الأربعاء 1 يوليو 2026

مقالات

الشعب البطل عبر العصور.. مصر هبة المصريين


  • 30-6-2026 | 14:48

إيهاب عمر

طباعة
  • إيهاب عمر

في القرن الخامس قبل الميلاد، وصل المؤرخ اليوناني هيرودوت (باليونانية: هِيرُودُوتُس) إلى مصر، وللمرة الأولى يقرر مثقف أوروبي أن يكتب عن مصر.

المفارقة في سيرة هيرودوت، أنه لم يعاصر الغزو اليوناني لمصر، حيث وصل الإسكندر الأكبر إلى مصر عقب وفاة هيرودوت بأكثر من 90 عاماً، والمفارقة الثانية أن هيرودوت لم يكن يونانياً فحسب، ولكن المدينة التي نشأ بها وتعلم وكبر بها جنوب الأناضول، كانت واقعة تحت حكم الفرس منذ سنوات.

ما بين نشأة فارسية ومسيرة يونانية، نظر هيرودوت إلى الدول التي زارها بنظرة أقل منزلة من أصوله اليونانية – الفارسية، إذ كانت أغلب كتاباته تعظم من الثقافة اليونانية مقارنة بكل ما رآه.

هيرودوت زار، بخرائط اليوم، مصر واليونان وليبيا، وتركيا والعراق وإيران وجزيرة العرب والشام، والبحر الأسود، أو تحديداً ما يعرف اليوم بأوكرانيا ورومانيا وبلغاريا.

لم يكن هيرودوت عالم آثار، ولكنه كان رحالة متجولاً يدون ما يسمعه من الناس، فلم يكن مكتشف تاريخ أو باحثاً في مجال التاريخ، بل يدون ما يسمعه فحسب، دون تدقيق أو مراجعة أو تحقيق أو بحث، ومع ذلك أطلق عليه أبو التاريخ، واعتبر أول مؤرخ في التاريخ.

ما قام به هيرودوت يعتبر من دروب المؤرخين، ولكنه أضعف أنشطة المؤرخين، تدوين وتسجيل ورصد بدون حد أدنى من التحليل، إضافة إلى رؤيته المنحازة للتفوق الغربي، فهو أول من سطر فكرة أن رجل الغرب الأبيض هو الأرقى، وأن شعوب المشرق يعيشون في التخلف والرجعية، وللمفارقة فإن السردية الفارسية عبر العصور كانت تنظر إلى أغلب شعوب المشرق بنفس التعالي، يكاد يصبح هيرودوت هو المرجع الأول لنظرية المركزية الأوروبية التي تنسب الحضارة والعلوم إلى اليونان القديمة وتحذف حضارات ما قبل اليونان في مصر والشام والعراق وفارس.

وفي مصر تحديداً، أصيب هيرودوت بالدوار على وقع التاريخ والآثار وهذا الثراء الحضاري، فسجل أسوأ أكاذيب الاستعمار الفارسي عن مصر، وأغرب القصص التي سمعها من المصريين، ثم خلص إلى أن عظمة مصر مستمدة من النيل، وصاغ عبارة "مصر هبة النيل".

وقد سار على هذا النهج الآلاف من المؤرخين والمثقفين، الذين ينظرون إلى تفوق مصر الحضاري والتاريخي باعتبارنا شعوباً نهرية، يجلس الفلاح ينتظر مجيء المياه، ويزرع الأرض ويخلد إلى الراحة.

ولكن التاريخ يرد على ديباجات المثقفين التي تعود إلى "مرويات هيرودوت"، أي بشكل أو بآخر إلى الروايات الشعبية وليس إلى صحيح التاريخ.

والحاصل أن نهر النيل قد مر على عشرات الشعوب والقبائل والعشائر من منطقة البحيرات إلى مصر، ومن الهضبة الحبشية إلى مصر، فلماذا تحققت "هبة النيل" حصرياً في مصر ولم تتحقق في أيٍّ من دول وشعوب وقبائل حوض النيل؟

بل ولماذا لم تظهر حضارة تناهز المنجز الحضاري المصري على ضفاف أنهار الشام وبابل وسومر وتدمر وآشور وفارس؟ لماذا كانت الحضارة المصرية القديمة صاحبة السيادة والتفوق على كل هؤلاء مجتمعين؟
وقد ذهب هيرودوت للقول إن رجال مصر بلداء وعاطلون عن العمل، بينما المرأة هي التي تذهب للعمل بالتجارة، وأن المصريين يعبدون الحيوانات خاصة القطط، وأنه إذا ماتت قطة في البيت المصري كان على أهله حلق حواجبهم حداداً، وإذا قام حريق في البيت المصري فإنه يجب إنقاذ القطط قبل البشر.

وادعى أن الأسر المصرية كانت تبيع بناتها في مزاد للزواج، فكانت القرى تعقد مهرجاناً يتخلله مزاد علني مخصص للأثرياء من أجل تفحص الفتيات وشرائهن للزواج.

حديث هيرودوت تكذبه الاكتشافات الأثرية لاحقاً، فالحضارة المصرية القديمة لم تعرف العبيد، ولم تعرف مزاداً للعبيد أو الجنس أو السيدات أو أي تجارة بالبشر من أي نوع، ولم تدخل مصر فكرة الاتجار بالبشر كعبيد أو للجنس سوى على يد الغزو، وكانت تلك التجارة تمارس بحق العبيد والنساء الأجنبيات اللاتي يتم استقدامهن من خارج مصر، وحتى في حقبة هيرودوت فإن هذا النوع من التجارة لم يكن موجوداً في مصر ولو على يد الاستعمار الفارسي.

أما المسألة الدينية، فإن الديانة المصرية القديمة لم تعبد الحيوان، ولكنها اعتبرته رمزاً مقدساً ووضعته ضمن منظومة دينية هي "نتر"، فالديانة المصرية القديمة كانت تعترف بإله واحد في السماء، أما النتر فهم أوجه تجلي الإله أو مساعدوه أو ملائكته، وفي كل الأحوال لم يقدم قدماء المصريين أضحية أو ذبائح للنتر عبر تاريخهم، فقد كانت العبادة لله فقط وليس للتماثيل، فلم يعبد أو يقدس أو يسجد المصريون للتماثيل قط.

وقد سجل هيرودوت أن مصر بها نمل بحجم الثعالب ينقب عن الذهب في الجنوب، ولم يكتف بنقل الروايات الشعبية أو أكاذيبه وانحيازه لليونان، ولكنه ردد أكاذيب الفرس عن مصر، حيث ادعت النخب الفارسية أن الجيش الفارسي احتل مصر عن طريق اتخاذ القطط كدروع بشرية أمام المصريين، وأن المصريين لأنهم يعبدون القطط لم يستطيعوا قتل الجيوش الفارسية وهي تدخل أرض مصر.

هيرودوت صور حكام مصر القديمة بأنهم طغاة مقارنة بحكام فارس واليونان، وأن الملك خوفو أجبر ابنته على الدعارة من أجل توفير التمويل اللازم لبناء الهرم الأكبر.

ولكن أكاذيب ومنهج هيرودوت في صياغة التاريخ المصري أصبحت مرجعية لكل مثقف وباحث ومؤرخ وجغرافي ورحالة ومحلل حاقد على مصر، يأتي إلى شعبها الطيب وبدلاً من نقل الحقيقة تشتعل نفسه بالحقد ويبدأ في صياغة سرديات وديباجات تحط من شأن الشعب المصري.

وأصبح هم أعداء مصر عبر التاريخ هو كسر الشعب المصري وافتخاره الوطني وموروثه الحضاري، عبر الإساءة الدورية المستمرة إلى تاريخه ومحاولة حقن الوعي الجمعي المصري بسرديات بديلة أو كاذبة عن التاريخ المصري.

وأصبحت استراتيجية حقن عقول ونفوس المصريين بالدونية واحتقار الذات وجلد النفس والشعور بالضآلة على الدوام هي لعبة أساسية ضد المصريين عبر العصور، ومحاولة نسب المنجز الحضاري المصري إلى شعوب الجوار وأمم بائدة من أجل تصفية المرجعيات الوطنية المصرية.

وللمفارقة أن علماء الآثار وعلماء المصريات بدورهم وضعوا العشرات من التصورات والتراجم الخاطئة عن الحضارة المصرية القديمة، وهو أمر تم اكتشافه لاحقاً مع تمصير علم المصريات وتمصير قطاع الآثار المصري، وأيضاً مع توالي الاكتشافات والقدرة على قراءة اللغة المصرية القديمة بدون أحكام مسبقة.

المؤرخ اليوناني الروماني بلوطرخس (لوسيوس مستريوس بلوتارخُوس) كان مهندس تشويه الديانة المصرية القديمة، ولم يكن الغرض من هذا التشويه سوى دمج ومزج الديانة المصرية القديمة بالديانات اليونانية الوثنية القديمة، وهو ما أدى إلى التشويه الموجود حتى اليوم بحق الديانة المصرية القديمة.

وقد سار على نهجه المؤرخ الروماني تاكيتوس (كورنيليوس تاكيتوس)، حيث تعمد تصوير الديانة المصرية القديمة باعتبارها مجموعة من الخرافات التي لا يصدقها العقل.

ويعود هذا العدوان الثقافي على المعتقد المصري القديم إلى أن غزاة مصر، الفرس والروم والرومان واليونان، قد عانوا كثيراً من القوة الروحانية المصرية، ومن اعتداد المصريين بدينهم، وتمسكهم بعبادة الإله الواحد، وقد اشتكى هيرودوت علناً في كتابه من أن الشعب المصري شعب محافظ مقارنة بالفرس واليونان، حيث اعتادت تلك الشعوب على المجون، بل ولهذا المجون جذور في أديانهم الوثنية التي كان من زمرة آلهتها الوثنية بعض آلهة الفسق والمجون.

وبكل أسف، حتى اليوم يصر البعض على النهل من كتابات مؤرخي الاستعمار الفارسي والرومي والروماني واليوناني وحتى الاستعمار الفرنسي والبريطاني بحق التاريخ المصري، رغم كم الأخطاء التي يتم رصدها بشكل دوري في هذه الكتابات التي سيطرت عليها الأهواء الشخصية والأحقاد الإمبريالية.

إن مصر هي هبة المصريين، فلم تنهض هذه الأمة يوماً إلا بسبب شعبها وبسالة أبنائها وقيم رجالها ونسائها، ولم تستمر هذه الأمة إلا بسبب قيم الأسرة المصرية، ولم تستمر الأمة المصرية في الوجود والحياة منذ فجر الخليقة وحتى فناء الكون إلا بموروثها الحضاري العصي على التزييف أو الاستبدال أو الفناء.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة