الخميس 2 يوليو 2026

مقالات

مصر... القلب والارتكاز وعبقرية المكان

  • 2-7-2026 | 15:37
طباعة

إنها الجغرافيا التي أعطت مصر سمات عبقرية المكان، وهي هبة من الله عز وجل، فلا خلاف ولا جدال ولا إمكانية للتغيير أو للتقليل من أهميتها أو شأنها. ولنبدأ بالفصل السادس والعشرين من رائعة جمال حمدان «شخصية مصر: دراسة في عبقرية المكان» بعنوان «قلب العالم: موقع مصر الجغرافي»، حيث يقول في مقدمة الفصل: «فمصر هي حجر الزاوية والأرض الركن في الثلاثية القارية Continental Triad التي يتألف منها العالم القديم، والوحيدة التي تلتقي فيها قارتان وتقترب منها ثالثة أكثر ما تقترب، لاسيما أنها تقع عند التقاء أربعة ضلوع من هاتين القارتين، وبهذه الصفة فإنها لا تمتاز فقط بالموقع المركزي المتوسط في قلب الدنيا القديمة، ولا بالموقع المدخلي أو موقع البوابة فحسب، ولكن أيضًا بالموقع العقدي البؤري» ص784.

وبعد الاستفاضة في استعراض الموقع الجغرافي، يتطرق الدكتور جمال حمدان إلى ما أسماه "الموقع البشري التاريخي"، وعلى خريطة في صفحة تالية (ص786) يتحدث عن استقرار الإنسان على أرض مصر بين موسميات جنوب شرق آسيا ومعتدلات غرب أوروبا، حيث يعبر عن ذلك نصًا بقوله: "مصر إذن تنفرد بأنها تتوسط كلًّا من خط الاستواء الاستراتيجي أو الجغرافي وخط الاستواء البشري أو التاريخي في العالم القديم، وطبيعي بعد هذا أن يكون موقع مصر الجغرافي العام موقعًا فريدًا بارزًا إلى أقصى حد، بل إن من المحتمل أنه لا يوجد على خريطة العالم الطبيعية أو البشرية السياسية أو الاستراتيجية موقع يعادله في الأهمية والقيمة.

حتى في الفترات العارضة التي تقلصت فيها هذه القيمة فعلًا، ظلت قيمته الكامنة كما هي في الصدارة. من هنا فلقد عُدّت مصر، ولا عجب، أخطر موقع استراتيجي في الدنيا، وأكبر دولة برزخ ودولة طريق وترانزيت أو دولة ممر وعبور في العالم؛ إنها لا نقول (عاصمة العالم) ولكن بسهولة (أهم بلد في العالم) كما وصفت بالفعل" ص787.

لذلك فإن الموقع الجغرافي المتوسط، بالإضافة إلى مقومات الحياة الأخرى كنهر النيل والمناخ المعتدل، ساهما في الاستقرار الذي نشأت عنه أقدم حضارة في التاريخ وأقدم دولة مركزية أيضًا. وهنا نعود إلى الجغرافيا ونهر النيل لنعرف سبب ارتباط نظام الحكم بمركزية النهر وتدفقه بالخير والنماء إلى كافة الأرجاء، فعبقرية المكان ليست فقط مرتبطة بوسطية الموقع، بل بوجود نهر النيل أيضًا. فلا يمكن تصور شكل الحضارة المصرية بدون ذلك النهر، أو بوجوده ولكن في موقع آخر ليس في وسط العالم كما هو الحال.

ولذلك فإن تداخل الموقع والظروف البيئية أسهما في تشكيل خصائص وخصوصيات الدولة المصرية؛ فمن كونها مركزًا للعبور، عبور قوافل التجارة والهجرة والحج برًّا وبحرًا، وهذا العبور ارتبط أيضًا بالبقاء والاستقرار سواء بالداخل أو على الثغر -الإسكندرية- وهو ما أسهم في تشكيل هذا التنوع الثقافي والحضاري الخليط بين الثقافات واللغات والعادات، وهو ما أسهم في تشكيل الهوية المصرية المتميزة التي أشار إليها الدكتور ميلاد حنا في كتابه الشهير "الأعمدة السبعة للشخصية المصرية".

ويبدأ بالبعد أو العمود "الفرعوني" الذي شكّل أقدم حضارة معروفة ومدونة في العالم، كما أن انتشار آثارها في كل متاحف العالم لا تخطئه العين، وهي آثار تم فيها تسجيل كافة أوجه النشاط الإنساني من مأكل وملبس وأدوات تجميل وآلات موسيقى وأدوات إنتاج زراعي وأساليب الكتابة والنقش على الحجر وجدران المعابد. كما شملت أيضًا التقدم العلمي غير المسبوق في الفلك والرياضيات والطب والفلسفة وأسرار التحنيط، وكذا أيضًا التنظيم والإدارة المبهرة لشؤون الحكم وأمور الحياة، ومنها أساليب الزراعة والري، وأعطى أيضًا عدة أمثلة على التقدم والابتكار، منها استخدام أساليب التشحيم في الآلات الزراعية والعجلات الحربية.

ثم ينتقل إلى العمود الثاني، وهو العصر اليوناني الروماني، وخلال تلك الفترة دخلت اللغة اليونانية إلى مصر وتعلمها المصريون، واستخدموها في إعادة كتابة اللغة المصرية القديمة بالحروف الإغريقية، وكانت الفترة التي بدأت فيها المسيحية في الانتشار، كما تم أيضًا إنشاء جامعة ومكتبة الإسكندرية التي ضمت حوالي 700 ألف كتاب، حتى امتدت ألسنة اللهب إليها عام 48 ق.م. بفعل إحراق أسطول يوليوس قيصر خوفًا من أن يستولي عليه الأعداء. ولكن بفضل جامعة الإسكندرية استمرت الحضارة الإغريقية في الازدهار خلال العصر المسيحي وحتى عام 529م، حيث كان من أهم إنجازات المكتبة القيام بترجمة التوراة من العبرية إلى اليونانية، وذلك قبل دخول المسيحية وانتشارها.

وهنا ننتقل إلى العمود الثالث "القبطي"، الذي ربما يتداخل نوعًا ما تاريخيًا مع الحقبة اليونانية والرومانية، إلا أن هذا العصر يتميز بأنه تم فيه صياغة قانون الإيمان المسيحي من خلال مدرسة الإسكندرية اللاهوتية، وهي التي يمكن مقارنة أهميتها بأهمية إنشاء مكتبة الإسكندرية في عهد البطالمة والأزهر الشريف في العصر الإسلامي، حيث قامت تلك المدرسة بتخريج عدد كبير من البطاركة والأساقفة الذين انتشروا في ربوع مصر وخارجها أيضًا. كما أن من أهم معالم هذا العصر بلورة فكرة الرهبنة، ولذلك فهي فكرة مصرية أصيلة على حد تعبير الكاتب، وهو ما اعترفت به كل فروع الرهبنة التابعة للمذهب الكاثوليكي في روما أيضًا.

كما أن من الخصائص الهامة أيضًا للكنيسة ما أطلق عليه الكاتب تعبير "كنيسة مناضلة لا تبغي السلطة"، وهو ما نلمسه منذ بداياتها مرورًا بدخول العرب إلى مصر وحتى وقتنا الراهن، مفضلة المحافظة على سلامة الوطن وعدم إحداث شروخ في نسيجه، مع استمرار المحافظة على جماعة الأقباط وحقهم في ممارسة عقائدهم. ولم يتوقف تأثير الكنيسة داخل الحدود المصرية فقط، بل تخطاها إلى خارج الحدود من حيث التواجد والتعاون مع المذاهب الأخرى.

العمود الرابع هو العمود الإسلامي أو العصر الإسلامي، الذي يسميه الدكتور ميلاد "فتحًا" وليس غزوًا أو احتلالًا، حيث قابله الأقباط بالكثير من الارتياح والترحيب حين أدرك عمرو بن العاص أنه أمام شعب قبطي مسيحي في حالة صراع واضطهاد من الدولة البيزنطية الحاكمة، التي أجبرت البطريرك الوطني الأنبا بنيامين على الهروب داخل البلاد بعد تعيين بطريرك ملكي من قبل الحاكم وبإيعاز من الإمبراطور البيزنطي. فما كان من عمرو بن العاص إلا أن قرّب رؤساء الأقباط وأحسن معاملتهم، فأعلموه بخبر اختفاء البابا بنيامين طالبين عودته إلى كرسيه، فاستدعاه ومنحه الحرية وأعاد له الكنائس المغتصبة، وقطع على نفسه عهدًا بحسن معاملة الأقباط وتركهم وشأنهم فيما يخص العقيدة الدينية، كما أنه قد قام بتخفيف الضرائب عن الأهالي.

ثم ينتقل الكاتب بعد ذلك إلى أهمية ودور إنشاء الجامع الأزهر — نسبة إلى فاطمة الزهراء ابنة الرسول عليه الصلاة والسلام — الذي سرعان ما تحول إلى جامعة لنشر المذهب الجديد، وهو ما لاحظه المصريون من متن أول خطبة أُلقيت فيه وما احتوته من أدعية جديدة تخص آل البيت، ثم ينتقل بعد ذلك إلى الحملة الصليبية وانتهاء الحكم الفاطمي لمصر وبداية الحقبة الأيوبية وما تلاها من حقب وصولًا إلى العصر الحديث.

أما العمود الخامس فهو "انتماء مصر العربي"، حيث يشير إلى أنه بعد الفتح الإسلامي فإن مصر قد شهدت مراحل متعددة من الهجرات العربية إليها، أولها كان متزامنًا بالطبع مع الفتح، ثم مرحلة أخرى بمقتضى سياسات مخططة من الأمويين، ثم مرحلة ثالثة في عهد الخليفة العباسي المتوكل، ثم وفدت مجموعات من المغرب خلال العصر الفاطمي، ثم توالت مجموعات من العشائر العربية ساعد في انتقالها صلاح الدين الأيوبي، وهو ما ساعد كثيرًا — مع انتشار الإسلام — في التحول من اللغة القبطية التي تراجعت إلى داخل الأديرة والكنائس إلى اللغة العربية.

والعمود السادس مرتبط بالموقع، أي "انتماء مصر للبحر الأبيض المتوسط"، ومنه ينتقل إلى العصر الحديث والحديث عن الحملة الفرنسية، والتي أحدثت حركة ثقافية كبرى من خلال عدد كبير من العلماء والمتخصصين المرافقين لها، ويدلل على هذا باكتشاف شامبليون لحجر رشيد وفك رموزه، وما أعقب ذلك من إرسال بعثات تعليمية إلى فرنسا في عهد الوالي العثماني محمد علي باشا، تمهيدًا لنقل مصر من ظلمة العهود العثمانية إلى بداية عصر النهضة، وما أعقب ذلك من إنشاء صناعات جديدة مصاحبة لنمو الحركات الفكرية وتطور الأفكار الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهو ما أدى في عهد الخديوي سعيد إلى رفع الجزية عن الأقباط عام 1856.

هذه النقلة الكبيرة أوجدت المناخ المناسب لمفاهيم وشعارات أن مصر للمصريين، وبروز فكرة القومية في أغلب البلدان الأوروبية وانتقالها إلى مصر. وفي النهاية يشير إلى العمود السابع، وهو انتماء مصر لأفريقيا، وكونها بوابة أفريقيا إلى آسيا وأوروبا، ويسرد دور مصر فيما قامت به من مساعدات لحركات التحرر الوطني بالقارة كلها، وهي مساعدات تنوعت بين العسكرية والسياسية والمادية أيضًا، ويشير إلى الفرص المتاحة للمزيد من التعاون في المجالات الصناعية والزراعية والتنموية المختلفة.

على أي حال، فالحديث عن موقع مصر وأهميته لا ينتهي، فهو متعدد ومتشعب. وكما أشار جمال حمدان إلى عبقرية المكان، وهي نعمة وهبة من الله عز وجل انعكست على شعبها العريق، فتميز وتنوع واحتفظ بهويته بالرغم من مرور العديد من الثقافات عليه، يتأثر ويؤثر ولا ينطمس. وهنا أود أن أشير إلى عدد من المعارك الهامة التي انكسر فيها العدو وزال الخطر على حدود مصر، وهي معركة عين جالوت، ومعركة العلمين، وحرب السويس 1956، وحرب أكتوبر 1973.

ففي معركة عين جالوت عام 1260م استطاع جيش المماليك بقيادة سيف الدين قطز إلحاق أول هزيمة قاسية بجيش المغول بعد انتصاراته المتتالية بداية من الدولة الخوارزمية إلى العباسية واجتياح بغداد، ثم باقي مناطق الشام حتى تم توقيفهم في عين جالوت قبل دخول الأراضي المصرية.

وأمر مشابه حدث عام 1942 في معركة العلمين حينما هُزمت القوات النازية بعد اجتياحها لدول المغرب العربي جميعها. أما في عام 1956، فما حدث من انكسار لقوات العدوان الثلاثي وما قام به أبناء مصر على كافة المستويات العسكرية والدبلوماسية والإعلامية يراه الكثير من الخبراء بأنه سطر نهاية الإمبراطورية البريطانية، تلك التي لم تغب عنها الشمس من قبل. أما في عام 1973 فالبطولة والانتصار في المعركة واستكمال المفاوضات الدبلوماسية حتى استرداد كامل الأرض.

لذلك كلما سمعنا أنشودة "مصر تتحدث عن نفسها" بصوت سيدة الغناء العربي السيدة أم كلثوم، من كلمات شاعر النيل حافظ إبراهيم، نعود إلى الجغرافيا والتاريخ والأحداث التي مرت على هذا البلد العظيم ونستشعر صدق الكلمات وصحتها، فمصر بالفعل كما جاء بالأبيات:

"أنا تاج العلاء في مفرق الشرق ودراته فرائد عقدي

إن مجدي في الأوليات عريق من له مثل أولياتي ومجدي

أنا إن قدر الإله مماتي لا ترى الشرق يرفع الرأس بعدي

ما رماني رامٍ وراح سليمًا من قديم عناية الله جندي"

أخبار الساعة

الاكثر قراءة