الأربعاء 1 يوليو 2026

مقالات

"من تمرد العمال في الدولة القديمة حتى ثورة 30 يونيو" القاهرة: ثورات ووثائق في عيون الغرب

  • 30-6-2026 | 15:20
طباعة

القاهرة ليست مجرد مدينة، بل هي كائن حي، تحمل فوق جلدها العريق مئات السنوات من العمارة والحجر والبشر والفن الإسلامي والقبطي والفرعوني والغربي والقوطي والزخارف الأيقونية كالروكوكو وغيره، ويمكنك أن تتنسم شجن الماضي وألق الحاضر، في حالة من النوستالجيا العميقة الضاربة في جذور التاريخ. كما أنها ليست مجرد عاصمة، بل هي قلب مصر النابض بجسورها التي انسكبت عليها دماء الشهداء والمحبين، وهي أيضًا ملتقى السابلة والمساكين والجوعى والغاضبين، ومهد كل هبة شعبية. تآمر عليها المغول والصليبيون والاستعمار، وتخرج في كل مرة أقوى مما مضى. سكت عنها الظلم سنوات، فانفجرت فجأة كبركان. المدينة التي بناها الفاطميون حصنًا للدين، صارت حصنًا ضد عاتيات الزمن ومكائده. نتتبع خريطة الغضب القاهري من عصور الفراعنة (وإن لم تكن القاهرة موجودة بعد، لكن جذورها في ممفيس والفسطاط) حتى حكاية 30 يونيو 2013.

القاهرة حاملة جينات الثورات
عندما نقول "القاهرة والثورات"، فعلينا أن نبدأ بطيبة، حيث إن أول إضراب عمالي في التاريخ سُجِّل في عهد رمسيس الثالث، عام 1152 ق.م، حين توقف العمال عن العمل بسبب تأخر صرف القمح، وتحديدًا في قرية "دير المدينة"، الذين كانوا يبنون مقابر وادي الملوك. لم تكن القاهرة قد وُجدت، لكن روح العاصمة التي سترفض الجوع كانت موجودة، كذلك ثورة كهنة آمون ضد إخناتون، وثورة تاعا الثانية ضد الهكسوس. هذه "الثورات الأم" عبَّرت عن فكرة راسخة في هذا التاريخ الذي لا يُبارى: "مصر لا تقبل القهر".
حين تأسست القاهرة عام 969م، لم تكن مجرد معسكر لجيش المعز لدين الله، وسرعان ما تحول حي الجامع الأزهر إلى منصة وعي. لم تخرج ثورة عنيفة ضد الفاطميين، لكنهم زرعوا بذرة أن القاهرة مركز للخطاب الجمعي. لكن القاهرة عرفت ثوراتها الحقيقية لاحقًا، فقد كانت أولها ثورة أهل الحسينية ضد المماليك في القرن الرابع عشر، حين قتلوا واليًا ظالمًا بالحجارة.
في العصر المملوكي، كانت القاهرة مدينة الزلازل البشرية. وثورة حي الحسينية، الذي امتد خارج أسوار القاهرة الشمالية، واشتهر سكانه بأنهم كانوا الأشد بأسًا، انتفض فيها أهالي الحي عدة مرات ضد غطرسة المماليك ومظالم الولاة، ليس فقط بسبب فرض الضرائب الباهظة، بل أيضًا دفاعًا عن كرامتهم.
كما كانت انتفاضة القاهرة الأولى ضد الحملة الفرنسية (أكتوبر 1798م). وعلى الرغم من استسلام المماليك أمام الفرنسيين في معركة إمبابة، انطلقت الشرارة الأولى للمقاومة الشعبية من قلب القاهرة بقيادة شيوخ وعلماء الجامع الأزهر، لتضرب أروع الأمثلة في التضحية للدفاع عن المدينة.
وثورة القاهرة الثانية (مارس 1800م) تُعد إحدى أعنف الثورات التاريخية في العاصمة، حيث اتخذ الثوار من حي بولاق وحي الحسينية معاقل رئيسية لهم، وواجهوا فيها قسوة مفرطة وتدميرًا واسعًا من قبل قوات الحملة الفرنسية، بعد أن حاصرت المدينة.
والحقيقة أن تاريخ القاهرة زاخر بانتفاضات شعبية مشابهة ضد طغيان المماليك والحملات الأجنبية، فمنها ثورة 1348 ضد رسوم الأمراء، واحترق فيها حي القناطر، كما كانت هناك ثورة 1439 ضد والي النحاس، حيث ضربوا الطبول في الأزهر ورفعوا لافتات "لا إله إلا الله".
وعندما احتل العثمانيون مصر عام 1516، لم تنحنِ مصر، وبالطبع لم تنحنِ القاهرة، وعندما دخل نابليون القاهرة عام 1798، خرجت ثورة القاهرة الأولى في أكتوبر 1798، وسقط 5000 شهيد، مما دفع نابليون إلى أن يقول جملته الشهيرة: "القاهرة لن تستسلم". ثم حدثت ثورة القاهرة الثانية (مارس 1800) بقيادة العلماء، ورغم المدافع الفرنساوية، أثبتت القاهرة أن الاحتلال لا يدوم أبدًا فيها.
ثورات القاهرة في النصف الأول من القرن التاسع عشر في عيون المستشرقين والبريطانيين
قبل ثورة 1919 بقرن تقريبًا، عاش في القاهرة لعدة سنوات المستشرق الإنجليزي إدوارد لين (1801-1878)، وكتب موسوعته الأشهر "عادات المصريين المحدثين" عام 1836. لم يرَ لين ثورات كبرى في القاهرة، لكنه شخص استعداد المصريين الدائم للثورة بدقة عالية.
يصف لين أسواق القاهرة وحاراتها، ويلاحظ أن النساء القاهريات كنَّ "أكثر حماسة من الرجال في الأمور السياسية"، ويذكر حادثة وقعت أمام عينيه عام 1834 في حي الأزبكية، قامت فيها سيدة بضرب جندي عثماني بعصا؛ لأنها رأته يسيء معاملة بائع خضار. يقول لين: "سرعان ما تحول المشهد إلى عراك جماعي، وكأن الحي بأكمله في حالة استنفار دائم".
لم يفهم لين هذه الظاهرة بوصفها "ثورية" بالمعنى السياسي، بل بوصفها "عصبية قبلية" ترجع إلى أصول سكان القاهرة من الصعيد والفلاحين. لكنه كتب جملة نبوية: "هؤلاء الناس لو وجدوا قائدًا، لما تمكنت جيوش العالم من إخضاعهم". وبعد 76 عامًا وجدوا سعد زغلول، وبعده بثلاثين عامًا تقريبًا وجدوا جمال عبد الناصر، وأنور السادات، وحسني مبارك، وعبد الفتاح السيسي، هؤلاء الذين خرجوا من أبناء عائلات مصرية ليقودوا المصريين.
مخطوطة لين محفوظة في مكتبة جامعة كامبريدج، وتُعد أول تشريح غربي للشخصية القاهرية من منظور أنثروبولوجي. ويستفيد الباحثون اليوم من ملاحظاته عن "الغضب الفوري" الذي يتحول إلى "تنظيم سريع"، وهي بالضبط آلية عمل اللجان الشعبية في 2011.
أما كيف ترى الخارجية البريطانية القاهرة، فإن ذلك يبدو جليًّا في تقارير القناصل عن "الموجات الثورية" (1840-1914). ففي الأرشيف الوطني البريطاني (كيو، لندن)، توجد سلسلة من التقارير القنصلية من القاهرة، كتبها دبلوماسيون بريطانيون خائفون من أن تنتقل "عدوى الثورة" من أوروبا إلى مصر.
أحد هذه التقارير، بتاريخ 20 مارس 1848 (بعد أسابيع من ثورة باريس التي أطاحت بلوي فيليب)، كتبه القنصل جون بارن: "القاهرة تشبه مرجلًا يغلي. ليس هناك ثورة الآن، لكن العامة يرددون أغاني غريبة في المقاهي. واجهت صعوبة في المرور من باب النصر بسبب تجمع شباب يهتفون لـ«الحرية»، وهي كلمة يعرفونها الآن من الترجمات الفرنسية" [مرجع FO 78/789، فقرة 14].
وفي تقرير آخر عام 1882 (أثناء الثورة العرابية)، يصف قنصل بريطاني سلوك سكان القاهرة العادي أثناء القصف البحري للإسكندرية: "بينما الفلاحون يفرون، كان القاهريون يخرجون إلى الشرفات ويصفقون لكل قذيفة بريطانية تُخطئ الهدف. المدينة كلها تبدو في احتفال، هذا ليس خوفًا، إنه تحدٍّ غريب".
هذه التقارير تشكل وثائق ثمينة لفهم كيف نظرت الإمبراطورية البريطانية إلى القاهرة على أنها "مدينة بذرة تمرد دائم". ولم يكتفِ الدبلوماسيون بالملاحظات السياسية، بل وصفوا أيضًا عادات القاهريين في المقاهي والحمامات، مسجلين أدق تفاصيل الحياة اليومية التي كانت تنبئ بانفجار قادم.
وفي الثورة العرابية عام 1881، انطلق أحمد عرابي من أمام سراي عابدين (وسط القاهرة). وامتزجت هتافات الجنود والفلاحين بهتافات أهل الحسينية والسبتية، وعندما قصف البريطانيون الإسكندرية، كانت القاهرة قبلة الثوار. ورغم فشل الثورة وسقوط عرابي، ظل جامع الأزهر ينتظر دورًا آخر، ليرفع راية النضال ضد الإمبراطورية البريطانية.
ثورة 1919 وصورها
زهرة الثورات المصرية كانت ضد الإمبراطورية البريطانية عام 1919، حيث خرج طلاب القاهرة من مدرسة الحقوق، والتحق بهم العمال من شبرا ومن بولاق، وأغلقت القاهرة الخديوية (وسط البلد اليوم) محلاتها، وأضرب المحامون والأطباء. ووُضعت أول لافتة للكفاح المسلح: "الاستقلال أو الموت". وكانت القاهرة منصة سعد زغلول، ومنها انتقلت الثورة إلى الأقاليم. وأثبتت القاهرة أنه لا سلام مع محتل وغاصب.
صور ثورة 1919 لمصور مجهول:
في متاحف الجامعة الأمريكية بالقاهرة، توجد مجموعة نادرة من 800 صورة ستيريوسكوبية (ثلاثية الأبعاد) التقطها أوروبي ثري بين 1913 و1921.
هذا المصور صوَّر ثورة 1919 من شرفة منزله. وتُظهر الصور احتشاد الآلاف في شوارع القاهرة الخديوية، وهم يحملون اللافتات. والمذهل أن المصور الأوروبي التقط لحظات الهدوء داخل الثورة: مسيرات منظمة، ومتظاهرين واقفين بأدب، ونساء يرتدين الطرحة الأوروبية، وأخريات يرتدين العباءة.
يقول أمين مكتبة الجامعة الأمريكية: "القاهرة تبدو عالمية جدًا في هذه الصور، أكثر مما هي عليه اليوم". لافتات بالفرنسية والإنجليزية والعربية. هذا كان كوزموبوليتانية ثوار القاهرة.
مشاهدات المستشرقين: مَن رأى القاهرة تثور؟
المستشرقون الأوروبيون الذين زاروا القاهرة في القرون الثامن عشر والتاسع عشر والعشرين تركوا لنا نوافذ ومشاهد نادرة تطل على روح المدينة الثورية. لم يكونوا دائمًا موضوعيين، لكنهم سجلوا مشاهدات حية.
المستشرق الألماني كارل سوسهايم، على سبيل المثال، كان شاهدًا على القاهرة العثمانية، فقد زار سوسهايم القاهرة عام 1908، وهو يهودي ألماني، وكانت مهمته توثيق أحوال الدولة العثمانية. والتقى في القاهرة بضابط من تركيا الفتاة، ودوَّن في مذكراته صورًا حية للقاهرة في سنواتها المضطربة. لم يرَ سوسهايم ثورة شعبية كبرى، بل رأى قاهرة المؤامرات، حيث كان الضباط والساسة يخططون للتغيير. لكنه لاحظ شيئًا مثيرًا، وهو أن عوام القاهرة كانوا يراقبون كل شيء باهتمام، وجاهزين لأي انفجار. وتظهر مذكراته أن القاهرة كانت مدينة انتظار الثورة حتى قبل ثورة 1919.
شاهد مجهول على ثورة علي بك الكبير 1783
في عام 1783، نُشر في لندن كتاب بعنوان: "تاريخ ثورة علي بك ضد الدولة العثمانية"، يشمل وصفًا للقاهرة الكبرى، ويُعتقد أن المؤلف أوروبي زار المنطقة وتجول فيها، وهو يصف كيف استولى علي بك الكبير على مصر، وكيف تفاعل معه. ويصف المؤلف علاقته بسكان القاهرة، وطبيعة أهلها "الذين لا يهدأون، سريعي الغضب إذا مسهم ظلم". وهذه أول وثيقة غربية تحلل شخصية القاهري الثائر بطبعه. والملاحظ أن المؤلف يُعجب بقدرة سكان القاهرة على قلب الموازين، لكنه يخاف من "فوضاهم".
المرأة القاهرية في عيون مستشرقات القرن التاسع عشر – طاقة خفية
لا تكتمل الصورة دون دور المرأة القاهرية في مسيرة الثورات. المستشرقة الإنجليزية السيدة لوسي داف غوردون (1821-1869)، التي عاشت في القاهرة وكتبت "رسائل من مصر" (1865)، تركت شهادات نادرة.
"النساء هنا لسن فقط زوجات وأمهات؛ إنهن حارسات الذاكرة. رأيت فاطمة (جارتنا في حي الدرب الأحمر) تجمع الأطفال كل مساء وتحكي لهم عن يوم «قتلوا الوالي الظالم» - حادثة حدثت قبل 40 عامًا. هذه الحكايات تحافظ على غضب الأجيال" [رسالة بتاريخ 12 مارس 1864].
ماذا عن المشاركة المباشرة؟ تقول داف غوردون إن النساء القاهريات كن يذهبن إلى "الزّار" (طقوس روحية نسائية)، لكن تلك الطقوس تحولت إلى فضاء سياسي تحت الأرض. "في الغرفة المغلقة، لم تكن رقصات النساء وهتافاتهن فقط لطرد الأرواح، بل لتوجيه لعنات ضد الخديوي والقناصل الأوروبيين. لقد سُجنت اثنتان على الأقل بسبب كلمات قلنها في الزّار".
أما ماري وورلي مونتاجو (1689-1762)، التي زارت القاهرة في ثلاثينيات القرن الثامن عشر، فكتبت عن "شجاعة النساء في الأزقة الضيقة": "رأيت سيدة عجوزًا تلقن جنديًّا ألبانيًّا درسًا في الأدب بعصا المكنسة. الرجال يخافون من نسائهم أكثر مما يخافون من السلطان. ربما لو حكمت النساء القاهرة، لكانت ثوراتها أقل دموية... أو أكثر تنظيمًا".
هذه الشهادات تدمغ الأسطورة الغربية عن "المرأة الشرقية الخاضعة". فقد كانت المرأة القاهرية محركًا خفيًّا للتمرد، إما عبر نقل الحكايات الثورية للأطفال، أو عبر المشاركة في التظاهرات (كما في 1919 و2011 و2013).
القاهرة في الوثائق الغربية - من العداء إلى الإعجاب المقارن 1848
في الدراسات الغربية المعاصرة، يُقارن ثوار القاهرة بأبطال ثورات 1848 الأوروبية. تقول محللة أمريكية: "شباب ميدان التحرير يشبهون أبطال المتاريس في باريس عام 1848، نفس المستوى التعليمي والطبقة، ونفس الروح". والمفارقة أن الغرب، ممثلًا في بعض دوائره، يظن أن "العالم العربي ليس جاهزًا للقيم السياسية الغربية"، لكن سكان القاهرة أثبتوا العكس. حتى المؤرخ البريطاني إريك هوبزباوم قال عن ثورة 25 يناير: "تذكرني بـ1848 – ثورة بدأت في بلد ثم انتشرت كالنار".
ثورة 1952
نجمة ثورات مصر، أو هكذا كان يُراد لها، ثورة 23 يوليو 1952، انطلقت من شارع القصر العيني، وسرعان ما احتضنتها القاهرة، واحتضن الشعب المصري حركة الضباط الأحرار، يحدوهم الأمل في بناء الدولة التي حلم بها الجميع.
القاهرة تستيقظ بين 25 يناير و30 يونيو
بعد أحداث 25 يناير، دخلت القاهرة دوامة من الفوضى والصراع. أدركت القاهرة عام 2012 أنها وقعت في شرك التنظيمات الدينية التي تريد اختطاف الثورة. وحين صدر الإعلان الدستوري الجائر في نوفمبر 2012، كانت القاهرة على موعد مع اعتراضات هائلة أمام قصر الاتحادية. لكن الفصل الحقيقي كان في 30 يونيو 2013.
ثورة 30 يونيو 2013
في يونيو 2013، خرجت القاهرة كما لم تخرج من قبل أكثر من 30 مليون مصري في كل المحافظات، لكن القلعة كانت قصر الاتحادية ومنطقة وسط البلد. هذه المرة لم تكن الثورة على فساد قديم، بل على استبداد جديد ومشروع تهميش. حمل الشباب صورهم وورودهم، وقالوا للرئيس المعزول: "ارحل". رأيت عجائز وطلابًا وموظفين وعمالًا. القاهرة التي علَّمت العالم الثورات السلمية في 2011، أكملت الدروس في 2013. لا شرعية لحكم المنفرد والظلامي.
القاهرة: ثورة وهوية
القاهرة ليست مجرد مدينة عابرة. هي لغة الجموع، و"تحيا مصر" التي لا تنتهي. من إضراب عمال وادي الملوك إلى فض اعتصام رابعة، ومن سقوط نابليون إلى سقوط الحكم الديني، لا تنسى القاهرة جثامين شهدائها، ولا تغفر لمسيء. هي العاصمة التي تجيد القيام بثورتين في القرن، وتكتب دروسًا في التاريخ كل 30 سنة. لم يخلقها جوهر الصقلي لتبقى حصنًا، بل خلقها الشعب القاهري لتبقى قلعة الغاضبين. كلما طال الليل، عرفوا أن فجرها لا بد آتٍ.
ساعة القاهرة الحرة – “ثورة 30 يونيو 2013 في الوثائق الغربية”
على عكس 25 يناير التي نالت تغطية غربية واسعة، جاءت ثورة 30 يونيو 2013 بمثابة صدمة للعديد من المحللين الغربيين، خاصة أولئك الذين راهنوا على استقرار "التجربة الديمقراطية المزيفة بقيادة جماعة الإخوان الإرهابية".
في تقرير للمجلة الدولية للدراسات العربية (العدد 42، 2015)، وثق باحثون أمريكيون الظاهرة القاهرية الفريدة من نوعها، وكيف تحول سكان مدينة واحدة، في غضون أيام، من حالة يأس وإحباط بعد 2011 إلى أكبر تظاهرة سلمية في التاريخ بمشاركة 30 مليون شخص. يقول الباحث ديفيد شتاين: "القاهرة فعلت ما لم تفعله أي عاصمة أخرى في الربيع العربي؛ فهي التي بدأت الثورة، وهي التي صححت مسارها".
ونشرت صحيفة الغارديان البريطانية، في 30 يونيو 2013، تقريرًا بعنوان: "القاهرة – عاصمة الثورات المزدوجة". ويصف المراسل جاك شينيكي مشهد كوبري قصر النيل ليلًا: "جدران الكوبري غطتها الجرافيتي المناهضة لمرسي، إلى جانب صور شهداء 2011. والأسر المصرية تنزل بكاملها - الأم والأب والطفل – تحمل الأعلام. وأحد الأطفال (عمره 8 سنوات) يردد أمام الكاميرا: «عايزين نخلص حكاية مرسي عشان نرجع نلعب»".
أما واشنطن بوست، فحاولت تفسير لماذا كانت القاهرة تحديدًا "استثناءً": "سكان القاهرة هم المصريون الوحيدون الذين مروا بكل تجارب الحكم تقريبًا: فرعوني، وروماني، وعربي، وعثماني، وفرنسي، وبريطاني، وملكي، وثوري، ثم ديمقراطي معيب. هذه الذاكرة الطويلة تجعلهم حكامًا خبراء على من يستحق الحكم".
الإنسان القاهري: روح الثورة في الدراسات الأكاديمية الغربية
قبل أن تكون القاهرة حجارة وشوارع، كانت ولا تزال جماعة بشرية فريدة. فسكان القاهرة ليسوا مجرد ناس يسكنون مدينة، بل هم "صانعو التاريخ" الحقيقيون. منذ عصر الفاطميين، تعلم القاهري أن الشارع ملكه، وأن الجامع الأزهر ليس فقط للصلاة، بل "برلمان الشعب" حين تُغلق أبواب الحكام. لكن كيف نظر الأكاديميون الغربيون والوثائق الغربية إلى سكان القاهرة وعلاقتهم بالثورات؟ وهل كانوا يفهمون هذا "الجين الثوري" الذي يبدو فطريًّا لدى أبناء المدينة؟
تصنيف القاهريين في الثورات
في دراسة حديثة (2024) عن أدوار سكان القاهرة، قُسِّمت فئات السكان النشطاء إلى أربعة أدوار رئيسية: المستخدم، والمزوِّد الذاتي، والمدافع، والصانع.
لكن في السياق القاهري، يجد السكان أنفسهم غالبًا مضطرين إلى لعب دور "المصلح"، أي من يصلح ما أفسدته حكومات الولاة من المماليك والعثمانيين. فعلى سبيل المثال، وبعد يناير 2011، قام سكان أرض اللواء ببناء ممرات ترابية تربط حيهم بالطريق الدائري بأنفسهم، لأن الدولة، وبعد سنوات طويلة، أهملتهم. ثم دعوا الشرطة لفتح كمين هناك.
ثورة 30 يونيو: الوثائق الغربية تتحدث عن “الاستثناء القاهري”
حللت مجموعة من الوثائق الغربية دور سكان القاهرة في ثورة 30 يونيو 2013، لكن الدراسات تشير إلى ظاهرة فريدة: القاهرة ضد التنظيم الديني.
فبينما كانت بعض العواصم العربية تشهد صعود الإسلام السياسي، خرجت القاهرة بأعداد قياسية (تُقدَّر بـ30 مليونًا في كل مصر) تطالب برحيل مرسي. وتساءل الباحثون الغربيون: لماذا القاهرة تحديدًا؟ وكانت الإجابة: لأن سكان القاهرة طوروا عبر القرون مناعة ضد أي شكل من أشكال الهيمنة الأحادية، سواء كانت مملوكية، أو عثمانية، أو دينية.
القاهري: ثائر بالفطرة أم متعلم على الثورات؟
سكان القاهرة ليسوا "مولودين ثوارًا"، لكنهم يتعلمون الثورة من بيئتهم. فكل حي في القاهرة (من الحسينية إلى إمبابة إلى ميت عقبة) يحمل قصة تمرد. والمستشرقون – رغم تحيزاتهم – اعترفوا بأن هذه المدينة لا تُقهَر.
والوثائق الغربية التي رصدت القاهرة من 1783 إلى 2013 تتفق على أن المواطن القاهري فريد؛ إنه الشخص الذي ينتظر طويلًا، لكنه حين يثور... لا يعرف التراجع.
القاهرة، مدينة لا تُهزم
بعد هذه الجولة الوثائقية، تتضح الصورة: فالقاهرة لم تصنع الثورات فقط؛ بل إن الثورات صنعت القاهرة كمدينة أسطورية في الوعي الغربي والعربي. وسكانها، من الحارس إلى التاجر إلى المرأة العجوز، يشكلون شبكة لامركزية من الغضب المستعد للتفعيل. وقد رصد المستشرقون ملامح هذه "الشبكة" منذ قرون، بعضهم بإعجاب، وبعضهم بفزع. وتظل الوثائق الغربية – سواء كانت تقارير قنصلية أو صورًا ستيريوسكوبية – شاهدًا على أن العاصمة المصرية هي أكثر مدينة في الشرق الأوسط قدرة على صنع التاريخ.
لذا، حين ترى القاهرة اليوم واقفة على قدميها رغم كل الأزمات، تذكر أن هذه ليست مدينة عادية، وأن أهلها ليسوا عاديين، وأن تاريخها هو تاريخ الحضارات والذهب. هذه هي مدينة الألف عام (1057 تحديدًا الآن)، المدينة التي صُنعت من الجمر، والتي قالت للعالم كله: أنا سأبقى عالية دائمًا.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة