قال الدكتور محمد وسام، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، إن مقولة الإمام الأصمعي: “إذا أردت أن تعرف الرجل فانظر إلى حنينه إلى وطنه”، تعد من العبارات الدقيقة التي تعكس عمق فهم العرب لقيم الفطرة الإنسانية، وعلى رأسها حب الوطن والانتماء إليه.
وأوضح خلال حلقة برنامج "مع الناس"، المذاع على قناة الناس اليوم الثلاثاء، أن الأصمعي، وهو من أئمة اللغة الذين أدركوا أن “اللغة وعاء الفكر”، أشار بهذه العبارة إلى ما عُرف عن العرب من صفاء الفطرة ونقاء الروح، حيث كان حب الوطن قيمة متأصلة، تنعكس في سلوك الإنسان وعطائه، مؤكدًا أن الإنسان كلما ازداد حبًا لوطنه، فتح الله له أبواب الخير والتوفيق.
وأضاف أن هذه القيمة ترتبط بمعاني الوفاء والرجولة، إذ إن الرجل الحق هو الذي يدرك قيمة وطنه، ويسعى في رفعته، ويقف في وجه كل من يحاول الإفساد فيه، مشيرًا إلى أن غياب هذه المعاني يفسر وصف من يزهدون في أوطانهم أو يحقرونها بأوصاف مثل “الغنم”، في إشارة إلى افتقادهم عناصر الوطن الحقيقية التي تقوم على الاحتواء والمكث والحنين.
واستشهد بما ثبت عن النبي ﷺ عند خروجه من مكة، حيث قال: “والله إنك لأحب بلاد الله إليّ، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت”، مبينًا أن هذا الموقف يجسد أسمى معاني الحب والانتماء للوطن.
كما أشار إلى موقف آخر، حين مر النبي ﷺ على جنازة رجل غريب عن المدينة، فقيل له إنه قدم حديثًا ثم توفي، فقال: “لا إله إلا الله، سيق من أرضه وسمائه ليدفن في التربة التي خُلق منها”، في إشارة إلى الارتباط الفطري بين الإنسان وأرضه.
وأكد أن هذه النماذج تكشف أن حب الوطن ليس مجرد شعور عابر، بل هو جزء من التكوين الإنساني، وأن فقدان هذا المعنى يؤدي إلى طمس معالم الإنسانية، وظهور شعارات جوفاء لا تعبر عن فهم حقيقي للدين أو للحياة.
وبيّن أن القيم العليا التي أرادها الله للإنسان لا تتحقق إلا من خلال وعيه بدوره في إعمار الأرض، وسعيه في نفع الناس، وارتباطه بالمكان الذي يعيش فيه، وهو ما يجعل حب الوطن جزءًا من منظومة متكاملة من المعاني الإنسانية الرفيعة.