الثلاثاء 30 يونيو 2026

مقالات

استرداد الهوية

  • 30-6-2026 | 14:51
طباعة

تمثل ثورة الثلاثين من يونيو، في جوهرها، “فعل استرداد” عبقريًّا للهوية المصرية التي حاولت يد الزمان العبث بجيناتها الحضارية، فكانت صرخة بعثٍ أعادت للدولة هيبتها وللوطن روحه، وهي اللحظة الفارقة التي استعاد فيها الشعب المصري زمام تاريخه، ليؤكد أن هذا البلد لا يقبل المساس بجوهر شخصيته التي صهرتها آلاف السنين على ضفاف النيل.

استعادة الروح

لم تكن ثورة الثلاثين من يونيو مجرد صرخة شعبية في الميادين، بل كانت حركة لإعادة تمركز الهوية الوطنية التي كادت تذوب في قوالب ضيقة، فقد أعادت هذه الثورة لمصر ثقلها التاريخي كركيزة للاستقرار في الشرق الأوسط، حيث نجحت الدولة في صياغة عقد اجتماعي جديد يرتكز على مفهوم المواطنة لا الجماعة. هذا الحراك الشعبي كان بمثابة حجر الزاوية الذي سمح لمؤسسات الدولة باستعادة زمام المبادرة، ليس فقط لتأمين الداخل، بل لتقديم نموذج ملهم في التحرر والتمسك بالثوابت الوطنية أمام طوفان الفوضى الذي ضرب المنطقة.

أما على الصعيد الإقليمي، فقد عادت القاهرة مجددًا كبوصلة للقرار العربي، حيث استعادت مصر دورها القيادي من خلال سياسة خارجية تتسم بالتوازن والندية، فلم تعد مصر مجرد طرف مشارك كما أرادوا لها، بل أصبحت المحرك الأساسي لحل الأزمات المعقدة في ليبيا وغزة والسودان، معززةً بمشروعات تنموية عملاقة وربط قاري يمتد من المتوسط إلى قلب أفريقيا. وبالتالي، أصبحت قوة مصر تنبع من قدرتها على الموازنة بين حماية أمنها القومي وبين كونها مظلة جامعة للأشقاء، مما أعاد ترتيب موازين القوى في المنطقة لصالح الاستقرار.

وبالنظر إلى الأمور من منظور الطائر، تجد أن الريادة المصرية التي تبلورت عقب تلك الثورة المجيدة لم تكن شعارات سياسية، بل تجسدت في عبقرية المكان التي أُحييت عبر تحديث البنية التحتية والمدن الجديدة التي تضاهي العواصم العالمية. فقد أثبتت مصر للعالم أن بناء الدولة هو الضامن الوحيد للأمن القومي العربي، وأن استعادة دورها الإقليمي كحائط صد منيع أمام الأطماع الخارجية هو أهم ما يمكن طرحه على الطاولة العربية. وعليه، فإن هذه الثورة الشعبية تجسد مسيرة بدأت بقرار شعبي في الميادين، واستمرت بإرادة سياسية تدرك أن قدر مصر هو القيادة، وأن دورها في ريادة المنطقة ليس اختيارًا، بل هو حتمية تاريخية وجغرافية لا تقبل التأويل.

إعادة كتابة التاريخ

لم تكن لحظة الخلاص في الثلاثين من يونيو مجرد احتجاج سياسي عابر، بل كانت جراحة تاريخية دقيقة لاستئصال ورم أراد تغيير جينات الدولة المصرية التي استقرت عبر آلاف السنين. فقد وقفت مصر بكل ثقلها الحضاري ومؤسساتها العريقة أمام محاولة اختطاف الهوية الوطنية وتحويل الوطن إلى مجرد ساحة لمشروع عابر للحدود، فكان إنقاذ مصر في تلك اللحظة الفارقة يعني حماية التراث الإنساني من التبديد، وإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة الوطنية التي كادت أن تذوب في قوالب أيديولوجية غريبة عن الوجدان المصري الوسطي، ليعلن الشعب بوضوح أن مصر لا تُحكم بمنطق الجماعة، بل بروح الحضارة، وأن الشعب المصري قرر إعادة كتابة التاريخ.

عقب هذا العبور، كان على القاهرة أن تستعيد بريقها الذي خبا، ليعود الثقل الإقليمي المصري كضرورة لا غنى عنها لاستقرار المنطقة. فلم تعد مصر تكتفي بمقعد المشاهد، بل استعادت دورها كرمانة ميزان الشرق الأوسط، وصخرة تتكسر عليها أمواج الفوضى والتقسيم، من خلال سياسة خارجية تتسم بالرصانة والندية. فقد نجحت الدولة في فرض معادلات جديدة للأمن القومي، امتدت من تأمين السواحل المتوسطية إلى عمق القارة الأفريقية، مما أعاد للقاهرة هيبتها كقبلة للقرار السياسي، ومحور ارتكاز لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات إقليمية أو دولية.

إن الريادة المصرية التي نراها اليوم هي نتاج التحام عبقري بين إرادة البقاء وقوة البناء، فالدولة التي حاربت الإرهاب بيد، كانت تبني في الأخرى مدنًا وقلاعًا تعيد تشكيل وجه المنطقة. فقد أثبتت مصر للعالم أن قوتها ليست في ماضيها فحسب، بل في قدرتها على التجدد والقيادة، فاستعادت ريادتها بوصفها حائط الصد المنيع الذي يحمي المنطقة العربية من التفتت. وعليه، فهي رحلة عودة الروح إلى جسد الأمة، لتبقى مصر، كما كانت دائمًا، منارة الفكر، ومنطلق القرار، وحامية حمى الهوية العربية في مواجهة عواصف الزمان.

القاهرة وحتمية القيادة

لطالما كانت القاهرة، عبر العصور، في عُرف المؤرخين والجغرافيين السياسيين، هي قلب العالم الذي إذا نبض استقام جسد المنطقة بأكمله. والقراءة المتأنية لتاريخ القاهرة المعزية تكشف عن فلسفة مكانية تجاوزت حدود العاصمة الإدارية لتصبح مركز الثقل الحضاري. فمنذ تأسيسها على يد جوهر الصقلبي، لم تُبنَ لتكون مجرد حصن، بل لتكون منارةً وملاذًا. هذه العبقرية الجغرافية جعلت منها ركيزة للاستقرار، حيث كانت الصخرة التي تكسرت عليها أطماع التتار في عين جالوت، والحصن الذي حمى التراث العربي والإسلامي من الاندثار إبان سقوط بغداد والأندلس، لتمارس دورها التاريخي كحائط صد منيع يحفظ توازن القوى في الإقليم.

أثناء رحلة البحث لتأليف كتاب "التحفة الزكية في أخبار القاهرة المعزية"، وهو كتابي الأول، وجدت من خلال المصادر التاريخية أن القاهرة قد صيغت برؤية المدينة الجامعة، تلك التي استوعبت شتات الحضارات وصهرتها في بوتقة الهوية المصرية. وعليه، فإن استقرار المنطقة تاريخيًا ارتبط دائمًا بقوة القاهرة المركزية. ففي فترات ازدهارها المعماري في العصور الأيوبية والمملوكية، كانت هي المصدر الأول للشرعية السياسية والدينية، والمحرك الأساسي للتجارة العالمية بين الشرق والغرب. هذا الدور المحوري لم يكن وليد الصدفة، بل هو نتاج تلاحم "النهر" بـ"القلعة"، حيث خلقت البيئة القاهرية نموذجًا للدولة المركزية القوية التي تفيض بأمنها على جيرانها، وتمنع انزلاق المنطقة نحو الفراغ السياسي والاضطراب، وهذا ما أوردته في الكتاب بشكل أكاديمي.

وفي العصر الحديث، تجلت ريادة القاهرة في كونها مختبر النهضة العربية، فمنها انطلقت أولى حركات التحرر، وفي أروقتها صيغت مسودات القومية والعروبة. فإن المتأمل في تاريخ القرن العشرين يدرك أن استقرار العواصم العربية المحيطة كان دائمًا مرتهنًا ببوصلة القرار في قصر عابدين أو وزارة الخارجية المصرية. فلقد مارست القاهرة القوة الناعمة عبر أزهرها وجامعاتها وكُتابها، فكانت الضابط للإيقاع الفكري والسياسي، ومنعت محاولات التغريب أو التفتيت، مؤكدة أن أي مشروع إقليمي لا يمر عبر بوابات القاهرة هو مشروع يفتقر إلى مقومات الاستمرار والشرعية التاريخية.

إن ما نشهده اليوم من استعادة للثقل الإقليمي ليس إلا عودة إلى الحالة الطبيعية للتاريخ المصري، فالدولة الوطنية التي استردت عافيتها أدركت أن قدرها هو حماية الأمن القومي العربي من منطلق المسؤولية الحضارية.

فإن بناء القاهرة الجديدة، وتطوير البنية الأساسية، وإعادة إحياء القاهرة التاريخية، ليس مجرد مشروعات عمرانية، بل هو إعادة تأهيل لمركز القيادة ليمارس دوره التاريخي في ضبط التوازنات الدولية. ولمن يبحث في مصادرنا العتيقة سيجد أن حوادث الزمن أثبتت أن القاهرة هي صمام الأمان؛ إذا استقرت استقر الشرق، وإذا تحركت أعادت ترتيب أوراق العالم، لتبقى دائمًا هي الركيزة التي لا تميل، والمنارة التي لا تنطفئ.

على ضفاف نهر النيل، الذي لم يجرِ فيه الماء وحده، بل جرى التاريخ في أعطافه، طوّع المصري القديم الطبيعة القاسية ليصوغ أول مفهوم للدولة المركزية في الوجود. فإن عبقرية النيل لم تكن في فيضانه فحسب، بل في تلك العلاقة الروحية والوجدانية التي ربطت بين المزارع ومعبده، وبين المهندس ومقبرته الخالدة. وعلى هذه الضفاف وُلدت الحكمة قبل أن يعرفها العالم، ودُوِّنت أولى أبجديات الفلسفة والأخلاق في متون الأهرام، لتصبح مصر المختبر الأول للحضارة الإنسانية. فلم يكن النيل مجرد شريان للحياة، بل كان معملًا للقيم، حيث تشكلت على ضفافه مفاهيم العدالة والبعث والخلود، مما جعل من التراب المصري ذاكرةً حية للإنسانية جمعاء.

ومن الناحية التاريخية الأكاديمية، تشير عدد من الدراسات إلى أن المتأمل في العمق التاريخي يدرك أن الثقافة المصرية لم تكن نتاج ترف فكري، بل كانت فعل مقاومة للعدم. فمن رحم الطمي خرجت فنون العمارة التي تحدت الزمن، ومن ترانيم النهر استلهم الشعراء والموسيقيون ألحانهم عبر العصور. لقد وهب النيل للمصريين ثبات الشخصية وقدرة عجيبة على امتصاص الحضارات الوافدة وصهرها في بوتقة الهوية الوطنية، فظل النيل هو المعلم الأول الذي علّم البشرية كيف تبني بيتًا، وكيف ترسم حلمًا، وكيف تدون تاريخًا لا يموت. فالحضارة التي انطلقت من هنا لم تكن ملكًا للمصريين وحدهم، بل كانت رسالة تنويرية صاغت وجدان الشرق والغرب، لتظل ضفاف النيل هي المسرح الكبير الذي شهد أول فصول القصة الإنسانية وأكثرها بهاءً وخلودًا.

فلسفة الدولة المركزية

منذ اللحظة التي قرر فيها الملك نعرمر توحيد القطرين، لم تكن مصر تؤسس مجرد نظام حكم، بل كانت تبتكر مفهوم الدولة المركزية كأول نموذج سياسي عرفته البشرية. في الوقت الذي كان العالم يعيش فيه شتاتًا من القبائل والقرى المنعزلة، كانت ضفاف النيل تشهد ميلاد إدارة موحدة بحدود جغرافية واضحة، وجهاز إداري محكم يربط النهر بالبشر. هذه المركزية المصرية لم تكن سلطة قهرية، بل كانت ضرورة حضارية لإدارة شريان الحياة (النيل)، حيث انصهرت الهويات الفرعية في هوية وطنية واحدة، لتصبح مصر أول كيان سياسي في التاريخ يمتلك عاصمة ودستورًا أخلاقيًا وإرادة موحدة، مما جعلها النموذج الملهم الذي استقت منه الحضارات اللاحقة أبجديات التنظيم السياسي.

ومع نشأة هذه الدولة العريقة، برزت الحاجة إلى درع يحمي المكتسبات الحضارية، فكان ميلاد أول جيش وطني نظامي في التاريخ. فلم يكن المقاتل المصري مرتزقًا أو عابر سبيل، بل كان ابنًا لهذه الأرض، يخرج من قلب القرى والمدن ليدافع عن عقيدة وطنية راسخة. هذا الجيش، الذي تبلورت عقيدته النظامية منذ عصر الدولة القديمة، وبلغ ذروة احترافه في عصر الإمبراطورية مع تحتمس الثالث ورمسيس الثاني، كان أول من عرف الرتب العسكرية وخطط الالتفاف وسلاح الفرسان والتموين العسكري. إنه الجيش الذي لم يعرف يومًا الغزو من أجل السلب، بل كانت معاركه دائمًا حروب وجود لتأمين حدود الوطن، ليظل الجندي المصري عبر العصور هو الضمانة الحقيقية لبقاء الدولة واستقلال قرارها.

إن الربط بين المركزية والجيش في الوجدان المصري القديم خلق ما نسميه اليوم عبقرية البقاء، فالدولة التي تمتلك جيشًا وطنيًا ينبع من نسيج شعبها، لا يمكن أن تسقط وإن كبت. لقد أثبت التاريخ أن مصر، بجيشها النظامي العظيم، كانت الحصن الذي تكسرت عليه أوهام الطامحين في تغيير هوية المنطقة، من الهكسوس قديمًا وحتى قوى الفوضى حديثًا. فإننا اليوم، حين نتحدث عن ريادة مصر، فنحن لا نستدعي ذكريات منسية، بل نستند إلى حقيقة تاريخية وعلمية مفادها أن مصر هي التي علمت العالم كيف يكون الوطن مؤسسة، وكيف يكون الجيش شرفًا وعقيدة، لتظل الدولة المصرية هي الركيزة التي يستند إليها استقرار الشرق، وحارسة بوابة التاريخ التي لا تغفل.

ستظل الثلاثين من يونيو، في ذاكرة التاريخ، فعل استرداد لهوية أمة، ولحظة فارقة أعادت لمصر هيبتها المركزية وروحها الحضارية. إنها الثورة التي لم تنقذ الوطن من التفتت فحسب، بل أعادت صياغة ريادته الإقليمية، لتثبت للعالم أن إرادة الشعب المصري هي دائمًا كلمة الفصل في حماية استقلال الدولة وصون مقدراتها.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة