تزخر القاهرة بشوارع وميادين تحمل أسماء شخصيات تركت بصمات بارزة في التاريخ المصري، ويُعد شارع الألفي أحد أشهر هذه الشوارع وأكثرها ارتباطًا بذاكرة العاصمة وتراثها العمراني والثقافي.
يقع شارع الألفي في قلب منطقة وسط القاهرة، ممتدًا بين ميدان عرابي وشارع الجمهورية، وعلى مقربة من ميدان العتبة، ويُعرف اليوم بكونه الشارع الوحيد في وسط المدينة المخصص للمشاة، بعدما صدر قرار في منتصف التسعينيات بتحويله إلى ممر ومتنزه مفتوح، ليصبح أحد أشهر المقاصد الترفيهية والتجارية بالمنطقة.
وترجع نشأة الشارع إلى عهد الخديوي توفيق، الذي أطلق عليه في البداية اسم «التوفيقية»، وهو الاسم الذي ما زالت المنطقة تحتفظ به حتى الآن. وفي عام 1906 تغير اسمه إلى «شارع الألفي» تخليدًا لذكرى محمد بك الألفي، أحد أبرز أمراء المماليك وآخر قادتهم في مصر.
وكان لمحمد بك الألفي قصر فخم يطل على الشارع، عُدَّ من أجمل قصور عصره، إذ أشرف الألفي بنفسه على تصميمه. وعند وصول الحملة الفرنسية إلى مصر، اختار القائد الفرنسي نابليون بونابرت الإقامة في هذا القصر لما تميز به من موقع ومكانة.
وشهد القصر لاحقًا تحولات تاريخية مهمة، حيث أصبح مقرًا لمدرسة الألسن التي أسسها رائد النهضة التعليمية رفاعة رافع الطهطاوي، قبل أن يتعرض للتدمير خلال حريق القاهرة، ليُقام على أنقاضه فيما بعد المقر الأول لفندق شبرد الشهير.
وعلى مدار عقود طويلة، اشتهر شارع الألفي بمحال الحرف التقليدية، مثل الحياكة وصناعة الحلي والتحف، إلى جانب الورش الفنية وصالونات الحلاقة، قبل أن تتغير طبيعة أنشطته تدريجيًا لتغلب عليه المقاهي والمحال التجارية الحديثة.
كما ارتبط الشارع بتاريخ فني وثقافي ثري، إذ احتضن «ملهى شهرزاد» الذي أسسته الفنانة فتحية محمد، وكان من أبرز المنابر الفنية التي ساهمت في اكتشاف وصقل مواهب عدد من نجوم الفن المصري، من بينهم إسماعيل ياسين، وسكوكو، ومحمد رشدي، وزينات صدقي، ونجوى فؤاد، وأحمد عدوية.
ومن معالمه التاريخية أيضًا مسرح «نيو أريزونا» الذي شهد عروضًا فنية مبكرة لكل من نجيب الريحاني ويوسف وهبي، إلى جانب عدد من المطاعم العريقة التي ارتبطت بتاريخ القاهرة، ومنها مطعم «الألفي بك» الذي تأسس عام 1938 وظل شاهدًا على حقبة كان يرتاده خلالها كبار الباشوات والبكوات.
ويظل شارع الألفي واحدًا من الشوارع التي تختزل في تفاصيلها جانبًا مهمًا من تاريخ القاهرة الحديثة، حيث تتجاور الذاكرة العمرانية مع الحكايات الثقافية والفنية التي صنعت ملامح العاصمة عبر أكثر من قرن.