الثلاثاء 16 يونيو 2026

مقالات

العبقريات

  • 16-6-2026 | 15:15
طباعة

يُعد العقاد مدرسة فكرية وأدبية بارزة، وحياة العقاد مثال إنساني نادر للاعتداد بالكرامة، والحرص على القيم العلمية والوطنية.

كان مطلعًا على الثقافة العربية والغربية، وألف كتبًا موسوعية في شتى العلوم والمعارف والفلسفات. كما كان مؤثرًا بشخصيته العظيمة ومؤلفاته الفريدة، وأبرزها “العبقريات”.

اتخذ “العقاد” في دراساته للعبقريات المنهج النفسي في تحليل الشخصية العبقرية من خلال “مفتاح الشخصية” التي تشكلت منذ الطفولة المؤثرة في حياة الإنسان بعد ذلك.

ولهذا المنهج ظلال في التحليل الأدبي مستمدة من سيرة حياة الشخصية، لكن "العقاد" حولها إلى منهج علمي دقيق عميق متسلح بثقافة واسعة. وأعتقد أن "العقاد" في عبقرياته صدر عن عبقريته الخاصة، وأن العبقريات التي درسها جيلنا في المدارس صقلت إدراكهم العلمي والثقافي والأدبي. هذا إلى جانب تجديد العقاد للنقد الأدبي، الذي دعا إلى أن يكون الأدب وسيلة وغاية للتعبير عن الذات، وليس صدى لما لا يتعمق حياة الأديب من مشاعر وأحاسيس. خاض العقاد المعارك الأدبية في دعوته إلى تجديد الدراسة الأدبية، خاصة في كتاب "الديوان"، وكان دستورًا لمدرسته الأدبية، وتنظيراته النقدية التي شاركه فيها "إبراهيم عبد القادر المازني" و"عبد الرحمن شكري".

وقد دافع العقاد عن الإسلام وحضارته العريقة ضد ما شاع عنه من افتراءات وأباطيل في الغرب. أما المنهج النفسي في "عبقرية محمد" فقد انطلق فيه بناءً على ما تميزت به سيرة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم من حلم وعلم ورحمة وصبر وجهاد في سبيل الله، واجه به أعداء الله، فأخذهم بالشدة في موضعها، وبالرحمة إذا اهتدوا ورجعوا عن كفرهم وعنادهم، ضاربًا المثل في الحكمة الإنسانية، والعطف على الضعيف والصغير. وقدَّر الرسول مكانة المرأة، وأوصى بحسن معاملتها، ودعا إلى احترام الأديان وكرامة الإنسان.

ألَّف "العقاد" كتاب "عبقرية محمد" تقديرًا له عبقريًّا على خلق عظيم، وقدوة صالحة للعالمين. ويتخذ "العقاد" طرائق للحجاج العقلي للبرهان على قضيته في إثبات عظمة محمد ﷺ في ميزان الدين والعلم والشعور والناس على اختلاف عقائدهم.

ولقد نقل محمد ﷺ قومه من الكفر إلى الإيمان، ومن الظلام إلى النور، ومن الضلال إلى الحق والكرامة الإنسانية. ويؤكد "العقاد" أن العبقرية قيمة في النفس تمثلت في نبوة "محمد" ﷺ قائمة على كفايته.

لقد كانت الدنيا في حاجة إلى رسالة، وكان "محمد" هو صاحب تلك الرسالة، وقد تهيأت له سبلها، وانطبقت عليه دلائلها لكرم أصله، وطيب عنصره، وحميد سماته، ليكون علامة الكون وعلامة التاريخ.

لقد كان محمد ﷺ "مستكملًا للصفات التي لا غنى عنها في إنجاح كل رسالة عظيمة من رسالات التاريخ؛ كانت له فصاحة اللسان واللغة، وكانت له القدرة على تأليف القلوب وجمع الثقة" على حد تعبير العقاد، إضافة إلى قوة الإيمان والحرص على نجاح دعوته، والسعي بها إلى إصلاح الأحوال، واتصافه بالإخلاص والشرف والأمانة التي اشتهر بها قبل رسالته.

وكان لمحمد ﷺ عبقريته في السلم والحرب، قائدًا بصيرًا يخطط للحرب من أجل الحق والسلام، ودحر الظلم والظلام، والانتصار للإيمان على عبادة الأوثان.

ويقوم أمر إدارة الدولة على مبدأ الشورى التي أقرها "محمد" صلى الله عليه وسلم، كما يقوم على العدل والاستقامة ومسؤولية الراعي عن رعيته، وقيام كل فرد بواجبه في غير إفساد ولا بغي ولا عدوان يضر مصالح الدولة، كذلك التوازن بين حدود الحق وحدود الواجب بالنسبة للرعية، إلى غير ذلك من ضوابط تقوم عليها الإدارة الحكيمة.

وتحفل حياة محمد ﷺ بصور من عبقريته في إطار عرض "العقاد" لها في شتى الميادين. وقد دافع "العقاد" عن محمد ﷺ دفاعًا مجيدًا، مفندًا افتراءات خصومه، حتى لقد صدر من وسط من اشتد عليه حربهم كتاب أنصفه، وعنوانه: "الخالدون، مائة أعظمهم محمد" صلى الله عليه وسلم لمؤلفه "مايكل هارت"، وترجمة "أنيس منصور"، وقام على أساس أن عظمة محمد ﷺ قامت على أثره في مسار التاريخ.

لقد جمع "محمد" ﷺ بين طبيعة العبادة وطبيعة التفكير وطبيعة التعبير الجميل وطبيعة العمل والحركة، مما لا يجتمع في غيره.

وكان "محمد" ﷺ مثالًا نادرًا للوسامة والمحبة والعطف على الناس وقبول الدعابة مع عظمته. وكان في آدابه الاجتماعية مثالًا لقدوة الرجل المهذب في كل زمان، على حد تعبير "العقاد". وكان مثالًا للسماحة والزهد والإيمان، كما ضرب المثل في الفداء عند هجرته من مكة إلى المدينة عندما تعقبه أعداؤه ليقتلوه، فكان يوم الهجرة عنوانًا للإخلاص في العقيدة، والصبر على شدائدها حتى النصر المبين الذي بدأ به تاريخ الإسلام، وكان يوم نور وحياة وانبثاق للنصر بعد الصبر، كما كان يوم عقيدة ورجاء.

أما الخليفة "عمر بن الخطاب" رضي الله عنه في عبقريات "العقاد"، فهو العادل القوي الأمين، الفريد في عظمته. و"عمر" هو الباعث لكوامن الحياة ودوافع العمل في الأمة، النافذ ببصيرته إلى أعماق النفوس، على حد تعبير العقاد.

وهو قوي النفس بغير ظلم ولا طغيان، وقد استجاب الله لدعوة رسوله محمد ﷺ أن يكون عمر بن الخطاب نصيرًا للإسلام، فكان. وعظمة "عمر" هي التي يرجعها "العقاد" إلى الفطرة القويمة، والبديهة النافذة، والنظر السديد. وقد كان لعمر بن الخطاب دوره في بناء دولة الإسلام وحمايتها من الأخطار المحدقة بها.

وعبقرية "عمر" في رأي "العقاد" ينفسح لها الأجل، وتسبق غيره من العباقرة. وقد كان "عمر" ممتازًا بعمله وتكوينه، مهيبًا تشهد بذلك عظمته مع بساطة ملبسه وزهد عيشه. كان "عمر" مع شدته يبكي من خشية الله، كما كان صاحب فراسة.

وقد حلل "العقاد" مكاشفة "عمر بن الخطاب" ورؤياه عن بعد عندما صاح بقوله المشهور: "يا سارية الجبل" تحليلًا نفسيًّا. وقد كانت الصفات العظيمة لعمر بن الخطاب بارزة، تجلى منها العدل والرحمة والفطنة والإيمان الوثيق. وصفاته، كما رأى العقاد، لها طابع البطولة.

وكان "عمر" راعيًا مسؤولًا يتفقد أحوال الرعية، ويهتم بشأنهم رحمة بهم وشفقة عليهم حال ضعفهم، كما كان شديدًا على من يخرج عن جادة الحق والدين. وكان غاية في ذكائه وفطنته وألمعية ذهنه.

وعمر "رجل قوي جياش الطبع شديد الشكيمة، مؤمن بالحق وحرماته، قادر على تقويم من يحيد عنها ويجترئ عليها"، على حد تعبير "العقاد".

و"طبيعة الجندي" هي مفتاح شخصية "عمر بن الخطاب" عند "العقاد"، تتجلى في الشجاعة والحزم والصراحة والخشونة والغيرة على الشرف والنجدة والنخوة والنظام والطاعة وتقدير الواجب والإيمان بالحق، وحب الإنجاز في حدود التبعات أو المسؤوليات، وما أعظمها من صفات.

وكان لعمر بن الخطاب دور تاريخي في الفتوحات الإسلامية التي وطدت أركان الدولة العربية الإسلامية في كل مكان.

و"خالد بن الوليد" من قادة الإسلام العظماء لنبوغه في قيادة الجيوش الإسلامية، ولذا كان محلًّا لعبقريات العقاد. وكانت أسرته من سادة العرب، واشتهر قول أبيه "الوليد بن المغيرة" عندما استمع إلى النبي وهو يتلو القرآن الكريم: "والله لقد سمعت من محمد كلامًا ما هو من كلام الإنس، والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق".

وقد ظهرت على خالد بن الوليد معالم الفروسية منذ صباه، ويرى "العقاد" أنه تلقى تربية أهلته لأن يكون قائدًا من قواد الحرب، ونموذجًا يُحتذى في كل مدرسة من مدارس الفنون العسكرية الحديثة.

وتتبع "العقاد" الشواهد العبقرية في شخصية خالد بن الوليد في تجلياتها معدنًا للبطولة والقيادة والرئاسة.

وكان لخالد بن الوليد صولات وجولات في حروب الإسلام، وقد دعا له النبي ﷺ بالنصر، وكان جديرًا بهذا الدعاء لما أسداه لجيش الإسلام من بطولة وفداء في الحروب المختلفة.

لقد كان خالد بن الوليد في طليعة الميدان بداعي العقيدة الإسلامية والقيادة العسكرية، فهو سيف الله المسلول انتصارًا للحق على الباطل، وإرساء لدعائم الخير والسلام في مجابهة الظلم والعدوان.

كانت الانتصارات التي تحققت على يد خالد بن الوليد نتيجة صفة القائد الكبير المفطور على النضال، وهي "الشجاعة والنشاط والجلد واليقظة وحضور البديهة وسرعة الملاحظة وقوة التأثير".

ولذلك كان "خالد بن الوليد" هو "مكان الطليعة من أكبر القواد الذين اشتهروا بالعبقرية". ومفتاح شخصيته أنه كان جنديًّا في "أخلاقه الدافعة الهاجمة"، حتى مات على فراشه ولم يكن في جسمه إلا طعنة رمح أو ضربة سيف، فاستحق أن يكون من الخالدين.

إن عبقريات العقاد سلسلة ذهبية لا نظير لها في تراثنا الحديث، وقد ماجت بفنون من العلم والفلسفة والحكمة والأدب، خاصة القصصي، وزخرت بأبرز معالم الحضارة العربية الإسلامية في أروع صورها وأهم أعلامها.

الاكثر قراءة