تأكيدا على أن القدس ليست مجرد إحداثيات على خريطة السياسة بل وجدان الأمة الحي، تتوالى البيانات والمواقف الصادرة عن مصر والدول العربية لإدانة اقتحامات المسجد الأقصى والتحذير من خطورة تغيير طابعه الديموجرافي والتاريخي ، وتجدد هذه المواقف المستمرة الرفض القاطع للمساس بالوضع القائم مع التشديد الحاسم على الدور الخاص للوصاية الهاشمية التاريخية على المقدسات الإسلامية والمسيحية والولاية الحصرية والوحيدة لدائرة أوقاف القدس الأردنية في إدارة شؤون الحرم القدسي الشريف كاملًا.
هذا الزخم الدبلوماسي المستمر يعيد تسليط الضوء على جدار الحماية الممتد منذ ما يقرب من قرن كامل من الزمن ، حيث ارتبط اسم "الوصاية الهاشمية" بمدينة القدس ومقدساتها الإسلامية والمسيحية، ليشكل خط دفاع يومي عن الهوية العربية ضد كافة محاولات الطمس أو الانتزاع. وتتولى المملكة الأردنية الهاشمية مسئوليتها تجاه هذه المقدسات انطلاقاً من بيعة شرعية وتاريخية بدأت عام 1917، وورثها عاهل الأردن الملك عبدالله الثاني عن أجداده، لتبلغ ذروتها السياسية بتوقيع الاتفاق التاريخي في عمان عام 2013 بين الملك والرئيس الفلسطيني محمود عباس، والذي أعاد التأكيد على الوصاية وصاحب الحق في بذل جميع الجهود القانونية للحفاظ على الحرم الشريف.
وفي قلب هذه المنظومة التلاحمية، تقف دائرة أوقاف القدس التابعة لوزارة الأوقاف والشئون والمقدسات الإسلامية الأردنية بصفتها الذراع الميدانية والجهود الحصرية بموجب القانون الدولي الإنساني.
وتمارس الدائرة دورها من خلال جيش من الحماة والمرابطين يبلغ عددهم أكثر من 800 موظف، من حراس وسدنة وإداريين، يتم تعيينهم وصرف مخصصاتهم من وزارة الأوقاف الأردنية ليكونوا العين الساهرة داخل باحات المسجد الأقصى إلى جانب إشرافها الكامل على أكثر من 102 مسجد في مدينة القدس وتولي صيانتها وإعمارها.
ولم يقتصر خط الدفاع الهاشمي والميداني على رعاية المساجد بل امتد لحماية الأرض بسلاح "الوقف"، حيث تدير الدائرة أملاكا وقفية، خيرية وذرية "أهلي"، تشكل أكثر من 50% من عقارات القدس، وتؤجرها بأجور رمزية للمقدسيين وللجمعيات الخيرية لإقامة مستشفيات، مثل مستشفى المقاصد الخيرية الإسلامية، وإسكانات للموظفين، لقطع الطريق أمام محاولات تسريب العقارات للاحتلال.
وتكتمل هذه الرعاية ببناء الإنسان حيث تقع تحت مظلة الأوقاف الإسلامية أكثر من 43 مدرسة وكلية عربية في القدس، تضم ما يزيد على 13 ألف طالب وطالبة، يتلقون مناهج تحميهم من محاولات أسرلة التعليم وطمس الهوية.
هذا الدور الميداني يستند إلى إرث شرعي ممتد ترجم على الأرض من خلال مشاريع "الإعمار الهاشمي" المتواصلة؛ بدءا من الإعمار الأول عام 1924 بتبرع الشريف الحسين بن علي بـ 50 ألف ليرة ذهبية، ومرورا بالإعمارين الثاني والثالث في عهد الملك الحسين بن طلال اللذين شملا تجديد قبة الصخرة والجامع القبلي وإزالة آثار حريق الأقصى المتعمد عام 1969 وإعادة تكسية القبة بالرصاص والأمر بإعادة صنع منبر صلاح الدين الأيوبي، وصولاً إلى الإعمار الرابع المستمر في عهد الملك عبد الله الثاني، والذي شهد تركيب المنبر عام 2007، وترميم الحائطين الشرقي والجنوبي للأقصى، وتوسيع أنظمة الإطفاء بالإضافة إلى ترميم "القبر المقدس" في كنيسة القيامة على نفقته الخاصة.
ولتأمين الاستدامة، صدر قانون الصندوق الهاشمي لإعمار المسجد الأقصى وقبة الصخرة رقم 15 لسنة 2007 كمظلة مالية دائمة.
وعلى جبهة الدبلوماسية والقانون الدولي، تخوض الأردن معارك سياسية وقانونية لا تتوقف بالتنسيق مع الأشقاء العرب؛ ونجحت في إدراج بلدة القدس القديمة وأسوارها على لائحة التراث العالمي عام 1981، والمهدد بالخطر عام 1982 لدى منظمة اليونسكو.
وانتزعت الدبلوماسية الأردنية قرارات متتالية من اليونسكو، وبيانًا من مجلس الأمن الدولي عام 2015، نجحت كلها في تثبيت تسمية "المسجد الأقصى المبارك (الحرم القدسي الشريف) كمترادفين لمعنى واحد، والتأكيد على أن "تلة باب المغاربة" جزء لا يتجزأ منه.
وتكتمل شمولية الوصاية بحماية الوجود المسيحي التاريخي؛ حيث تخضع الكنيسة الأرثوذكسية في القدس للقانون الأردني، وتحظى بدعم دبلوماسي موصول لمنع الانتهاكات ومواجهة محاولات الاحتلال للسيطرة على عقاراتها وكنائسها في البلدة القديمة، بما يضمن تمكين المسيحيين من الإشراف على مقدساتهم وفقًا للوضع القائم التاريخي والقانوني.
تندرج مسألة القدس ضمن قضايا الوضع النهائي التي يحسمها القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية مثل القرار ( 242 و478 و2334 ) ، والتي تؤكد جميعها بطلان الإجراءات الإسرائيلية الأحادية من استيطان وتهجير وتغيير لطابع المدينة.
وفي ظل هذه التحديات الوجودية، تظل الأوقاف الأردنية والوصاية الهاشمية مسنودة بـإجماع عربي وإسلامي صلب يعبر عنه نبض البيانات والمواقف المستمرة، صخرة قانونية وإدارية تتكسر عليها أوهام فرض "الأمر الواقع"، لتظل القدس الشرقية بهويتها الحية عاصمة للدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو لعام 1967.