ظلت جماعة الإخوان الإرهابية، على مدار تاريخها، العباءة التي خرجت منها التنظيمات الإرهابية وجماعات العنف والتطرف، والتي تبنت أفكار قيادات ومنظري التنظيم الإرهابي، وعلى رأسهم حسن البنا وسيد قطب، مؤسس ما يعرف بـ التيار القطبي في التنظيم، الذي تبنى التكفير والعنف كمنهج فكري توارثته كل التنظيمات المتطرفة والإرهابية طوال العقود الماضية وحتى تنظيم داعش الإرهابي بعد 2013.
وشكلت أفكار سيد قطب مرجعية أساسية للجماعة في التكفير والعنف والإرهاب وأسهمت في صياغة رؤيتها الحركية والتنظيمية، ليمتد تأثيره ليس على جماعة الإخوان الإرهابية فحسب، بل امتد إلى عدد من التنظيمات الإرهابية المسلحة ومن أبرزها تنظيمي القاعدة وداعش.
ويقول منير أديب، الباحث في شؤون الحركات المتطرفة، إن جماعة الإخوان تُعد أقدم التنظيمات المتطرفة والإرهابية من حيث النشأة، إذ تأسست عام 1928، ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن كثيرًا من الجماعات المتطرفة خرجت مباشرة من رحم الجماعة أو تأثرت بأفكارها بصورة أو بأخرى.
وأوضح "أديب"، في تصريح لبوابة "دار الهلال"، أن هناك تنظيمات نشأت داخل الإخوان ثم انفصلت عنها، مثل جماعة التكفير والهجرة وجماعة شباب محمد وغيرها من التنظيمات التي خرجت من داخل الجماعة نفسها، وبالتالي يمكن القول إن الجماعة كانت مصدرًا لظهور عدد من هذه الكيانات.
وأشار إلى أن هناك تنظيمات أخرى لم تنشأ تنظيميًا داخل الإخوان، لكنها تأثرت بالأفكار التي تبنتها الجماعة الإرهابية، وخاصة الأفكار المتعلقة بالعنف والتشدد، ويمكن ملاحظة ذلك في عدد كبير من الجماعات التي مارست العنف ونفذت عمليات إرهابية، حيث استندت في تبريراتها الشرعية والفقهية إلى كتابات بعض رموز الإخوان، وعلى رأسهم سيد قطب كان من القيادات البارزة داخل الجماعة، وعضوًا في مكتب الإرشاد، كما كان مسؤولًا عن ملف "التربية والإرشاد"، وكان له دور مؤثر في صياغة الفكر الإخواني وفي التأثير على الأجيال التي تأثرت بكتاباته.
وأكد أنه عندما تتبنى جماعات أخرى هذه الأفكار وتعتبرها مرجعية لها، فإن ذلك يعكس حجم التأثير الذي مارسته الجماعة على عدد من التنظيمات المتطرفة، مشيرا إلى تصريحات أعضاء التنظيم بأن قيادات العنف والإرهاب كانوا في مرحلة ما من حياتهم أعضاء في الجماعة، فهناك تسجيلات لـ يوسف القرضاوي ذكر في تسجيل متداول على موقع يوتيوب أنه أبو بكر البغدادي، الذي أصبح لاحقًا زعيم تنظيم داعش الإرهابي، كان في الأصل منتميًا إلى جماعة الإخوان.
وأضاف أن أيمن الظواهري، الذي تولى قيادة تنظيم القاعدة بعد مقتل مؤسسه أسامة بن لادن، تحدث في أحد تسجيلاته عن أن أسامة بن لادن كان منتميًا إلى تنظيم الإخوان في مرحلة من حياته قبل أن يغادر التنظيم، مشيرا إلى أن هذه الشهادات تعكس وجود جذور مشتركة بين بعض قيادات هذه التنظيمات وجماعة الإخوان الإرهابية.
وتابع: وفي كتابه "فرسان تحت راية النبي"، يذكر أيمن الظواهري أنه سافر إلى أفغانستان بناءً على ترشيح من بعض العناصر المرتبطة بالإخوان، حيث كان يعمل في المجال الطبي والإغاثي قبل أن ينتقل إلى العمل المسلح ويصبح لاحقًا أحد أبرز قادة تنظيم القاعدة، مؤكدا أن هذه الوقائع تشير إلى وجود صلات وتأثيرات متبادلة بين جماعة الإخوان والتنظيمات المتطرفة.
وأضاف أنه بعد 2013، اعترف منفذ محاولة اغتيال وزير الداخلية الأسبق اللواء محمد إبراهيم، في تسجيل مصور، عن أن العملية جاءت انتصارًا للإخوان وأنصارهم، مشددا على مؤسس الإخوان حسن البنا، منذ المراحل الأولى للجماعة كان هناك توجه نحو استخدام القوة كوسيلة من وسائل العمل، حيث تأسست الجماعة عام 1928 بوصفها حركة دعوية، ثم أعلن البنا خلال المؤتمر الخامس عام 1938 دخول الجماعة إلى المجال السياسي بصورة أوضح وقرر استخدام العنف، فقال "سوف نخوض غمار السياسة ونستخدم القوة حيث لا يجدي غيرها"، وأسس ما عُرف بالتنظيم الخاص، وهو الجناح السري للجماعة، الذراع العسكري داخل الإخوان منذ نهايات الثلاثينيات من القرن الماضي.
وأوضح منير أديب أن من جاءوا بعد حسن البنا ساروا على النهج نفسه، سواء في ما يتعلق بالأفكار أو بأساليب العمل، وظلت أشكال العنف حاضرة بأشكال مختلفة عبر مراحل متعددة، مشيرا إلى أنه بعد عام 2013، ظهرت التنظيمات والميلشيات الإرهابية المسلحة مثل حركة حسم ولواء الثورة وضنك وغيرها، باعتبارها امتدادًا لهذا المسار.
وأكد أن سيد قطب يُعد من أكثر الشخصيات تأثيرًا في هذا التيار فأفكاره كانت واضحة فكان يرى المجتمع بأنه مجتمع جاهلي، وكتاباته كان يتحدث عن مفهوم الجاهلية المعاصرة، وكل خصومه السياسيين هم أعداء للدين، ودعا إلى مواجهة ما اعتبره "انحرافًا عن الدين الصحيح"، وفي عام 1965 أنشأ تنظيمًا سريًا سعى إلى تنفيذ أعمال تستهدف الدولة، من بينها محاولة اغتيال الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.
وأضاف أن سيد قطب لم يكن مجرد شخص مارس العنف أو دعا إليه بشكل مباشر، بل وضع الأسس الفكرية التي استندت إليها لاحقًا جماعات متطرفة عديدة طوال العقود الماضية، ولهذا السبب ما زالت كتاباته تُناقش حتى اليوم، وما زالت التنظيمات تستلهم أفكارها منها، الأمر الذي جعل تأثيره الفكري ممتدًا عبر عقود طويلة، فظلت أفكاره حتى هذه اللحظة الأكثر تأثيرا على كل جماعات العنف والتطرف.