أكد مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء أن التوترات الجيوسياسية المتزايدة وإعادة هيكلة سلاسل الإمداد العالمية أسهمتا في إعادة رسم أنماط التفاعل بين الاقتصادات الدولية، بما أدى إلى تراجع بعض سمات العولمة التقليدية لصالح ترتيبات اقتصادية أكثر ارتباطًا بالتحالفات الاستراتيجية والاعتبارات الأمنية.
وأوضح المركز، في تحليل جديد استند إلى نتائج تقرير "مقياس التعاون العالمي 2026" الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، أن الاقتصاد العالمي يشهد تحولًا هيكليًا متسارعًا تتداخل فيه الأبعاد الاقتصادية مع الجيوسياسية، الأمر الذي انعكس على حركة التجارة والاستثمار وأنماط التعاون الدولي.
وأشار التحليل إلى أن التعاون الدولي لم يعد يُقاس فقط بحجم الانفتاح الاقتصادي أو عدد الاتفاقيات التجارية، وإنما بقدرة الدول على الحفاظ على تدفقات التجارة ورأس المال واستدامتها في ظل بيئة عالمية تتسم بارتفاع مستويات عدم اليقين. ورغم إعادة تنظيم التجارة العالمية وفق اعتبارات سياسية وأمنية متزايدة، فإن حجم التبادل التجاري العالمي لم يشهد انكماشًا هيكليًا، ما يعكس انتقالًا تدريجيًا من نموذج العولمة الواسعة إلى نموذج أكثر انتقائية قائم على إعادة التموضع الجيوسياسي.
ولفت المركز إلى أن تجارة السلع العالمية تنمو بوتيرة أبطأ من نمو الاقتصاد العالمي، بينما تشهد خريطة الشركاء التجاريين تغيرات واضحة، حيث تشير تقديرات معهد ماكينزي العالمي إلى تراجع التجارة بين الدول الأقل تقاربًا سياسيًا، مقابل زيادة التبادل التجاري بين الدول الأكثر تحالفًا. كما انخفضت "المسافة الجيوسياسية" للتجارة العالمية بنحو 7% خلال الفترة من 2017 إلى 2024، بما يعكس إعادة تمركز التجارة داخل شبكات أكثر توافقًا سياسيًا.
وأضاف التحليل أن الدول النامية عززت حضورها في التجارة العالمية خلال عام 2024، مدفوعة بارتفاع صادراتها الصناعية، في حين أثارت السياسات التجارية الأمريكية والتعريفات الجمركية الجديدة خلال عام 2025 تساؤلات بشأن مستقبل التجارة الدولية. ورغم ذلك، لم تؤد هذه التطورات إلى تراجع شامل في التجارة العالمية، بل ساهمت في تسريع عملية إعادة تشكيلها، حيث نما حجم التجارة العالمية بنسبة 2.4% مقابل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 3.2%.
وأوضح المركز أن المشهد الجيوسياسي الراهن يتأثر بعدة ملفات رئيسية، من أبرزها التنافس العالمي على التكنولوجيا وأشباه الموصلات، وتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية على أسواق الطاقة والغذاء، فضلًا عن اضطرابات الممرات الملاحية في الشرق الأوسط وما نتج عنها من ارتفاع تكاليف الشحن، وهي عوامل أسهمت في تراجع مؤشرات التعاون متعدد الأطراف.
وفي المقابل، أظهرت تدفقات رأس المال العالمية اتجاهًا تصاعديًا منذ عام 2022، مدعومة بزيادة الاستثمارات في القطاعات الاستراتيجية، مثل أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات وبطاريات السيارات الكهربائية والمعادن الحيوية. كما سجل الاستثمار الأجنبي المباشر الأخضر نموًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، بما يعكس استمرار جاذبية الاستثمار طويل الأجل رغم التحديات العالمية.
ورصد التحليل تراجعًا في بعض مؤشرات التعاون الدولي التقليدية، حيث انخفضت المساعدات الإنمائية الرسمية بنسبة 10.8% خلال عام 2024، مع توقعات باستمرار هذا التراجع خلال عام 2025. كما بدأت الهجرة العمالية الدولية في التباطؤ، في ظل تشديد السياسات الوطنية المنظمة لحركة العمالة عبر الحدود.
وأكد المركز أن ما يشهده العالم حاليًا لا يمثل نهاية للعولمة، بل تحولًا نحو نموذج جديد من "العولمة الانتقائية"، يقوم على إعادة تمركز الشراكات الاقتصادية داخل دوائر جيوسياسية أكثر تقاربًا، مع استمرار نمو تدفقات رأس المال وتجارة الخدمات، مقابل تراجع نسبي في بعض أشكال التعاون متعدد الأطراف.
وأشار إلى أن هذا التحول يفرض تحديات تتمثل في احتمالات زيادة التجزؤ الاقتصادي وارتفاع تكاليف المعاملات وتباطؤ انتقال التكنولوجيا، ما يستدعي إعادة تصميم منظومة التعاون الدولي بما يضمن الحفاظ على انسيابية التجارة والاستثمار والمعرفة، وتعزيز التكامل بين الاقتصادات الناشئة، والتوسع في الاستثمارات المشتركة بالقطاعات الاستراتيجية.
واختتم المركز تحليله بالتأكيد على أن مستقبل الاقتصاد العالمي سيعتمد بدرجة كبيرة على قدرة الدول والمؤسسات الدولية على تحويل الضغوط الجيوسياسية الراهنة من عامل تفكيك إلى فرصة لإعادة بناء التعاون الدولي على أسس أكثر مرونة واستدامة، بما يتوافق مع التحولات العميقة التي تشهدها خريطة الاقتصاد العالمي.