الثلاثاء 30 يونيو 2026

مقالات

مستقبل الثقافة المصرية بعد ثورة 30 يونيو.. سيناريوهات بناء الإنسان وتعظيم القوة الناعمة


  • 30-6-2026 | 15:17

د. حسام الضمراني عضو المجلس الأعلى للثقافة

طباعة
  • حسام الضمراني

مثّل الخامس من يونيو 2013 نقطة تحول فارقة في تاريخ الثقافة المصرية المعاصرة، عندما نظم عشرات المثقفين والفنانين والأدباء اعتصامًا مفتوحًا أمام مقر وزارة الثقافة بالزمالك احتجاجًا على السياسات الثقافية التي انتهجتها جماعة الإخوان الإرهابية خلال فترة وجودها في السلطة.

ولم يكن ذلك الاعتصام مجرد اعتراض على قرارات إدارية اتخذها وزير الثقافة آنذاك، بقدر ما كان تعبيرًا واضحًا عن رفض قطاع واسع من المثقفين لمحاولات إعادة تشكيل الهوية الثقافية المصرية وفق رؤية أيديولوجية ضيقة لا تتسق مع الطبيعة الحضارية والتاريخية للدولة المصرية.
ومن ثم تحول الاعتصام إلى مساحة للدفاع عن الهوية الوطنية المصرية وقيم التعددية والتنوير، واتسع نطاقه ليعكس حالة الرفض المجتمعي المتنامية لممارسات الجماعة وسياساتها.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى الحراك الثقافي الذي سبق ثورة 30 يونيو باعتباره أحد الروافد المهمة التي أسهمت في تشكيل الوعي العام، ومهدت لاندلاع الثورة التي أعادت رسم المشهد السياسي والاجتماعي والثقافي في مصر.
واليوم، وبعد مرور ثلاثة عشر عامًا على ثورة 30 يونيو، تبدو الحاجة ملحة إلى قراءة التحولات التي شهدها المشهد الثقافي المصري منذ ذلك التاريخ، ليس فقط من منظور التوثيق والرصد، وإنما من زاوية استشراف المستقبل أيضًا، خاصة أن الثقافة أصبحت أحد المكونات الرئيسية في مشروع بناء الجمهورية الجديدة، وأحد أهم أدوات تعزيز القوة الناعمة المصرية في الداخل والخارج.
وتنطلق عمليات الاستشراف عادة من رصد الماضي، ثم تحليل الوضع الراهن، ورصد الاتجاهات والتحديات والمتغيرات المؤثرة في كل مرحلة زمنية وصولًا إلى المستقبل المرغوب.
لقد قامت ثورة 30 يونيو، في أحد أبعادها الأساسية، على استعادة الدولة الوطنية المصرية، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على السياسات الثقافية التي تبنتها الدولة خلال السنوات اللاحقة. فالثقافة لم تعد مجرد نشاط ترفيهي أو قطاع خدمي محدود التأثير، وإنما أصبحت جزءًا من رؤية أشمل تستهدف بناء الإنسان المصري، وتعزيز الوعي الوطني، وترسيخ قيم الانتماء والمواطنة، باعتبارها الركائز الأساسية لأي عملية تنموية مستدامة.
ولعل المتابع لخطابات الرئيس عبد الفتاح السيسي منذ عام 2014 يلاحظ بوضوح حضور مفهوم «بناء الإنسان» باعتباره أحد المحاور الرئيسية في مشروع الجمهورية الجديدة.
وقد انطلقت هذه الرؤية من قناعة مفادها أن التنمية الحقيقية لا تتحقق عبر إنشاء المدن الجديدة أو تنفيذ المشروعات العملاقة فحسب، بل تعتمد في المقام الأول على إعداد المواطن القادر على استيعاب متغيرات العصر والمشاركة الفاعلة في صناعة المستقبل.
ومن هنا، جاء الاهتمام بتعزيز الوعي الوطني ومواجهة الأفكار المتطرفة، باعتبارهما جزءًا لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي المصري.
كما انعكس ذلك في عدد من المبادرات والمشروعات التي استهدفت الاستثمار في رأس المال البشري، وربط الثقافة بالتنمية المستدامة، وتحويلها إلى أداة فاعلة في بناء المجتمع.
ومن أبرز هذه المبادرات المشروع القومي للتنمية البشرية «بداية»، الذي يستهدف الاستثمار في الإنسان المصري من خلال برامج متكاملة في مجالات التعليم والصحة والثقافة والرياضة والتأهيل المهني.
كما برزت مبادرات أخرى تستهدف تنمية وعي الأجيال الجديدة وتعزيز انتمائها الوطني، عبر تعريفها بالمشروعات القومية والإنجازات التنموية، وربطها بتاريخ الدولة المصرية وحضارتها الممتدة.
وفي الوقت نفسه، شهدت السياسات الثقافية الرسمية تحولًا ملحوظًا نحو ترسيخ مفهوم العدالة الثقافية، الذي يقوم على إتاحة الخدمات والأنشطة الثقافية لمختلف الفئات الاجتماعية والجغرافية، وعدم اقتصارها على العاصمة والمدن الكبرى.
وقد تجلى ذلك بوضوح في التوسع في الأنشطة الثقافية الموجهة إلى المحافظات الحدودية والقرى الأكثر احتياجًا، خاصة في إطار المبادرة الرئاسية «حياة كريمة».
كما حظيت الهيئة العامة لقصور الثقافة باهتمام متزايد، باعتبارها الذراع التنفيذية الأوسع انتشارًا لوزارة الثقافة. فبفضل شبكتها التي تضم مئات المواقع الثقافية بين قصور وبيوت ثقافة ومكتبات عامة، أصبحت الهيئة إحدى أهم الأدوات التي تعتمد عليها الدولة في نشر الثقافة والوصول إلى مختلف الفئات العمرية والاجتماعية.
غير أن التحولات التي شهدها المجتمع المصري خلال العقد الأخير، خاصة على مستوى التكنولوجيا والاتصال، فرضت على المؤسسات الثقافية تحديات جديدة تتعلق بطبيعة الجمهور ووسائل تلقيه للمحتوى الثقافي. فقد أصبح الشباب والمراهقون، الذين يمثلون نسبة كبيرة من المجتمع المصري، أكثر ارتباطًا بالمنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما استدعى إعادة التفكير في آليات تقديم الخدمة الثقافية.
وفي هذا الإطار، اتجهت وزارة الثقافة إلى تبني مسار التحول الرقمي بوصفه أحد أهم متطلبات المستقبل. فتم إطلاق عدد من المنصات والتطبيقات الرقمية، مثل تطبيق «كتابي»، وتطبيق «توت»، ومنصة «اسأل تحوت»، بهدف إتاحة المحتوى الثقافي والفني والمعرفي بصورة أكثر سهولة وانتشارًا.
كما تستعد الوزارة لتفعيل منصة «e-SAKAFA»، التي تمثل خطوة مهمة نحو إنشاء بيئة ثقافية رقمية متكاملة، تتيح للمستخدمين الوصول إلى الخدمات الثقافية عبر الإنترنت، بما يسهم في توسيع قاعدة المستفيدين من الأنشطة الثقافية وتقليل الفجوة الجغرافية بين المركز والأطراف.
ومن منظور الدراسات المستقبلية، يمكن النظر إلى هذه التحولات الرقمية باعتبارها تعبيرًا عما يعرف بـ«السيناريو الجزئي» أو «الإصلاحي»، وهو السيناريو الذي يقوم على تطوير الأوضاع القائمة وتحسينها تدريجيًا دون إحداث تغييرات جذرية في بنية المؤسسة أو فلسفة عملها. فوزارة الثقافة لا تزال تعمل في إطار مؤسساتها التقليدية، لكنها تضيف إليها أدوات وتقنيات جديدة تساعدها على مواكبة التحولات الرقمية المتسارعة.
لكن المشهد الثقافي المصري بعد 30 يونيو لم يقتصر على التحول الرقمي فقط، بل شهد أيضًا تحولات مؤسسية وبنيوية أكثر عمقًا. فقد تم إنشاء مدينة الفنون والثقافة بالعاصمة الإدارية الجديدة باعتبارها واحدة من أكبر المشروعات الثقافية في المنطقة، كما شهدت السنوات الماضية افتتاح وتطوير عشرات المواقع الثقافية، وإعادة تأهيل عدد من المسارح والمكتبات وقصور الثقافة.
كذلك شهدت الأجندة الثقافية المصرية اهتمامًا متزايدًا بملفات الصناعات الثقافية والإبداعية، التي أصبحت تمثل أحد المكونات الأساسية للاقتصاد المعرفي المعاصر. وتشمل هذه الصناعات مجالات متعددة، مثل السينما والمسرح والموسيقى والنشر والفنون التشكيلية والتصميم والحرف التراثية والإعلام الرقمي.
ويعكس هذا التوجه إدراكًا متزايدًا لأهمية الثقافة بوصفها موردًا اقتصاديًا إلى جانب كونها موردًا حضاريًا ومعرفيًا. فالقوة الناعمة في القرن الحادي والعشرين لم تعد مرتبطة فقط بالإنتاج الفكري والفني، بل أصبحت ترتبط أيضًا بقدرة الدول على تحويل منتجاتها الثقافية إلى أدوات تأثير عالمي.
ومن هنا، يمكن القول إن جزءًا كبيرًا من التحولات الثقافية التي شهدتها مصر منذ عام 2013 يندرج ضمن ما يعرف في علم المستقبليات بـ«السيناريو التحولي»، الذي يفترض حدوث تغييرات جوهرية في السياسات والمؤسسات وأنماط العمل والقيم الاجتماعية، بما يؤدي إلى الانتقال من وضع قائم إلى وضع جديد أكثر تطورًا.
فإنشاء مدينة الفنون والثقافة، وتوسيع نطاق العدالة الثقافية، والتوجه نحو التحول الرقمي، ودعم الصناعات الإبداعية، وتعزيز الثقافة في القرى والمناطق الحدودية، كلها مؤشرات على أن الدولة المصرية لا تكتفي بإصلاح المنظومة الثقافية، بل تسعى إلى إعادة صياغة دور الثقافة نفسه في عملية التنمية الوطنية.
وعلى مستوى القوة الناعمة، حققت مصر خلال السنوات الماضية عددًا من الإنجازات المهمة في مجال صون التراث الثقافي غير المادي. فقد ارتفع عدد العناصر المصرية المدرجة على قوائم منظمة اليونسكو إلى أحد عشر عنصرًا بحلول عام 2025، من بينها السيرة الهلالية، والتحطيب، والأراجوز المصري، والسمسمية، والخط العربي، والكشري المصري، وغيرها من العناصر التي تعكس ثراء الهوية الثقافية المصرية وتنوعها.
كما عززت مصر حضورها الثقافي الخارجي من خلال المشاركة في معارض الكتب الدولية، وتنظيم الأسابيع الثقافية المصرية بالخارج، وتوسيع برامج الترجمة والنشر الدولي، بما يسهم في تعزيز صورتها الحضارية وتأكيد دورها التاريخي باعتبارها أحد المراكز الثقافية الكبرى في المنطقة العربية.
وبالنظر إلى مستقبل الثقافة المصرية حتى عام 2031، يمكن استشراف عدد من السيناريوهات المحتملة انطلاقًا من الاتجاهات الحالية والمتغيرات المؤثرة في البيئة الثقافية.
ويتمثل السيناريو الأول في السيناريو الجزئي أو الإصلاحي، الذي يقوم على استمرار مسار التطوير الحالي بوتيرة تدريجية، من خلال التوسع في الخدمات الرقمية، وتطوير البنية التحتية الثقافية، وزيادة كفاءة المؤسسات القائمة دون تغيير جذري في فلسفة عملها. ويُعد هذا السيناريو الأقرب إلى الواقع الحالي، نظرًا لارتباطه بالسياسات والمشروعات الجاري تنفيذها بالفعل.
أما السيناريو الثاني، فهو السيناريو التحولي، الذي يفترض انتقال الثقافة المصرية إلى مرحلة أكثر تقدمًا من خلال دمج التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في مختلف جوانب العمل الثقافي، وتطوير نماذج جديدة لإنتاج المحتوى وتوزيعه، وتحويل المؤسسات الثقافية إلى منصات معرفية وإبداعية تفاعلية قادرة على استقطاب الأجيال الجديدة. ويُعد هذا السيناريو الأكثر ترجيحًا خلال السنوات المقبلة إذا استمرت معدلات التطوير الحالية وارتبطت بخطط واضحة لقياس الأثر الثقافي والاجتماعي.
أما السيناريو الثالث، وهو السيناريو الراديكالي أو الجذري، فيفترض حدوث تحولات عميقة تعيد تعريف مفهوم العمل الثقافي نفسه، عبر الاعتماد الواسع على الذكاء الاصطناعي والبيئات الافتراضية والميتافيرس والتقنيات التفاعلية المتقدمة، بما يؤدي إلى ظهور أنماط جديدة من الإنتاج والإبداع والتلقي الثقافي. ورغم أن هذا السيناريو يبدو أكثر بعدًا عن الواقع الحالي، فإنه يظل احتمالًا قائمًا على المدى الطويل في ظل التطورات التكنولوجية المتسارعة التي يشهدها العالم.
وفي ضوء هذه السيناريوهات، يبدو أن مستقبل الثقافة المصرية بعد ثورة 30 يونيو يرتبط بقدرتها على الانتقال من مرحلة استعادة الدولة والهوية إلى مرحلة تعظيم العائد الثقافي والمعرفي والاقتصادي للثقافة، وتحويل القوة الناعمة إلى رافعة حقيقية للتنمية الشاملة.
لقد نجحت مصر خلال السنوات الماضية في استعادة حضور الثقافة على أجندة الدولة، وفي ربطها بمشروع بناء الإنسان والجمهورية الجديدة. غير أن التحدي الأكبر خلال السنوات المقبلة سيظل مرتبطًا بقدرة المؤسسات الثقافية على مواكبة التحولات التكنولوجية والاجتماعية المتسارعة، واستثمارها في بناء مواطن أكثر وعيًا وإبداعًا وقدرة على المنافسة.
ومن ثم، فإن الثقافة المصرية تقف اليوم أمام فرصة تاريخية للانتقال من مرحلة الدفاع عن الهوية إلى مرحلة صناعة المستقبل؛ وهو انتقال لا يقتصر على تطوير المؤسسات والمنشآت الثقافية، وإنما يتطلب بناء منظومة متكاملة تجعل من الثقافة قوة محركة للتنمية، وأداة لترسيخ الوعي، وجسرًا لتعزيز مكانة مصر الإقليمية والدولية، بما يحقق أحد أهم أهداف ثورة 30 يونيو: بناء الإنسان المصري وتعظيم القوة الناعمة للدولة.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة