استقرار الداخل هو الركيزة الأساسية لصناعة قرار خارجي نافذ، فالدولة التي تتمتع ببناء سياسي داخلي مستقرة وتماسك شعبي قوي ومتين هي وحدها القادرة على صياغة توازنات في سياستها الخارجية بما يخدم المصلحة العليا للبلاد، وهذا ما ينطبق على مصر 30 يونيو التي أسست لعقد اجتماعي جديد وبناء سياسي قوي أهلها للتحرر من أي تجاذبات خارجية أو استقطابات دولية تؤثر علي صناعة قرارها السياسي داخليا أو
خارجيا.
ما قبل الثورة
رغم ان مصر تمتلك دبلوماسية عريقة وممتدة على مدار الزمان إلا إنها لم تحقيق استغلالا أمثل لثقلها الإقليمي والدولي وموقعها الجيوسياسي بما يحقق المزيد من المكتساب للداخل المصري، ورغم محاولة القاهرة ونجاحها بعد ثورة 23 يوليو وحضورها عربيا وأفريقيا بقوة إلا إنها دوليا كانت تواجه صعوبات نتاج تعرضها للعدوان الخارجي ما دفعها للانحياز الكامل لبناء علاقات جيدة مع الكتلة الشرقية دون الغربية، وبعد تحرير الأرض وتحقيق انتصار 6 أكتوبر عام 1973 اتجهت مصر لإحداث حالة انفتاح سياسي واقتصادي تواجدت بعدها بشكل فعال في محيطها الإقليمي والدولي بشكل نمطي مستقر حتي أصاب الوطن رياح الخريف العربي واستولت جماعة الإخوان الإرهابية على السلطة فكانت الفاجعة، حيث حاولت تلك الجماعة تقزيم الدور المصري الإقليمي والدولي لصالح قوي إقليمية أخرى، وتراجع بشكل ملحوظ التواجد المصري عربيا وأفريقيا كما غاب الحضور بفاعلية داخل المجتمع الدولي، لتأتي ثورة 30 يونيو المجيدة لتنعش السياسة الخارجية المصرية وتضع القاهرة في المكانة التي تستحق.
ثورة دبلوماسية
رغم أن ثورة يونيو هي محلية الصنع واستهدفت بالأساس إصلاح المسار السياسي الداخلي واستعادة الدولة الوطنية وازاحة حكم الجماعة الإرهابية، إلا أننا يمكن أن نوصفها بكونها ثورة في مجال العمل الدبلوماسي المصري أيضا، فتلك الإرادة الشعبية المصرية التي تشكلت في أعقاب الثورة انطبعت على صناعة القرار الدبلوماسي المصري الذي بات أكثر تحررا ومرونة وانفتاحا وبعيدا كل البعد عن الاستقطابات الخارجية، فهكذا الحال حينما تُصبغ الثورة بالصبغة الوطنية تصبح قيمة الوطن فوق أي اعتبار، حتي رغم عدم استيعاب بعض الدول الغربية حينها للثورة المصرية إلا أن هذا لم يؤثر على القرار المصري الداخلي ومن هنا ولد القرار الدبلوماسي الحر الذي واجه المجتمع الدولي بالحقائق دون مواربة بل إن الدبلوماسية المصرية حينها خاصت معارك دبلوماسية قوية لإفهام المجتمع الدولي واقع الحالة الوطنية المصرية، حيث كانت مواجهة دبلوماسية أعلت من المصلحة الوطنية وأسست لنمط جديد للدبلوماسية المصرية.
إعادة ترتيب الدوائر
عقب استقرار الداخل المصري وتولي السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي مقاليد الحكم بدأت على الفور الدبلوماسية الرئاسية في رسم وصياغة ملامح الوضعية المصرية داخل محيطها الإقليمي والدولي، ولصعوبة إعادة التموضع المصري خارجيا خاصة بعد عقود من الإخفاق وأيضا عام من حكم جماعة إرهابية أفسد ما كان قد تبقي لمصر خارجيا، كان لزاما على الدبلوماسية الرئاسية تحمل مهمة عودة الدور المصري إقليميا ودوليا، وبالفعل بدأ بناء السياسة الخارجية المصرية مجددا عبر إعادة ترتيب دوائر الاهتمام، وهنا اختار الرئيس السيسي أن تكون الجزائر أولى محطات زيارتها الخارجية عقب تولي المسئولية في إشارة إلى ان الدائرة العربية والأفريقية هي دائرة الاهتمام الأولي للدولة المصرية وقد ظهر بعد ذلك تفسير لهذا الاختيار متعلق بترابط الأمن القومي العربي وأيضا الأفريقي بالأمن القومي المصري، جولات مكوكية قامت بها الدبلوماسية الرئاسية في المحيط العربي والأفريقي نجحت بالفعل في إعادة القاهرة كعاصمة لصناعة القرار الإقليمي، في نفس الإطار بدأت مصر في تعزيز وتنمية دوائر اهتمامتها الخارجية على الصعيد الشرق أوسطي والأوروبي وأيضا الأسيوي بجانب صناعة علاقاتها متميزة مع كافة الاقطاب الدولية الكبري بما يحقق مصالح الداخل المصري.
كما عملت الدبلوماسية المصرية على تمكين مصر من العمل داخل المنظمات الدولية والإقليمية بكفاءة واقتدار.
ثوابت مصر الخارجية
أسست ثورة 30 يونيو المجيدة لنهج دبلوماسي يعتمد على مفهوم الحياد الإيجابي حيث التحلي بعدم الانحياز وفي نفس الوقت العمل من أجل حلحلة الازمات عبر التسوية السياسية والحلول الدبلوماسية بما يدعم الاستقرار الإقليمي والدولي، وهذا ما أكسب مصر مصداقية وثقة جميع الأطراف الدولية والإقليمية خاصة مع ارتكازها على ثوابت عمل لمعالجة الأزمات والصراعات الإقليمية تتضمن الآتي
1 - دعم الحلول السياسية والدبلوماسية كحلول ناجعة ونهائية لكافة الصراعات والأزمات
2 - دعم مؤسسات الدول الوطنية وإرادة الشعوب في تقرير مصيرها
3 - دعم الجيوش الوطنية كمؤسسات قادرة على صون مفهوم الدولة الوطنية
4 - عدم التدخل في الشئون الداخلية للدول ودعم وحدة وسيادة واستقرار الدول
5 - دعم والمشاركة في مسارات التنمية وإعادة الإعمار ما بعد النزاعات بما يحقق استدامة الاستقرار الداخلي للدول
6 - تفعيل دور المنظمات الدولية والإقليمية وتفعيل واحترام القوانين والاعراف الدولية
7 - الدفاع والمحافظة على مفهوم الأمن القومى العربي الذي يعتبر جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري وفي القلب من هذا القضية الفلسطينية
8 - العمل من اجل تحقيق الأمن والسلم الأفريقي بما ينعكس إيجابيا على الأمن القومي المصري
9 - تعظيم أداء مصر داخل الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي بما يمكنها من المساهمة الفعالة فى صياغة القرار الإقليمي والدولي
10 - المحافظة على الاتزان في العلاقات الخارجية والتحرر من أي تبعية او استقطاب دولي وعدم خوض مغامرات خارجية غير محسوبة
هذه الثوابت وغيرها في مجال السياسة الخارجية المصرية والتي رسخت لها ثورة 30 يونيو المجيدة تعد نبراسا ونموذجا يحتذى بها في المجتمع الدولي بل إنها جعلت من القاهرة الرقم الأهم والعنصر الفعالة القادر على المساهمة في حلحلة الازمات الإقليمية.
عصر الشركات الاستراتيجية
نجحت مصر من توظيف جودة علاقاتها الخارجية والتي اعتمدت على التحرر والاتزان وأيضا الانفتاح لتحقيق مصالح الداخل المصري، وقد استطاعت مصر أن تدخل عصر الشراكات الاستراتيجية الشاملة مع الكثير من الدول بمختلف النطاقات الجغرافية ما دفع الاتحاد الأوروبي للدخول مع مصر في شراكة استراتيجية شاملة في خطوة تؤكد أن مصر باتت شريكا استراتيجيا لمختلف دول العالم سواء كانت الشرقية أو الغربية، وهو ما نطبع على قدرة القاهرة المتعلقة بجذب الاستثمارات الخارجية وتفعيل تعاون مع العديد من الدول متعدد المجالات سواء كانت الاقتصادية والسياسية أو الأمنية والتنميوية وصولا للتعاون في المجالات الثقافية والرياضية وغيرها من مجالات تتيحها فكرة اتفاقيات الشراكات الاستراتيجية، وقد لعبت الدبلوماسية الرئاسية دورا محواريا وأساسيا في هذا الأمر حيث حرص الرئيس عبد الفتاح السيسي على تطوير علاقات مصر في مختلف الدول العربية والأفريقية والاوروبية وأيضا الاقطاب الدولية مثل الولايات المتحدة الأمريكية والصين وروسيا وغيرهم من دول، وأحدث نقلة إيجابة نوعية غير مسبوقة في مسار العلاقات بل كان حرص الرئيس السيسي على رعاية وتدشين العلاقات الاستراتيجية مع مختلف الدول الإقليمية والدولية تأكيدا مصريا صريحا على تموضع مصر الخارجي بما يرتقي ومكان ومكانة مصر وجمهوريتها الجديدة.
مصر والدور الإقليمي
تطلع القاهرة بدورها الأصيل في تخفيض التصعيد الإقليمي وإنهاء الصراعات والنزاعات سواء في محيطها العربي أو الأفريقي، وقد أعادت ثورة 30 يونيو المجيدة الحياة للقضية الفلسطينية، حيث يعد المحافظة على الدولة المصرية الوطنية العروبية والمحافظة على التزامها التاريخي والانساني تجاه القضية الفلسطينية هو طوق النجاة لمستقبل القضية التي كادت أن تتلاشي وسط رياح الخريف العربي وما خلفه من موجات تصعيد بالشرق الأوسط، ولكن منذ اللحظة الأولي للثورة وعقب تولي الرئيس السيسي المسئولية كانت القضية الفلسطينية هي بؤرة الاهتمام الأولي بل قالها الرئيس السيسي صريحة ومدوية في عام 2015 أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة " إن حلحلة الأزمة الفلسطينية سيتبعه حلحلة لكافة الازمات الإقليمية الاخرى" وأكد حينها كما يؤكد دوما على مبدأ حل الدولتين كحل عادل وشامل لتسوية الصراع، واتضحت أهمية ثورة يونيو بشأن مستقبل القضية الفلسطينية بعد الأحداث الأخيرة بقطاع غزة، وهنا فقط يجب التدبر ماذا لو لم تكن ثورة 30 يونيو؟ من المؤكد كان الشعب الفلسطيني سيواجه مصيرا أصعب دون عون ومساندة حقيقة من دولة يونيو القوية.
عدد اخر من القضايا المصرية والتي تسعي الدولة المصرية للعب دور فعال في ايجاد حلول جذرية لها بما ينعكس على الاستقرار الإقليمي وبالتبعية الأمن القومي المصري مثل دعم الاستقرار في السودان وترسيخ التعاون بين دول حوض النيل والمحافظة على الأمن المائي وصولا لدعم وقف التصعيد بالقرن الإفريقي والحفاظ على وحدة وسيادة الصومال، كما تهتم مصر بعودة الاستقرار الي ليبيا عبر دعم مؤسسات دولتها الوطنية وبما يضمن الحفاظ على سيادتها واستقرارها الداخلي وداخل النطاق الأفريقي أيضا نجد مصر حاضرة لمساندة دول منطقة الساحل الأفريقي وغرب أفريقيا في مواجهة مخاطر الإرهاب، كما تولي الدولة المصرية أهمية كبيرة للوقوف بجانب لبنان وتقوية جيشة بما يحفظ السيادة اللبنانية ويعد لها الاستقرار، وبشكل عام لا تغيب مصر أيضا عن دعم استقرار
اليمن وسوريا والعراق وكافة الدول العربية والأفريقية التي تعاني أزمات وهذا عبر مد العون والمساندة السياسية والدبلوماسية وأيضا الإنسانية.
ثورة 30 يونيو صنعت لمصر تموضعا إقليميا ودوليا يليق ومكانتها الحضارية والجيوسياسية ومكنت القاهرة من صناعة قرارها الخارجي المرتكز على إرادة شعبية وتماسك داخلي وأيضا قوة ردع جعلت القرار الدبلوماسي نافذا وقادرا على النفعيل، فباتت الخطوط الحمراء المصرية تحترم وتصان ودبلوماسيتها يرتكن لها العالم لما تتمتع به من شفافية ومصداقية وشرف، فلم يكن حضور غالبية قادة العالم لقمة شرم الشيخ للسلام إلا نموذجا شاهدا على عظمة ومكانة الدولة المصرية في محيطها الإقليمي والدولي، فقد أسست ثورة 30 يونيو لدبلوماسية مصرية أدخلتها عصر الشركات الاستراتيجية وجعلت منها اللاعب السياسي الأهم بالمنطقة.