تمتلك الهيئة العامة للأرصاد الجوية، أحد أهم القطاعات العلمية والتطبيقية التابعة لوزارة الطيران المدني، مسيرة حافلة من الإنجازات على المستويين الوطني والدولي منذ عام 1829 م وحتى الآن؛ أي أن ما تقدمه اليوم من تنبؤات دقيقة، وحذر استباقي ليس وليد اللحظة بل هو امتداد لإرث مصري عريق يمتد عبر القرون.
كما أن استمرار الهيئة في توضيح حالة الطقس بدقة وتقديم الإنذارات المبكرة ورسم الخرائط المناخية المستقبلية، يرسخ مكانتها كركيزة أساسية لا غنى عنها في حماية الأرواح، وتأمين الاقتصاد الوطني، ومواجهة التحديات البيئية العالمية بكل كفاءة واقتدار.
وتتجلى الأهمية القصوى لدور الهيئة في كونها العين الساهرة التي توضح حالة الطقس وتقلباته لحظة بلحظة؛ مما يجعلها شريكا أساسيا في حماية الأرواح والممتلكات، ودعم القرارات اليومية للمواطنين، فضلا عن تأمين كافة قطاعات الدولة الحيوية، مثل الطيران والملاحة والزراعة، لتبقى هذه المؤسسة العريقة دائما خط الدفاع الأول في مواجهة التحديات المناخية.
وقبل ما يقرب من مائتي عام وتحديدا في عام 1829م، أصدر محمد علي باشا أوامره بقياس درجات الحرارة يوميا تزامنا مع أوقات الصلوات الخمس في غرفة بحرية بمدرسة المهندسخانة (كلية الهندسة جامعة القاهرة حاليا)، ليعلن بذلك عن ميلاد الهيئة.
وتميز عصر محمد علي بالاهتمام الكبير بالعلوم الحديثة وتأسيس الدولة، وهو ما انعكس على مراقبة الطقس والمناخ للأغراض الزراعية والعسكرية.. وكان الاهتمام بالطقس يتركز في (المهندسخانة) ومدرسة الطب، حيث اعتمدت هذه المدارس على تسجيل درجات الحرارة وحالة الرياح بشكل علمي لربطها بالظواهر الحيوية، مثل الزراعة وصحة الإنسان، وتقديم بيانات دقيقة لخبراء الري والزراعة.
ومع توسع محمد علي في زراعة المحاصيل النقدية (مثل القطن) وإدخال نظام الري الدائم وحفر الترع (مثل ترعة المحمودية)، أصبحت دراسة مواعيد الفيضان، وكميات الأمطار في منابع النيل، وتقلبات درجات الحرارة ضرورية لضمان نجاح المحاصيل وحماية الأراضي.
ومع بناء محمد علي لأسطول بحري قوي خاصة بعد إنشاء ترسانة الإسكندرية ومعارك، مثل حرب المورة، كان لابد من معرفة حالة البحر والرياح وتوقع العواصف البحرية حيث تم الاستعانة بالخبراء والضباط الفرنسيين لتدريب البحارة المصريين وتزويدهم بالمعلومات الأساسية حول الطقس والضغط الجوي لحماية السفن.
وفي عام 1859م، طلب الخديوى إسماعيل من محمود حمدي الفلكي أحد الدارسين بمدرسة المهندسخانة، والذي عمل بمرصد بولاق، إعادة بناء المرصد "الراصدخانة"، حيث وقع الاختيار لموقع الرصد الجديد بمنطقة العباسية، والذي استمر بأخذ رصدات جوية متصلة طوال 35 عاما قبل نقله إلى منطقة حلوان فى عام 1904م.
وفي عام 1915م، خلال عهد الملك فؤاد الأول، أصبحت مصلحة الطبيعيات هي المسؤولة عن خدمات الأرصاد الجوية.
وفي 28 أبريل 1952م، تم إنشاء مصلحة الأرصاد الجوية تتبعها ثلاثة مراكز متخصصة للتنبؤات، وهي: المركز الرئيسي بمبنى الهيئة بالقاهرة، ومطار القاهرة الدولي، ومطار ألماظة.
وبموجب القرار الجمهورى رقم 2934 لسنة 1971م، تم إنشاء الهيئة العامة للأرصاد الجوية المصرية، والتي أصبحت بمقتضاه تتولى إدارة المرفق على مستوى الجمهورية.
كما صدر القانون رقم 25 لسنة 2023، والخاص بإعادة تنظيم أعمال الأرصاد الجوية، حيث حدد أنشطة وخدمات الأرصاد الجوية، وهي التنبؤات والإنذارات الجوية والجو بحرية قصيرة وطويلة المدى، وحالة البحار على كامل الأراضي المصرية والمياه الإقليمية.
وقالت الدكتورة إيمان شاكر رئيس المركز الإعلامي بالهيئة العامة للأرصاد الجوية "إن القانون ينص على تقديم جميع خدمات الأرصاد الجوية باختلاف أنواعها وأغراضها على كافة المستويات المحلية والإقليمية والدولية، بما يتفق مع القوانين والنظم والإجراءات المحلية والإقليمية والدولية التي تلتزم بها الدولة، ووفق أفضل المعايير المعتمدة من المنظمة على أن تكون الهيئة مسئولة عن إذاعتها في وسائل الإعلام المختلفة".
كما ينص القانون، وفقا للدكتورة إيمان شاكر، على منح التراخيص والموافقات اللازمة لممارسة أي نشاط في مجال الأرصاد الجوية، والعمل على مساهمة القطاع الخاص في تقديم ونشر خدمات الأرصاد الجوية بما لا يخل بمقتضيات الأمن القومي.
وفيما يتعلق بأنشطة وخدمات الهيئة العامة للأرصاد الجوية، فهي توفر شبكة ضخمة من محطات الرصد التي تغطى الجمهورية تتجاوز المائة محطة جميعها تبادر بتقديم خدماتها إلى قطاعات الدولة المختلفة من خلال نحو 10 مراكز للتنبؤات منتشرة في أنحاء الجمهورية، ومن خلال تلك المراكز الملحقة بكل من مطارات القاهرة الدولي والنزهة والغردقة والأقصر، والتي تربطها شبكة معلومات عالمية، يتم تقديم خدمات الأرصاد الجوية للطيران المدني.
كما تصدر الهيئة معلوماتها لأعمال الملاحة البحرية لاختيار المسارات الآمنة للقطع البحرية والتنبؤ بمسارات العواصف وسوء الأحوال الجوية، وعن طريق نشر البيانات الإحصائية والمناخية يتم تحديد المناطق والتوقيتات الفضلى للسياحة، إضافة إلى خدمات أخرى عديدة يتم تقديمها للأغراض الزراعية والإنشاءات والتخطيط العمراني ودراسات تلوث البيئة والري والموارد المائية واستخدام النماذج العددية لمحاكاة انتشار الملوثات النووية.
وأسهمت كل هذه الخدمات في منح الهيئة العامة للأرصاد الجوية شهادات إدارة الجودة، وإدارة جودة البيئة، وإدارة السلامة والصحة المهنية، وإدارة التدريب غير الرسمى، تقديرا لتطبيق معايير الجودة الدولية.
وتعتبر رادارات الطقس خط الدفاع الأخير للكشف عن كافة عناصر الطقس التي تتسبب في أضرار جسيمة للأرواح والممتلكات، كما أنها تعد إنذارا مبكرا لكافة الجهات المعنية، فضلا عن تلبية احتياجات قطاعات الدولة المختلفة بالحصول على معلومات عالية الجودة فى مجال الأرصاد والهيدرولوجيا.
وتمكنت الدولة المصرية من تركيب وتشغيل عدد 30 محطة أرصاد أوتوماتيكية موزعة على محطات الأرصاد المختلفة والمنتشرة بالبلاد؛ مما يحقق طفرة فى تكنولوجيا الرصد الأتوماتيكية بدلا من الأجهزة التقليدية التى يدخل ضمن مكوناتها الزئبق المحرم دولياً، والذى يضر بصحة العاملين به لتصبح بذلك معظم محطات الأرصاد تعمل جميعها بشكل أوتوماتيكي.
ويُظهر هذا السجل التاريخي أن الهيئة العامة للأرصاد الجوية، قد بنيت على خلفية علمية صلبة بدأت من القياسات الفيزيائية الأولى عام 1829، وصولا إلى استخدام الحواسب الفائقة والذكاء الاصطناعي؛ بما يضمن تقديم تنبؤات عالية الدقة ونماذج عدادية متطورة، وهو ما يجعلها مرجعا علميا موثوقا وركيزة أساسية لاتخاذ القرارات وصنع السياسات البيئية والتنموية.