قال الدكتور محمد عبد العظيم الشيمي، أستاذ العلوم السياسية، إن التهديدات المتكررة التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن مهلة لإيران، يضع المنطقة أمام مجموعة من السيناريوهات المفتوحة والمعقدة، موضحا أن الهدف الأساسي منها استمرار الضغط على إيران من أجل انتزاع أكبر قدر ممكن من المكاسب لصالح الولايات المتحدة الأمريكية عبر المسار التفاوضي.
وأوضح "الشيمي"، في تصريح لبوابة "دار الهلال"، أنه على مدار الأسابيع الستة للحرب التي بدأت في 28 فبراير الماضي، شهدت المنطقة تبادلًا للضربات العسكرية؛ سواء الضربات التي وجهتها إسرائيل والولايات المتحدة إلى إيران، أو الردود الإيرانية التي استهدفت بعض المناطق والمصالح المرتبطة بدول الخليج وإسرائيل، إلى جانب سلسلة من التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط.
وأضاف أنه مع مرور الوقت، أصبح واضحًا أن المسار العسكري وحده لن يؤدي إلى حلول حقيقية، وهو ما دفع الأطراف المختلفة إلى الاتجاه نحو آلية تفاوضية، لكن هذه الآلية التفاوضية لم تحقق نجاحًا ملموسًا حتى الآن، بسبب ارتفاع سقف المطالب والشروط لدى كل طرف، فضلًا عن غياب أرضية مشتركة يمكن البناء عليها في ظل انعدام الثقة المتبادلة.
وأكد أنه في الوقت الذي يواصل فيه ترامب إطلاق تهديداته، تتداول بعض الأنباء حول احتمال وجود خطوات لبناء الثقة وخطاب للنوايا بين واشنطن وطهران، قد تتضمن توقيع تفاهمات أو ترتيبات معينة بين الجانبين، وهو ما يُنظر إليه باعتباره أمرًا بالغ الأهمية، موضحا أنه لم تتأكد حتى الآن صحة هذه المعلومات أو وجود خطوات أمريكية فعلية لتنفيذ مثل هذه المبادرات، رغم أهميتها، خصوصًا في ظل تراجع الثقة في الالتزامات الأمريكية والإسرائيلية داخل الشرق الأوسط.
وأشار إلى أن أي حديث عن اتفاق جديد وتنفيذ كامل لبنوده ما يزال محل شكوك كبيرة، سواء من جانب إيران أو من جانب أطراف أخرى ترى أن الولايات المتحدة وإسرائيل لا تلتزمان دائمًا بما يتم الاتفاق عليه، موضحا أن لذلك تظل احتمالية استئناف العمليات العسكرية قائمة بالفعل، لكن من غير المرجح أن تكون الخيار الأول أو الأولوية القصوى بالنسبة للولايات المتحدة، نظرًا للكلفة العالية التي قد تترتب على أي تصعيد عسكري واسع.
وأضاف أنه خلال الأسبوع الماضي، جرى تداول تقارير تحدثت عن احتمال تنفيذ تدخل عسكري بري عبر إنزال أمريكي ـ إسرائيلي داخل إيران بهدف تسريع الحسم العسكري، إلا أن هذا السيناريو، رغم طرحه، ينطوي على مخاطر كبيرة وتكاليف مرتفعة للغاية، سواء من الناحية العسكرية أو السياسية، كما أن استمرار العمليات العسكرية لفترة طويلة قد يشكل عبئًا وضغطًا كبيرًا على إدارة ترامب، خصوصًا في ظل وجود ضغوط داخلية أمريكية مرتبطة بجدوى استمرار الحرب وتداعياتها السياسية والاقتصادية.
وأكد أستاذ العلوم السياسية أن هناك تيارات وشخصيات داخل الولايات المتحدة، خاصة بين بعض الساسة الجمهوريين المؤيدين لإعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق الرؤية الإسرائيلية، تمارس ضغوطًا مستمرة على الإدارة الأمريكية، معتبرة أن أي هدنة أو وقف للعمليات العسكرية في الوقت الحالي قد يسبب خسائر أكبر من الاستمرار في التصعيد، لهذا السبب، يبقى سيناريو استئناف العمليات العسكرية مطروحًا، لكنه ليس السيناريو الأكثر أولوية في الوقت الراهن.
ولفت إلى أنه قد تحدث تطورات مفاجئة تدفع إدارة ترامب إلى استئناف العمليات العسكرية بصورة سريعة وغير متوقعة، كما حدث عند بداية العمليات العسكرية في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، وقد يكون الهدف من أي تصعيد جديد هو مواصلة إضعاف القدرات الإيرانية، وإجبار طهران على التخلي عن بعض شروطها التفاوضية الحالية.
وأكد أنه إذا تم استئناف العمليات، فمن المرجح أن تكون أكثر تركيزًا وأقل اتساعًا من العمليات السابقة، سواء من حيث المدة الزمنية أو نطاق الأهداف، ومن المتوقع أن تركز هذه العمليات على استهداف البنية التحتية داخل إيران، إضافة إلى أهداف تمثل تكلفة مرتفعة على الاقتصاد الإيراني، بالتزامن مع استمرار الحصار البحري الذي تستخدمه إدارة ترامب باعتباره أحد أهم أدوات الضغط.
وشدد على أن الاستراتيجية الأمريكية الحالية تقوم على الجمع بين الضغط العسكري، والحصار الاقتصادي، والضغوط الداخلية داخل إيران، والتي ترى واشنطن وتل أبيب أنها قد تُسهم في انتزاع تنازلات إيرانية وتحقيق الأهداف الأمريكية والإسرائيلية من العملية التفاوضية، موضحا أن تهديد إيران بتوسيع جبهات القتال والرد بصورة أكثر عنفًا يُعد أمرًا متوقعًا وطبيعيًا في إطار سياسة الضغط المتبادل بين الطرفين، فمن المنطقي، وفق قواعد التفاوض والصراع، أن يقابل الضغط الأمريكي برد فعل إيراني مضاد.
ولفت إلى أنه خلال الساعات الماضية، صدرت تصريحات إيرانية تتحدث عن توسيع دائرة الأهداف ورفع كلفة المواجهة بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل خلال المرحلة المقبلة، وهي تصريحات تُفهم باعتبارها ردًا مباشرًا على الضغوط والتهديدات الأمريكية المتكررة، ومع ذلك، لا توجد حتى الآن مؤشرات واضحة حول طبيعة الأهداف التي يمكن أن تمثل تهديدًا استراتيجيًا كبيرًا للمصالح الأمريكية أو الإسرائيلية في المنطقة.
وأشار إلى أن الحرس الثوري الإيراني أكد في تصريحاته الأخيرة أنه ما يزال يمتلك قدرات عسكرية مؤثرة، وقادرًا على تنفيذ عمليات قد تكون أكثر تأثيرًا من السابق، لكن دون الكشف بشكل واضح عن طبيعة هذه القدرات أو كيفية استخدامها، ويتحدث بعض المراقبين أيضًا عن احتمال استمرار الدعم العسكري واللوجستي الذي تحصل عليه إيران من أطراف دولية مختلفة، خاصة الصين وروسيا، فاستمرار الدعم الذي تقدمه كل من الصين وروسيا لإيران، سواء على المستوى العسكري أو اللوجستي، ما يزال يمثل أحد أبرز العقبات أمام تحقيق الأهداف الأمريكية في المنطقة.
وأكد أن القيادة الإيرانية والحرس الثوري ترى أن طهران ما تزال تمتلك عددًا من أوراق القوة المهمة، حتى وإن لم تكشف عنها بصورة واضحة حتى الآن.