الثلاثاء 16 يونيو 2026

مقالات

العقاد يكتب عن سارة من أمام البحر “أنتِ غير كل نساء الأرض”

  • 16-6-2026 | 14:33
طباعة

في تاريخ الأدب العربي، يظل اسم عباس محمود العقاد (1889-1964) علامة فارقة، ذلك «عملاق الفكر العربي» الذي لم يترك مجالًا في الأدب أو النقد أو التاريخ أو الشعر إلا وترك فيه بصمة لا تُمحى. لكن ثمة جانبًا خاصًا في حياة العقاد ظل محاطًا بهالة من الغموض والكتمان، جانب لم يكن يخص المكتبات التي ملأها بأكثر من مائة كتاب، ولا المعارك الأدبية التي خاضها، بل يخص القلب الذي عرف البكاء قبل أن تعرفه العينان.

إنها قصة سارة، تلك المرأة التي ظل الجدل قائمًا حولها: هل هي أيقونة روائية من وحي الخيال، أم أنها كانت امرأة من لحم ودم، عرفها العقاد فأذابته أشعاره، وعرفته فأخضعته لجروحه؟ اليوم، وبين يدي قراء مجلة الهلال، وبمناسبة مرور مائة عام كاملة على كتابة واحدة من أندر الوثائق الأدبية في تاريخنا العربي – تلك التي خطها العقاد بيده على شاطئ الإسكندرية في 12 أبريل 1926 – نعيد نشر هذه الوثيقة الاستثنائية، التي تطل علينا بعد قرن من الزمان، لتمثل جسرًا خالدًا بين الواقع والأدب، بين رجل يعاني على شاطئ الإسكندرية في ربيع 1926، وأديب خالد يكتب «روايته الوحيدة» بعد اثني عشر عامًا.

حصل الأديب والمحقق الكبير محمد محمود حمدان على هذه المجموعة الفريدة من الرسائل والوثائق النادرة في بداية التسعينيات من القرن الماضي، وكانت تلك المجموعة ثمينة للغاية لأنها ظلت محفوظة بعناية لدى أسرة الصديق المقرب للعقاد، الأديب عبد الرحمن صدقي. قضى حمدان فترة طويلة في تحقيق هذه الوثائق ومضاهاتها بدقة مع ما ورد في رواية «سارة» (1938)، ليتأكد بنفسه من مطابقتها التامة للأحداث والأسلوب العقادي الأصيل.

نُشرت هذه الوثيقة لأول مرة في جريدة الأهرام (الملحق الأدبي) في التسعينيات من القرن الماضي. وكان لهذا النشر صدى واسع جدًا في الأوساط الأدبية آنذاك، لأنه حسم الجدل التاريخي الذي طال أمده حول واقعية «سارة». فبينت الوثيقة أن الرواية لم تكن مجرد خيال أدبي أو تمرين على فن الكتابة كما كان العقاد يوحي أحيانًا، بل كانت تجربة حية عاشها بكل تفاصيلها المؤلمة، خاصة واقعة القطار، وصورة القميص، والجلوس على شاطئ الرمل في الإسكندرية. لقد أثبتت الرسالة أن «سارة» كانت امرأة من لحم ودم قبل أن تكون أيقونة في سماء الأدب.

واليوم، في أبريل 2026، تعيد «مجلة الهلال» نشر هذه الوثيقة الفريدة، مستفيدة من سبق مئوي لا يتكرر؛ فبعد مائة عام بالضبط من لحظة كتابتها الأصلية على شاطئ الإسكندرية، ها هي الكلمات نفسها تعود لتتصدر المشهد الثقافي، وكأن الزمن لم يمر، وكأن العقاد لا يزال يجلس هناك وحيدًا يكتب إلى صديقه الوحيد. إنها لحظة استثنائية تجمع بين الماضي والحاضر، وتؤكد أن الأدب العظيم لا يعترف بمرور السنين.

كتب العقاد في رسالته بخط يده:

«أكتب إليك هذا على شاطئ البحر في رمل الإسكندرية، والجو صحو والسماء صافية والضياء يغمر الآفاق، والهواء عليل لا هو بالرطب الكثيف ولا هو بالدافئ المرهق، وفي نفسي علامة حسنة تبشر بالخير.. فإنني لا أشعر الآن في وحدتي بتلك الوحشة المكان الخالي الذي ألفنا أن نحمله معنا حيثما ذهبنا، وأريد أن أملأ ذلك الفراغ الذي انصرف منه كل حزن».

لكن هذا الهدوء الظاهري لم يدم طويلًا، فما إن استقر في القطار متجهًا إلى الإسكندرية هاربًا من ذكرى «سارة» في القاهرة، حتى انهارت نفسه. يتذكر العقاد تفاصيل اليوم الأخير، يقف خلف الباب يتسمع، يراها من النافذة «بالقميص الذي تعرف أنني أحب أن أراها فيه»، ويصعد القطار الذي حملهما معًا يومًا إلى القناطر الخيرية. وهناك، في قلب الرحلة، يأتي الاعتراف المدوي الذي لا يزال يعبر الزمن بعد مائة عام: «فما لاحت لي هذه الذكرى واستعرضت يومها في محل خط البرق لحظة بلحظة، حتى شعرت بتلك الحديدة المحماة التي تتعقبني في العهد الأخير تكوي في صميم النفس كيها المختنق المكتوم لا منفس له ولا مهرب منه».

هذا الإحساس بالكي، بالعذاب المستعر، هو ذاته ما سيتحول بعد اثني عشر عامًا إلى وقود روائي في «سارة» (1938)، حيث يجسد العقاد من خلال بطله «همام» معاناة الغيرة التي تصفره وتفقده السيطرة على نفسه.

لطالما انقسم دارسو أدب العقاد – محليًا وعالميًا – بشأن شخصية «سارة» إلى ثلاث مدارس فكرية رئيسية. الأولى: المدرسة التحليلية النفسية التي ترى أن «سارة» ليست سوى دراسة معمقة للسيكولوجيا الأنثوية.

الثانية: المدرسة الأوتوبيوغرافية (السيرة الذاتية)، وهي الراجحة بقوة بعد اكتشاف هذه الوثيقة، والتي تؤكد أن «سارة» هي المرآة التي عكس فيها العقاد أعقد تجاربه العاطفية. الثالثة: المدرسة الواقعية الاجتماعية التي ترى أن الرواية تجاوزت البعد العاطفي إلى نقد المجتمع المصري في زمن حداثته.

غير أن الوثيقة التي بين أيدينا اليوم تطرح دليلًا قاطعًا؛ فالرسالة التي كتبها العقاد عام 1926 تحمل نفس الألفاظ والعبارات التي ستظهر في الرواية بعد اثني عشر عامًا، فقوله في الرسالة: «تلك هي الحياة.. فليس العزاء نفقًا يخرق تلك الثقوب»، هو ذاته الصوت الفلسفي المكثف الذي يطل من بين صفحات «سارة».

في دراسة حديثة نشرت في يناير 2025 في مجلة Rocznik Orientalistyczny، يذهب الباحث الإيطالي أندريا ماريا نيغري إلى أن رواية «سارة» تقدم «فينومينولوجيا الغيرة»، أي وصفًا فلسفيًا وعلميًا دقيقًا لهذا الشعور المدمر، حيث الغيرة عند العقاد ليست مجرد انفعال عابر، بل هي قوة مزعزعة للاستقرار، يغذيها الخوف الثقافي من العار، والجريح المزدوج للكبرياء والجسد.

وهذا ما نجده بوضوح في طلب العقاد الساخر من البحر:

«أقول يا شيخ.. أنت تغرق عشرين لترًا كاملًا بما فيها من الرجال والنساء والأعداء ثم تطويهم في ضميرك لا يبين منهم إلا فقاقيع، أفتعجزك أن تغرق في جوفك هذا اللهج اللئيم الذي جئتك به من القاهرة ألقيه إليك؟»
هذا المقطع يصور الغيرة ككيان عضوي «لئيم» يريد العقاد أن يغسله بمياه البحر، لكنه يدرك استحالة ذلك، تمامًا كما يدرك استحالة نسيان يد سارة.

وما يميز هذه الوثيقة أنها تكشف تناقضًا عميقًا في شخصية العقاد: التناقض بين «الحكيم» و«العاشق». ففي رسائله ومقالاته يظهر العقاد كحكيم رواقي قادر على تحليل المرأة ببرود: «المرأة تضع الأحمر والأبيض وتعرض نفسها في الشارع أو النافذة انتظارًا للرجل»، بل يصل به الأمر إلى نصح الرجال: «خفها ولا تخلص لها أبدًا».

لكن في الوثيقة ينهار هذا الحكيم تمامًا، نراه في القطار تائه الذاكرة يعترف بعجزه: «أردت أن أضحك من نفسي». ولعل أصدق اعتراف له هو الذي يفضح مغالطة الصبر التي يمارسها مع نفسه: «أكنت تبالي أن تبعد عنك هذه الدنيا كما تبالي الآن أن تبعد عنك أهون لمسة من يد امرأة واحدة بين نساء العالمين؟»

هذا هو كشف المستور: كل خطابات الرفعة والكبرياء عن المرأة تنهار أمام «أهون لمسة من يد امرأة واحدة». العقاد الذي هزم جيوش النقاد، لم يستطع أن يهزم «لمسة يد».

لنقف قليلًا عند الزمن. ففي 12 أبريل 1926 دوّن العقاد هذه الكلمات. وبعد اثني عشر عامًا، وتحديدًا في 1938، صدرت رواية «سارة» عن دار المعارف. ثم في 1943، قال العقاد في تصريحه الشهير عن الرواية:

«كتبتها لأجرب يدي». وفي التسعينيات من القرن الماضي، نشر محمد محمود حمدان هذه الوثيقة لأول مرة في «الأهرام الأدبي»، لتعود الروح إلى الجسد، ويكتشف العالم أن «سارة» لم تكن مجرد قصة، بل كانت قضية. وجاءت الدراسات الأكاديمية المعاصرة بين 2013 و2025 لتؤكد الاتجاهات الثلاثة في تحليل الرواية.

والآن، في أبريل 2026، وبعد مائة عام بالضبط من لحظة الألم الأولى، تضع «مجلة الهلال» قراءها أمام هذه الكلمات وكأنها كتبت بالأمس، محققة سبقًا مئويًا فريدًا في تاريخ الصحافة الأدبية العربية.

ما زالت «سارة» تطارد الأدب العربي بعد مرور مائة عام على كتابة هذه الرسالة، كما طاردت قلب العقاد. هذه الصفحات التي خطها تحت سماء الإسكندرية التي لم تتغير، تثبت أن الأدب العظيم لا يولد من فراغ، بل يولد من «الحديدة المحماة» التي تكوي قلوب المبدعين.

لقد استطاع العقاد أن يحول عذابه الشخصي إلى كنز عام لكل قراء العربية، وأن يحول امرأة أحبها – من كانت هي – إلى شخصية أدبية خالدة، تُدرَّس في الجامعات، وتثير الجدل، وتلهم الأجيال، وتظل حية بعد مائة عام من أول اعتراف.

هكذا، بعد مائة عام، نقف حيث جلس العقاد وحيدًا على شاطئ الإسكندرية، يحدق في البحر الذي لم يستطع أن يُغرق لهجه اللئيم. لقد رحل العقاد، ورحلت سارة، ومضى عبد الرحمن صدقي، وتغيرت القاهرة والإسكندرية، وتحول العالم بأسره. لكن هذه الوثيقة بقيت. بقيت لأن ما كتبه لم يكن مجرد كلمات عابرة، بل كان نبض قلب لا يموت.

إنها ليست رسالة حب ضائع، بل هي شهادة ميلاد لأديب حقيقي، ذلك الأديب الذي لم يخجل من جرحه، بل حوله إلى أدب. لقد ظن العقاد أنه يكتب إلى صديق وحيد ليطمئنه، لكنه كان في الحقيقة يكتب إلى الأبد. ظن أنه يئن من ألم عابر، لكنه كان يخلد أعظم حكايات الأدب العربي.

ومن على بعد مائة عام، نرى الآن ما لم يستطع هو أن يراه في لحظة انهياره: أن اللحظات التي ننكسر فيها هي بالضبط اللحظات التي نصنع فيها خلودنا. رحم الله العقاد، ذلك العملاق الذي كان أعظم ما فيه ليس عقله، بل قلبه الذي عرف كيف يبكي، ثم عرف كيف يكتب بكاءه ليعلمنا جميعًا أن الألم عندما يكون صادقًا، يصبح أجمل ما يقدمه الإنسان للتاريخ.

الاكثر قراءة