أكد الدكتور محمد مهنا، الأستاذ بجامعة الأزهر الشريف، أن قضية الهوية تشغل بال كثير من الشباب في ظل الانفتاح الحضاري، موضحًا أن الحكم على الهوية لا يكون بالمظاهر الشكلية كنوع الملابس أو اللغة، وإنما بمدى التمسك بالقيم والثوابت.
وأوضح الأستاذ بجامعة الأزهر الشريف، خلال حلقة برنامج "مع الناس"، المذاع على قناة الناس، اليوم الاثنين، أن كل هوية تمتلك قدرًا من المرونة والاستيعاب، مشيرًا إلى أن الإسلام لا يرفض العادات أو المظاهر الوافدة طالما لا تخالف أحكام الشريعة، فالأصل في الأمور الإباحة ما لم تتعارض مع الحلال والحرام.
وأشار إلى أن النبي ﷺ أقرّ بعض العادات الحسنة التي كانت موجودة قبل الإسلام، مستشهدًا بحديثه عن حلف الفضول، مؤكدًا أن الإسلام جاء ليهذب السلوك ويقرّ القيم النبيلة، لا ليصادم كل ما هو قائم.
وأضاف أن الخلل يظهر حين تتحول هذه المظاهر إلى ما يخالف الشرع، ككشف العورات أو انتهاك القيم الأخلاقية، فهنا يكون الانحراف الحقيقي عن الهوية، موضحًا أن التوازن مطلوب بين الاستفادة من المباحات والحفاظ على الثوابت.
ولفت إلى أن العالم شهد تطورًا ماديًا كبيرًا، خاصة في الغرب، لكنه أحيانًا صاحبه نوع من الغرور وفرض نمط حضاري واحد، ما أدى إلى شعور بعض المجتمعات الشرقية بالهزيمة الحضارية، فانقسم الناس بين مقلد للغرب تقليدًا أعمى، أو منغلق يرفض كل جديد، مؤكدًا أن كلا الاتجاهين غير صحيح.
وبيّن أن هناك من ذهب إلى محاولة "تحديث الإسلام" بتغيير أحكامه، وآخرين حاولوا "أسلمة الحداثة" بشكل سطحي، معتبرًا أن كلا الطرحين يعكس فهمًا قاصرًا، لأن الإسلام في حقيقته دين قادر على استيعاب التطور دون أن يفقد ثوابته.
وأشار إلى أن الحضارة الإسلامية قدمت إسهامات عظيمة في مختلف العلوم كـالطب والهندسة والفلك، وأن ما وصل إليه الغرب اليوم بُني في جزء كبير منه على هذا التراث، لكن المشكلة تكمن في انقطاع الصلة بهذا الإرث منذ قرون، والاكتفاء بدراسته نظريًا دون استثماره عمليًا.
وأكد أن المطلوب اليوم هو إعادة بناء الجسر بين الأصول الحضارية الإسلامية والواقع المعاصر، والاستفادة من التقدم الحديث دون الذوبان فيه، مشددًا على أن التجديد الحقيقي هو ما يراعي الواقع دون الإخلال بالثوابت، مستشهدًا بقول النبي ﷺ: «إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة دينها».
وشدد على أن الهوية الحقيقية ليست في المظهر، بل في القيم، وأن الإسلام بمنهجه الوسطي قادر على تحقيق المعادلة الصعبة بين الأصالة والمعاصرة، إذا أحسن فهمه وتطبيقه.