الخميس 2 يوليو 2026

مقالات

ما بعد 3 يوليو.. التعليم قاطرة التقدم

  • 2-7-2026 | 15:38
طباعة

شكّل الثالث من يوليو 2013 محطة فارقة في التاريخ المصري المعاصر، إذ دخلت الدولة مرحلة جديدة اتسمت بمحاولة استعادة الاستقرار السياسي والأمني، وإعادة بناء المؤسسات، وإطلاق برامج إصلاح اقتصادي وتنموي واسعة النطاق. وعلى مدار أكثر من عقد، شهدت مصر تحولات كبيرة في مجالات البنية التحتية والطاقة والتعليم والبحث العلمي والتنمية العمرانية، بالتوازي مع تحديات اقتصادية واجتماعية فرضتها المتغيرات الإقليمية والدولية.

بناء الدولة واستعادة الاستقرار المؤسسي

واجهت الدولة المصرية بعد عام 2013 تحديات متعددة شملت الأوضاع الأمنية والاقتصادية، وهو ما دفع إلى تبني سياسات تستهدف تعزيز كفاءة المؤسسات العامة وتحسين قدرتها على تقديم الخدمات. وفي هذا السياق، ارتبطت خطط التنمية طويلة المدى بإطلاق «رؤية مصر 2030» باعتبارها الإطار الاستراتيجي للتنمية المستدامة، التي تضمنت أهدافًا تتعلق بالتعليم والصحة والاقتصاد والابتكار والتحول الرقمي. وفي هذا الاتجاه شهدت مصر توسعًا ملحوظًا في مشروعات البنية التحتية، شمل شبكات الطرق والمحاور، ومشروعات النقل، وتطوير الموانئ، وإنشاء المدن الجديدة. وقد اعتبرت العديد من الدراسات أن تحسين البنية الأساسية يمثل عنصرًا رئيسيًا في جذب الاستثمارات وتحفيز النمو الاقتصادي وتحسين بيئة الأعمال، وتطوير التعليم.

التعليم: قاطرة التقدم

يمثل التعليم أحد المحاور الأساسية في رؤية مصر 2030، حيث تستهدف الدولة بناء نظام تعليمي أكثر جودة وقدرة على تلبية متطلبات سوق العمل والاقتصاد المعرفي. وتشير بيانات قطاع التعليم قبل الجامعي إلى أن مصر تمتلك واحدة من أكبر المنظومات التعليمية في المنطقة من حيث أعداد الطلاب والمعلمين، إذ يضم التعليم قبل الجامعي ما يزيد على 28.9 مليون طالب (عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء).

كما شهدت السنوات الأخيرة جهودًا لتطوير المناهج، والتوسع في استخدام التكنولوجيا التعليمية، وتحديث نظم التقييم، بالإضافة إلى التوسع في إنشاء المدارس ومؤسسات التعليم الفني والتكنولوجي. وقد خصصت مؤسسات دولية برامج دعم للإصلاح التعليمي في مصر، من بينها مشروع دعم إصلاح التعليم الذي أقره البنك الدولي بقيمة 500 مليون دولار بهدف تحسين بيئة التعلم وجودة التعليم (مجموعة البنك الدولي).

التعليم الجامعي والتوسع المؤسسي

سنتوقف بالحديث -خاصة- عند ملامح التطور الذي حدث في التعليم الجامعي، نظرًا لخبرتنا ومعايشتنا لتجربة العمل الجامعي لعشرات السنوات.

شهد قطاع التعليم العالي في السنوات الأخيرة توسعًا ملحوظًا في أعداد الجامعات الحكومية والأهلية والخاصة والتكنولوجية، وذلك في إطار استراتيجية تستهدف استيعاب الطلب المتزايد على التعليم الجامعي وتحسين التنافسية الدولية للجامعات المصرية. وتشير البيانات إلى أن عدد طلاب التعليم العالي بلغ نحو 4 ملايين طالب عام 2022، مع توقعات بارتفاع العدد بصورة كبيرة خلال السنوات المقبلة (عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء).

وقد ارتبط هذا التوسع بإنشاء جامعات جديدة وبرامج أكاديمية حديثة، والتوسع في الشراكات الدولية، وتعزيز مفهوم «الجامعات الذكية» والتحول الرقمي. وتؤكد استراتيجية التعليم العالي 2030 أهمية ربط التعليم الجامعي باحتياجات التنمية. وقد حددت هذه الرؤية مبادئ أساسية، حيث يلتقي التعليم والبحث العلمي والتواصل مع السوق بعملية الابتكار وريادة الأعمال لتحقيق أهداف التنمية المستدامة ورؤية مصر 2030 (عن الهيئة العامة للاستعلامات).

شهدت منظومة التعليم العالي في مصر طفرة كمية ونوعية في آن واحد، حيث تحولت الاستراتيجية من مجرد «استيعاب الأعداد» إلى «تنويع مسارات التعليم وربطه بسوق العمل الدولي والمحلي».

من الناحية الكمية، ارتفع عدد الجامعات في مصر ليصل إلى 135 جامعة (مقارنة بـ50 جامعة في عام 2014). ومن الناحية النوعية، شهد التعليم الجامعي والعالي في مصر تطورًا شاملًا، ويمكن تلخيص ملامح هذا التطور الشامل في النقاط الأساسية التالية:

إدخال «جامعات الجيل الرابع» (نموذج حديث للتعليم العالي يعتمد على التحول الرقمي، والابتكار، وريادة الأعمال، وربط البحث العلمي بالصناعة وسوق العمل، بحيث تصبح الجامعة شريكًا في التنمية الاقتصادية، وليس مجرد مؤسسة للتدريس)، وتستهدف هذه الجامعات: التعليم الذكي، والتحول الرقمي الكامل، وإدراج برامج دراسية بينية تجمع أكثر من تخصص، والتركيز على الابتكار وريادة الأعمال، وعقد شراكات مع الصناعة والشركات، ودعم البحث العلمي التطبيقي، وإنشاء منظومة للابتكار تربط الجامعة بالشركات والمؤسسات لخلق فرص عمل، وإعداد الطلاب لوظائف المستقبل مثل الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وتحليل البيانات.

كذلك تم التوسع في إنشاء الجامعات الأهلية، التي تقدم برامج بينية وحديثة بالتعاون مع جامعات دولية، وتنقسم هذه الجامعات الأهلية إلى:

جامعات أهلية دولية كبرى، مثل: جامعة الجلالة، وجامعة الملك سلمان الدولية بفروعها الثلاثة: الطور، وشرم الشيخ، ورأس سدر.

جامعات أهلية منبثقة من الجامعات الحكومية، حيث قامت معظم الجامعات الحكومية (مثل القاهرة، وعين شمس، وأسيوط، والمنصورة، والإسماعيلية، والمنوفية وغيرها) بإنشاء أفرع أهلية تابعة لها لتقديم تعليم متطور بمصروفات مناسبة.

استحداث مسار «التعليم التكنولوجي»: لأول مرة في مصر، تم إنشاء 10 جامعات تكنولوجية جديدة، مثل جامعة القاهرة الجديدة التكنولوجية، وجامعة الدلتا التكنولوجية، وجامعة بني سويف التكنولوجية، وجامعة مصر الدولية للتكنولوجيا.

ومن أهم المتغيرات التي حدثت أيضًا في الفترة الأخيرة تدويل التعليم العالي (استضافة الجامعات الأجنبية)، حيث أصبحت مصر مركزًا إقليميًا لجذب التعليم الدولي من خلال العاصمة الإدارية الجديدة ومناطق أخرى.

وتم إنشاء 9 أفرع لجامعات أجنبية مرموقة، مثل مجمع الجامعات الكندية، ومجمع جامعات المعرفة الدولية الذي يستضيف جامعة كوفنتري البريطانية، وجامعة هيرتفوردشاير وغيرها.

كذلك حدث توسع في الجامعات بموجب اتفاقيات دولية، مثل الجامعة المصرية اليابانية للعلوم والتكنولوجيا (E-JUST)، والجامعة الألمانية الدولية (GIU).

من جهة أخرى، تجرى عملية مستمرة لتطوير وتوسيع الجامعات الحكومية والخاصة. بالنسبة للجامعات الحكومية، ارتفع عددها إلى 28 جامعة حكومية لتغطية كافة المحافظات جغرافيًا (بإضافة جامعات مثل الأقصر، ومطروح، والوادي الجديد)، وزاد عدد الكليات والبرامج الخاصة بسوق العمل (مثل كليات الذكاء الاصطناعي، والنانو تكنولوجيا، وعلوم الفضاء).

كما ارتفع عدد الجامعات الخاصة إلى 32 جامعة خاصة لزيادة فرص الإتاحة التعليمية.

ومن المتغيرات المهمة في البحث العلمي في الجامعات المصرية حدوث قفزة في التصنيفات الدولية والنشر العلمي، أدت إلى تحسن ترتيب الجامعات المصرية بشكل ملموس في التصنيفات العالمية مثل (تايمز البريطاني، وشنغهاي، وQS)، وحصول مصر على المركز الأول عربيًا في عدد الدوريات العلمية المدرجة بتصنيف «كلاريفيت» الدولي، وزيادة معدلات النشر الدولي للأبحاث الصادرة من مراكز البحوث والجامعات المصرية.

ويتم حاليًا تطبيق الاستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي عبر ميكنة الامتحانات والاختبارات الإلكترونية في القطاع الطبي كمرحلة أولى، وتعميمها تباعًا، وإطلاق منصات تعليمية رقمية، وتطوير البنية التحتية المعلوماتية للجامعات (شبكات الفايبر والإنترنت السريع).

ورغم كل التطور الكمي والنوعي في التعليم الجامعي، هناك عدد من التحديات التي تواجه التعليم الجامعي في مصر، منها:

تحديات التمويل:

رغم التوسع الكبير في إنشاء الجامعات والكليات، ما زالت قضية التمويل تمثل تحديًا رئيسيًا؛ فالجامعات تحتاج إلى موارد مالية مستدامة لتحديث المعامل والمكتبات والبنية الرقمية، ودعم البحث العلمي، وجذب الكفاءات الأكاديمية. وتشير دراسات حديثة إلى أهمية تنويع مصادر التمويل وعدم الاعتماد على الموازنة الحكومية وحدها.

الفجوة بين مخرجات التعليم وسوق العمل:

يواجه كثير من الخريجين صعوبة في الحصول على وظائف تتناسب مع تخصصاتهم، ويرجع ذلك إلى تضخم أعداد الخريجين في بعض التخصصات، وعدم التوافق الكامل بين بعض البرامج الدراسية لهذه التخصصات واحتياجات سوق العمل المتغيرة، وتجرى حاليًا إعادة هيكلة للبرامج التعليمية بما يتوافق مع احتياجات سوق العمل المحلي والإقليمي والعالمي. وفي هذا السياق، ثمة جدل مثار في الفترة الأخيرة حول تقليص أعداد بعض التخصصات في الدراسات الإنسانية.

لقد شهد التعليم الجامعي توسعًا كميًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة، لكن التحدي الحقيقي يتمثل في الحفاظ على الجودة، وتحسين أساليب التدريس والتقييم، والانتقال من الحفظ والتلقين إلى التفكير النقدي والإبداعي.

أما فيما يخص البحث العلمي، الذي يعد أحد الأهداف الرئيسة للتعليم الجامعي، فلا يزال الربط بين البحث العلمي واحتياجات الصناعة والإنتاج محدودًا في بعض المجالات، كما تواجه بعض المشروعات البحثية صعوبات تتعلق بالتمويل أو تحويل النتائج البحثية إلى تطبيقات اقتصادية ومجتمعية. يضاف إلى ذلك الصعوبات الإدارية، فهناك بعض الإجراءات الإدارية واللوائح التقليدية التي قد تعيق سرعة اتخاذ القرار، وتنفيذ الخطط الاستراتيجية داخل الجامعات.

بالإضافة إلى ذلك، فقد أصبح التحول الرقمي ضرورة، إلا أن تطبيقه يتطلب بنية تحتية قوية، وتدريبًا مستمرًا لأعضاء هيئة التدريس والطلاب، وتطوير نظم التعليم الإلكتروني.

مقترحات وتوصيات:

نحن في عالم يتسم بالتراكم المعرفي المتسارع، وهذا الوضع يضعنا أمام ضرورة التطوير المستمر للمناهج والبرامج الدراسية، والمراجعة الدورية لها. إضافة إلى ذلك، فإن الدراسات الإنسانية لا يتم الاهتمام -عادة- بالجوانب التطبيقية الخاصة بها، وفي هذا السياق من المهم تدعيم هذا الجانب ومحاولة المواءمة مع احتياجات سوق العمل. كذلك من المهم إدراج مهارات الذكاء الاصطناعي، وبرامج ريادة الأعمال في جميع التخصصات، والتوسع في برامج التدريب العملي.

أما فيما يخص البحث العلمي، فمن المهم زيادة الإنفاق على البحث العلمي، وتشجيع البحوث التطبيقية التي تنطلق من مشكلات المجتمع، واحتياجات الصناعة، ومتطلبات التنمية. وأود أن أتوقف في هذا السياق عند منظومة عمل اللجان العلمية للترقيات لوظائف الأساتذة والأساتذة المساعدين، التي كان من الممكن أن تلعب دورًا في تدعيم البحث العلمي ودفعه، غير أنها، وفق نظامها الراهن، يصعب أن تقوم بهذا الدور. وقد سنحت لي، لسنوات طويلة، فرصة المشاركة في أعمال اللجان العلمية عضوًا، وأمينًا، ومقررًا، وعضوًا في اللجنة الاستشارية العليا التي تنظر في التظلمات المقدمة ضد اللجان العلمية. وفي رأيي، من الممكن للجان الترقيات الدفع بالبحث العلمي في حالة ربط متطلبات التقدم للترقية بالبحوث المنشورة دوليًا فقط، والمشاركة في المشروعات البحثية الدولية. وهذا الوضع، بالإضافة إلى المساهمة في تنمية البحث العلمي، وتحسين وضع الجامعات المصرية في التصنيفات الدولية، يضمن الموضوعية والنزاهة في التقييم.

ثمة فوارق بين ظروف القاعات التدريسية في كليات الجامعات الحكومية، فبينما يدرس طلاب نظام «الكريدت» المدفوع الأجر في الجامعة الحكومية في قاعات مكيفة ونظيفة، وتحوي تجهيزات للدراسة الإلكترونية، يدرس الطلاب بنظام الدراسة العادية في نفس الكلية في قاعات مختلفة الظروف. نتطلع إلى تقريب الفوارق في ظروف القاعات التدريسية بين الطلاب بنظام الدراسة العادية وطلاب نظام «الكريدت»، تحقيقًا لعدالة البيئة التعليمية.

وأخيرًا، مما لا شك فيه أن الاستثمار في التعليم الجامعي والبحث العلمي ليس مجرد تطوير لقطاع خدمي، بل هو استثمار في رأس المال البشري، الذي يمثل الأساس الحقيقي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية وبناء الدولة الحديثة، وهو ما يتوافق مع أهداف رؤية مصر 2030 والاستراتيجية الوطنية للتعليم العالي والبحث العلمي.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة