إذا ذُكر حفظ السنة النبوية، وحراسة حديث رسول الله ﷺ، برز اسم الإمام محمد بن إسماعيل البخاري في مقدمة أعلام الأمة؛ فهو الإمام الحافظ، والعالم العامل، والزاهد العابد، الذي وهب حياته لخدمة حديث النبي ﷺ، حتى صار اسمه مقترنًا بأصح كتاب بعد كتاب الله تعالى، واستحق عن جدارة لقب «إمام الأئمة».
فهو الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي البخاري، أحد كبار أئمة الحديث في الإسلام، وإمام من أئمة الجرح والتعديل، وعلل الحديث، ورجاله.
ولد ليلة الجمعة الثالث عشر من شوال سنة 194هـ، الموافق 20 يوليو سنة 810م، بمدينة بخارى، الواقعة اليوم في جمهورية أوزبكستان. وقد اختلف المؤرخون في أصله، فقيل: فارسي، وقيل: تركي، وقيل: عربي.
نشأ الإمام البخاري يتيمًا بعد وفاة والده، وكان والده من أهل الحديث والورع، وقد روى عن الإمام مالك وحماد بن زيد، ورأى عبد الله بن المبارك، ثم توفي والإمام البخاري لا يزال صغيرًا، فتولت أمه تربيته، وكانت امرأة صالحة عُرفت بالإيمان وحسن التوكل.
ويروي المؤرخون أن بصره أصيب في طفولته، فأكثرت أمه من الدعاء، ورأت في المنام نبي الله إبراهيم عليه السلام يبشرها بأن الله قد رد على ولدها بصره لكثرة دعائها، فأصبح معافى، وكانت تلك من البدايات المباركة في حياة الإمام.
أظهر البخاري نبوغًا مبكرًا، فالتحق بالكُتّاب، وحفظ القرآن الكريم، ثم اتجه إلى حفظ الحديث وهو لم يبلغ العاشرة من عمره. ولم يقتصر اهتمامه على الحفظ، بل اتجه منذ صغره إلى التثبت من الروايات، ومعرفة صحيحها من سقيمها، والبحث في أحوال الرواة، حتى عُرف بين شيوخه بدقة الفهم وقوة الحفظ.
ومن أشهر المواقف الدالة على ذكائه أنه صحح لأحد شيوخه إسناد حديث وهو في الحادية عشرة من عمره، فلما رجع الشيخ إلى أصله وجد الغلام مصيبًا، فقال له: «صدقت». وكانت تلك الحادثة من أوائل الشواهد على نبوغه الاستثنائي.
وعندما بلغ السادسة عشرة، كان قد حفظ مؤلفات عبد الله بن المبارك، ووكيع بن الجراح، وأصبح متمكنًا من أقوال المحدثين ومناهجهم.
وفي سنة 210هـ خرج الإمام البخاري مع والدته وأخيه أحمد لأداء فريضة الحج، وبعد انتهاء المناسك عادت أمه وأخوه إلى بخارى، بينما آثر هو البقاء في الحجاز متفرغًا لطلب العلم.
أقام بمكة مدة، ثم انتقل إلى المدينة المنورة، وهناك بدأ أولى مصنفاته الكبرى، وهو كتاب «التاريخ الكبير»، وكان عمره آنذاك ثماني عشرة سنة فقط، مما يدل على نضجه العلمي المبكر.
وقد وصف الإمام نفسه بداية طلبه للحديث بقوله إنه أُلهم حفظ الحديث وهو صغير، ثم لازم حلقات العلماء، حتى أصبح يراجع شيوخه فيما يروونه، ويصحح لهم بعض الأسانيد إذا وقع فيها وهم.
وقد أدرك الإمام البخاري أن العلم لا يُنال بالراحة، فبدأ رحلة طويلة في أرجاء العالم الإسلامي استمرت سنوات عديدة، قصد خلالها أشهر مراكز الحديث.
فزار بلخ، ومرو، وهراة، والري، ونيسابور، ومكة، والمدينة، وبغداد، والكوفة، والبصرة، وواسط، ودمشق، وحمص، وعسقلان، وقيسارية، ومصر، وغيرها من الحواضر العلمية.
وكان يقول عن نفسه إنه لقي أكثر من ألف رجل من أهل العلم، وطاف بالأمصار عشرات السنين، وقد صار الإمام، رحمه الله، بذلك مرجعًا للمحدثين في عصره.
وكان من أكثر البلاد التي تردد عليها بغداد، حيث اجتمع بالإمام أحمد بن حنبل مرات عديدة، حتى قال له الإمام أحمد عند إحدى رحلاته: «يا أبا عبد الله، تترك العلم والناس وتصير إلى خراسان!»، إشارة إلى شدة تعلق الناس به وإقبالهم عليه.
ورغم عزمه على الرحلة إلى اليمن للأخذ عن الإمام عبد الرزاق الصنعاني، فإن الظروف حالت دون ذلك.
وقد أتاحت هذه الرحلات الواسعة للإمام البخاري لقاء عدد هائل من العلماء، حتى قال عن نفسه: «كتبت عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث».
وكان شديد التحري فيما يرويه، فلا يقبل كل ما يسمعه، بل يختبر الرواة، ويتأكد من عدالتهم وضبطهم، حتى قال: «تركت عشرة آلاف حديث لرجل لي فيه نظر، وتركت مثله أو أكثر منه لغيره».
وقد تأثر بعدد من كبار الأئمة، وفي مقدمتهم علي بن المديني، الذي كان يقول عنه: «ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني». كما أخذ عن الإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن معين، والفضل بن دكين، وغيرهم من أعلام عصره.
وقد صنف العلماء بعد ذلك مؤلفات مستقلة لحصر أسماء شيوخه، مما يعكس كثرة من تلقى عنهم، واتساع رحلته العلمية، وعظيم عنايته بطلب الحديث.
وبعد أن ذاع صيت الإمام البخاري في الآفاق، قصد إليه طلاب العلم من مختلف الأقطار، فازدحمت مجالسه بالآلاف من المحدثين والفقهاء. وقد ذكر بعض المؤرخين أن أكثر من عشرين ألفًا كانوا يحضرون مجالسه في بغداد، وروي أن نحو سبعين ألفًا سمعوا منه كتاب «الجامع الصحيح»، بينما أوصل بعض العلماء عدد من تلقوه عنه إلى نحو تسعين ألفًا، وهو ما يدل على عظيم مكانته في نفوس أهل العلم.
ولم يقتصر أثره على تلاميذه، بل انتفع بعلمه بعض شيوخه أيضًا، حتى كان يقول: «ما قدمت على أحد إلا كان انتفاعه بي أكثر من انتفاعي به». وقد شهد له كبار أئمة عصره بالتقدم والإتقان منذ حداثة سنه، فكان مرجعًا في تصحيح الأسانيد وبيان علل الأحاديث.
ومن أشهر من أخذوا عنه: الإمام مسلم بن الحجاج، صاحب «صحيح مسلم»، والإمام الترمذي، والإمام النسائي، وابن خزيمة، وأبو زرعة الرازي، وأبو حاتم الرازي، وأبو بكر بن أبي الدنيا، وغيرهم من كبار أئمة الحديث، حتى قال الإمام النووي: «أما الآخذون عن البخاري فأكثر من أن يُحصَوا».
وعن تراثه وما خلّفه لنا، فقد ترك الإمام البخاري تراثًا علميًا ضخمًا، جمع فيه بين الحديث، والفقه، والتاريخ، والعقيدة، وعلوم الرجال، واستفاد في تأليفه من قوة حفظه، وسعة اطلاعه، ودقته الفائقة في نقد الروايات.
ويأتي في مقدمة مؤلفاته كتاب «الجامع الصحيح»، المشهور بـ**«صحيح البخاري»**، وهو أجل كتبه وأعظمها أثرًا، بل هو عند جمهور علماء أهل السنة أصح كتاب بعد القرآن الكريم.
وقد بدأ الإمام تأليفه استجابة لاقتراح شيخه إسحاق بن راهويه حين قال: «لو جمعتم كتابًا مختصرًا لصحيح سنة رسول الله ﷺ». فوقعت الكلمة في قلبه، وأخذ يعمل على تنفيذها، فاستغرق في تأليفه ستة عشر عامًا.
وقد اختار أحاديث الكتاب من بين مئات الآلاف من الروايات التي حفظها، فلم يثبت فيه إلا ما استوفى أعلى درجات الصحة.
ومن أبرز شروطه في قبول الحديث:
اتصال السند.
ثبوت لقاء الراوي بمن روى عنه وسماعه منه.
عدالة الرواة وضبطهم.
سلامة الحديث من الشذوذ والعلة.
وبلغ عدد أحاديث الكتاب - مع المكرر – نحو 7593 حديثًا، وقد عرضه الإمام على كبار علماء عصره، مثل أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، فأقروا بصحته، ثم تلقته الأمة بالقبول جيلًا بعد جيل، وتتابعت عليه الشروح، والاختصارات، والدراسات، حتى صار أكثر كتب السنة عنايةً وشرحًا.
ومن أشهر مؤلفاته أيضًا:
الأدب المفرد في الأخلاق والآداب الإسلامية.
التاريخ الكبير، وهو من أعظم كتب تراجم رواة الحديث.
التاريخ الأوسط.
التاريخ الصغير.
الكنى.
الضعفاء الصغير والضعفاء الكبير.
رفع اليدين في الصلاة.
القراءة خلف الإمام.
خلق أفعال العباد، وفيه بيان معتقد أهل السنة في كلام الله تعالى والرد على أهل البدع.
كما نُسبت إليه مؤلفات أخرى فُقدت مع مرور الزمن، مثل: المبسوط، والمسند الكبير، وكتاب الهبة، والتفسير الكبير.
أما عن أخلاق الإمام البخاري، فقد جمع الإمام البخاري خصالًا قل أن تجتمع في عالم واحد؛ فقد كان حافظًا متقنًا، وناقدًا بصيرًا، وفقيهًا مستنبطًا، وعابدًا زاهدًا، حتى صار المرجع الأول في علم الحديث في عصره، وأحد أعظم علماء الإسلام عبر التاريخ.
وقد استحق بجدارة لقب «إمام الأئمة»؛ لأن الله تعالى جمع له سعة الرواية، ودقة الدراية، وقوة الحفظ، وحسن الفهم، مع الإخلاص، والزهد، والورع.
ولم يكن اهتمامه بكثرة الرواية، بل كان همه الأكبر التثبت من صحة ما يُنسب إلى رسول الله ﷺ، ولذلك رفض آلاف الأحاديث التي لم تطمئن نفسه إلى استيفائها شروط القبول.
ولم تتوقف آثار جهوده عند عصره، بل امتدت إلى يومنا هذا، فأصبح صحيح البخاري محورًا للدراسات الحديثية، ومرجعًا أساسيًا لطلاب العلم في مختلف أنحاء العالم الإسلامي.
وختامًا نقول:
يظل الإمام محمد بن إسماعيل البخاري نموذجًا خالدًا للعالم الذي سخّر حياته لخدمة دينه، وضرب أروع الأمثلة في الصبر على طلب العلم، والرحلة في سبيله، والإخلاص في العمل، والتثبت في نقل السنة النبوية.
لقد حفظ الله تعالى به جانبًا عظيمًا من سنة نبيه ﷺ، وجعل اسمه مقرونًا بأشرف خدمة يمكن أن يقدمها عالم للإسلام، وهي خدمة حديث رسول الله ﷺ. فرحمه الله رحمة واسعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وألحقنا به في زمرة العلماء الصالحين.