قال وزير التعليم العالي والبحث العلمي الدكتور عبدالعزيز قنصوة إن الحضارة الإسلامية عبر تاريخها كانت حضارة إنتاج المعرفة وليست حضارة حفظ لها فقط، فمن مدارسها وجامعاتها ومكتباتها ومراصدها العلمية انطلقت إسهامات شكلت أساسًا لتقدم البشرية في الطب والهندسة والرياضيات والفلك والفلسفة والعلوم الإسلامية.
جاء ذلك في كلمة وزير التعليم العالي التي ألقاها خلال جلسة بعنوان "المبادرات الدينية والتعليمية في أوزبكستان الجديدة: أفكار مبتكرة وتوجهات استراتيجية للنهضة الثالثة"، وذلك خلال فعاليات المنتدى الإسلامي الدولي الأول المنعقد في المركز الحضارة الإسلامية في طشقند.
وأضاف قنصوة "أن مسئولياتنا اليوم تتمثل في إعادة توظيف هذا الإرث الحضاري؛ ليصبح ركيزة لبناء منظومات تعليمية أكثر إبداعًا وبحث علمي أكثر تأثيرًا واقتصاد معرفي أكثر قدرة على المنافسة".
وأوضح أن مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان يمكن أن يقود مرحلة جديدة من التعاون بين دول العالم الإسلامي من خلال إقامة شبكة بحثية متخصصة في تاريخ العلوم والحضارة الإسلامية، وإطلاق منصة رقمية موحدة للمخطوطات تعتمد على الذكاء الاصطناعي في الفهرسة والترجمة والتحليل، بجانب تطوير برامج أكاديمية مشتركة في التراث الرقمي والانسانيات الرقمية ودعم المنح البحثية، وإقامة مختبرات للابتكار الثقافي تربط الباحثين بالمطورين رواد الأعمال؛ لتحويل التراث إلى تطبيقات تعليمية وثقافية وسياحية مبتكرة.
وتابع "أن الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يقتصر دوره على رقمنة التراث بل يجب آن يسهم في بناء قواعد معرفية عربية وإسلامية موثوقة، مع تطوير نماذج لغوية تعكس حضارتنا وتعزز حضورها في الثورة الرقمية العالمية؛ بما يضمن مساهمة العالم الإسلامي في إنتاج المعرفة الرقمية لا الاكتفاء باستهلاكها".
وأشار وزير التعليم العالي إلى التجربة المصرية في بناء جيل من الجامعات الرائدة التي تجمع بين التميز الأكاديمي والبحث العملي المؤثر والابتكار وريادة الأعمال، والتوسع في الشراكات الدولية ودمج الذكاء الاصطناعي في التعليم والبحث العلمي، وربط البحث العلمي باحتياجات الصناعة والتنمية المستدامة؛ بما يجعل الجامعة محركًا للاقتصاد القائم على المعرفة.
وأعرب عن اعتقاده بأن التعاون مع مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان يمكن أن يفتح مجالات جديدة للمشروعات البحثية المشتركة، والدرجات العلمية المشتركة، وبرامج التدريب وتبادل الباحثين، وإنتاج المعرفة الرقمية، وبناء القدرات في مجالات التراث الرقمي والابتكار والذكاء الاصطناعي.
واقترح إطلاق المنصة الإسلامية للعلوم المستقبلية والفتوى والذكاء الاصطناعي كمبادرة مشتركة بين منظمة الأيسيسكو ومركز الحضارة الإسلامية بأوزبكستان تحت إشراف مجلس علمي يضم أصحاب الفضيلة المفتين والعلماء وبمشاركة وزراء التعليم العالي والبحث العلمي وخبراء الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات والأخلاقيات الرقمية والعلوم الاجتماعية واستشراف المستقبل.
وقال وزير التعليم العالي "إن هذه المنصة تهدف لبناء مرجعية علمية مشتركة تتعامل مع القضايا الناشئة حول الثورة الرقمية من خلال منهج استباقي يجمع بين الفقه الرصين والفهم العلمي الدقيق واستشراف المستقبل؛ بما يسهم في تطوير اجتهاد جماعي يواكب التحولات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي، والطب الرقمي، والروبوتات، والبيانات الضخمة والعملات الرقمية وغيرها من التقنيات الحديثة".
وأضاف "أن المنصة ستعمل على بناء قاعدة معرفية موحدة للفتوى والدراسات واعداد أوراق سياسات وأدلة أخلاقية، وإطلاق برامج تدريبية وشهادات مهنية قصيرة لإعداد جيل جديد من العلماء والباحثين يجمع بين علوم الشريعة والعلوم التقنية وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي".
وتابع "أن حماية التراث لم تعد تعني فقط حفظ الاثار والمخطوطات وإنما تعني تحويل التراث إلى معرفة، والمعرفة إلى ابتكار، والابتكار إلى تنمية مستدامة؛ بما يعزز مكانة العالم الإسلامي في الاقتصاد العالمي القائم على المعرفة ".
وأشار إلى أن رئاسة مصر لمنظمة الأيسيسكو تمثل مسئولية نعتز بها وتدفعنا إلى دعم كل المبادرات لتعزيز التعاون بين الدول الأعضاء في مجالات التعليم العالي والبحث العلمي والثقافة والابتكار ، وتبني جسورًا جديدة بين الهوية والانفتاح وبين الأصالة والتقدم.
ودعا إلى تأسيس تحالف دائم بين الأيسيسكو ومركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان والجامعات الرائدة ومؤسسات الإفتاء ومراكز البحث؛ ليكون منصة عالمية لإنتاج المعرفة وتعزيز البحث العلمي وتطوير المحتوى الرقمي وتوظيف الذكاء الاصطناعي في خدمة التراث والحضارة والإنسان.
وأعرب وزير التعليم العالي عن ثقته بأن مركز الحضارة الإسلامية بالتعاون مع الأيسيسكو والجامعات والمؤسسات العلمية والدينية سيصبح منارة عالمية للمعرفة والابتكار ونموذجًا للتكامل بين التراث والتكنولوجيا وبين الأصالة والتجديد وبين القيم الإنسانية والتقدم العلمي.