف نجاح سهير عند حدود مصر بل امتد إلى العالمية، حيث شاركت فى عروض دولية كبرى من بينها عروض فى موسكو. خلال مشاركتها فى أحد الأفلام تعرفت على المصور والمخرج محمد عمارة الذى عرض عليها الزواج ليتم زواجهما عام ١٩٦٦ أسفر هذا الزواج عن ابنها الوحيد محمد والذى كان سببا رئيسيا فى احد أهم قرارات حياتها حيث قررت الاعتزال مبكرا عن عمر ٣٩ عاما بعد آخر أعمالها السينمائية (إن ربك لبالمرصاد).. ابتعدت تماما عن الأضواء لتتفرغ لحياتها الأسرية وتربية ابنها ، واستمر زواجها حتى وفاة زوجها محمد عمارة عام ٢٠٢٢ لتظل وفية لحياتها الخاصة بعيدا عن صخب الشهرة. ظل جانبها الإنسانى حاضرا لدى من عرفوها عن قرب حيث وصفت بأنها إنسانة راقية وبسيطة وقريبة من الناس وخفيفة الظل. ونحن نتحدث عن هذه العملاقة لابد أن نعترف أنها لم يتوقف تأثيرها عند حدود زمنها فقد أصبحت مرجعا مهما لكل من أراد دراسة فن الاستعراض والرقص الشرقى بشكل مختلف، لذا تأثرت بها أجيال من الفنانات لكن القليل فقط استطاع ان يقترب من عمق تجربتها لأن ما كانت تقدمه كان حالة شعورية كاملة.. اليوم برحيل سهير زكى، لا نفقد فقط فنانة بل نفقد فصلا كاملا من تاريخ الفن المصرى، فهي واحدة من أبرز من منحن الرقص الشرقى بعدا إنسانيا وتعبيرا عميقا، لكن الحقيقة العميقة أنها لم ترحل بل ستظل فى ذاكرة الفن وليس فقط بل أيضا فى ذاكرة القلوب التى كانت تذوب عشقا فيها، وداعا سهير زكى لم تكونى مجرد فنانة بل كنت لغة وإحساسا وقطعة من زمن لن يتكرر ، رحلت لكنك تركت خلفك ما هو أقوى من الغياب فنا حيا .