التاريخ المصري ليس مجرد تعاقب حكام أو تغير عصور، بل هو صراع دائم بين الثبات الحضاري ومحاولات التشويه أو التفكيك. ولهذا تبدو المقارنة بين فترة الهكسوس وثورة 30 يونيو مقارنة رمزية تحمل أبعادًا ثقافية وفنية وسياسية عميقة، لأن الأزمتين ارتبطتا بسؤال واحد: كيف تحافظ مصر على هويتها حين تتعرض للاختراق؟
في عصر الهكسوس، تعرضت مصر لاضطراب سياسي كبير بعد دخول جماعات آسيوية إلى شمال البلاد وسيطرتهم على أجزاء واسعة من الدلتا. لم يكن التأثير عسكريًا فقط، بل امتد إلى شكل الحياة والفنون والعادات. فالفن المصري قبل الهكسوس كان قائمًا على الاتزان الهندسي والصرامة الروحية؛ فالتمثال المصري التقليدي يقف في حالة ثبات كامل، والوجه هادئ، والنظرة أبدية، والجسد خاضع لقانون النسب المقدسة.
ويتجلى ذلك في تماثيل الدولة الوسطى والحديثة، حيث نرى الجسد مصاغًا بروح معمارية لا بروح عضلية، وكأن الفنان لا ينحت إنسانًا عاديًا، بل يصوغ فكرة الخلود ذاتها. وفي نقوش الكرنك والأقصر، يبدو الإنسان جزءًا من نظام كوني دقيق، وكل خط يحمل معنى دينيًا وفلسفيًا.
أما في فنون الهكسوس، فتظهر روح مختلفة. دخلت إلى مصر عناصر زخرفية وآسيوية تميل إلى الحدة والحركة العسكرية. وظهرت الخيول والعجلات الحربية والأسلحة البرونزية بكثافة، وأصبحت بعض الأعمال أقل التزامًا بالقوانين الجمالية المصرية الصارمة. حتى الحلي والزخارف حملت طابعًا شرقيًا أكثر خشونة وزخمًا.
وفي نموذج الأسلحة البرونزية الخاصة بالهكسوس، نلاحظ أن القيمة البصرية ترتبط بالقوة والهيمنة أكثر من ارتباطها بالرمزية المقدسة. بينما كان المصري القديم يحول السلاح أحيانًا إلى عنصر احتفالي ذي قداسة، بدا سلاح الهكسوس عمليًا ومباشرًا، خاليًا من النزعة التأملية التي تميز الفن المصري.
أما في فنون المعابد المصرية بعد طرد الهكسوس، خاصة في عصر أحمس وتحتمس ورمسيس، فنرى انفجارًا بصريًا هائلًا يعكس عودة الثقة بالدولة. واتسعت المساحات المعمارية، وازدادت ضخامة الأعمدة، وتحولت الجدران إلى سرد بصري لفكرة الانتصار واستعادة النظام الكوني المصري المعروف باسم "ماعت". وكأن الفن نفسه كان يحتفل بعودة مصر إلى ذاتها.
ومن هنا يمكن فهم 30 يونيو بوصفها لحظة استعادة للهوية الوطنية في الوعي المصري الحديث. فقد شعر قطاع كبير من المصريين أن الدولة المدنية والفنون والروح الثقافية المصرية تواجه خطابًا يسعى إلى اختزال مصر في إطار أيديولوجي ضيق، يتناقض مع طبيعتها التاريخية القائمة على التنوع والتراكم الحضاري.
ولهذا جاءت الثورة، في نظر مؤيديها، باعتبارها فعل استرداد للدولة الوطنية، تمامًا كما مثل طرد الهكسوس استردادًا لمصر القديمة. ومن اللافت أن الفترتين أعقبهما خطاب واسع حول البناء والتعمير واستعادة القوة المركزية؛ فبعد أحمس بدأت مصر عصر الإمبراطورية والمعابد الكبرى، وبعد 30 يونيو ارتبط المشهد بمشروعات قومية ضخمة وخطاب يؤكد عودة الدولة واستقرارها.
إن الحضارة المصرية، عبر آلاف السنين، لم تكن ترفض التغيير، لكنها كانت دائمًا تقاوم الذوبان. ولهذا بقي الفن المصري، منذ المعابد القديمة وحتى الفن الوطني الحديث، شاهدًا على أن الهوية ليست مجرد شعارات، بل نظام عميق من الرموز والذاكرة والوجدان الجمعي.
وفي كل مرة تشعر فيها مصر أن روحها مهددة، تعود لتعيد تشكيل نفسها من جديد، كما لو أن أحمس لا يزال يغادر طيبة حتى الآن.